ما دخلُ آلصليب بحرب آلملوك ؟

أهلا وسهلا بآلأخت ميس أميل عزو

قرأت الأخت ميس الصلاة آلطقسية للأحد الأول للصليب، أمس، خبر قسطنطين آلملك، وهو يسيرُ لقتال منافسه على عرش روما، إِذ رأى صليبًا في آلفضاء وكتابةً، حروفُها آلنجومُ، تقول :” بهذه آلراية تغلبُ ” ،” وعرفَ عظمةَ قوَّتِه، فآمن بسيادته، وغلب قوَّاتِ آلبرابرة، وأرسلَ أمَّه هيلانة لتبحثَ عنه في مدينةِ أورشليم”. عَقَّبت آلأختُ تقول :” أنا مْحَيِّرْني موضوعُ ظهور آلصليب للملك قسطنطين جِدًّا… يسوع لمْ يأتِ ليُؤَّسِسَ” مملكةً أرضية ” ولا إستخدمَ سُلطانَه حتى يغلبَ على آلأرض… كيف ينحازُ لجيشٍ أرضّيٍ ليغلبَ جيشًا آخر في حربٍ كغيرها من آلحروبِ التي يخوضُها آلبشر”… وكتبت أيضًا :” وِمْحَّيِرْني أنَّ آلكنيسة أَرْفَقَتْ آلأمرَ بصلواتها آلطقسية “.

 يسـوع وآلحرب !

ما نقلته آلأخت عن آلصلاة حدثٌ تأريِخيٌّ لا مفَرَّ من آلإعتراف به. كان قسطنطين القائدَ آلعسكري لولاية آلإمبراطورية الرومانية الشرقية. كان وثنيًا، أمَّا تربيتُه فمسيحية إِذ ترَّبى على يد أمِّه المسيحية. كان يطمح في آلعرش مثل غريمه. فوَّجه جيوشَه نحو روما. ليس يسوع من دعاه إلى آلحرب. بل إستَغَّلَ سوء نيَّات ألبشر وتناحرهم على أمجاد آلدنيا آلزائلة ليُوَّجه نتائج آلحرب إلى خير أعظم للبشرية جمعاء، إلى تغيير آلتاريخ، إلى نشر آلحقِّ الذي من أجله صُلبَ ظُلمًا على أيدي بشرٍ مجرمين، فتنفتح عيون جميع آلشعوب على آلحقيقة آلألهية : المحبة وآلتآخي وآلتعاون وآلتسامح. أما هكذا فعل آلله مع نبوخذنصر الطامح بآلعرش البابلي فنَصَرَّه على آلآثوريين ثم آليهود وسبى هؤلاء بسبب شرِّهم، ثم أزاحه بدوره على يد كسرى، لِيُحَرِّرَ شعبَ آلله بعد توبته، ويُعيدَه إلى وطنه حيث سيأتي مخلَّصه آلحقيقي، المسيح ويُخَّلِصُ آلعالمَ بصليبه. ألم يستغل آللهُ حقدَ بني يعقوب وسعيَهم إلى قتل أخيهم يوسف فجعلهم يبيعونه عبدًا بِـعشرين قطعة فضِّية، رمزًا لحقد اليهود على يسوع و بيعه بثلاثين قطعة من آلفضَّة (زك11: 12-13) على يد تلميذه يهوذا؟ (متى26: 15). لم ينحز آلله ليسند طرفًا ضد آخر، بل قاد خلافهم إلى نتيجة تبني آلأنسانية. لم يُهمل اللهُ آلبشرية ولا سَلَّمها إلى أيدي ابليس آلشّرير. إنه يقودُ آلتأريخ، ويسهرعلى تدبير شؤون آلكون (زك11: 11)، وهو قادرٌ على كلِّ شيء. لا يريد الشر وآلسوء لأحد. بل يريد آلخير للجميع. فطبيعيٌّ أن يسند مَن يميل إلى آلخير ويرشدَ مَن يتمِمُّ مشيئته تعالى. وقسطنطين مُهَيَّأ ٌ لهكذا خدمة إِذ هيَّأَ له مربية مسيحية. ليست أفكار آلله مثل أفكار آلبشر ولا طرقُه هي مثل طرقهم (اش55: 8).

 

إعلان ميلانو !

وكانت نتيجة آنتصار قسطنطين أنَّه أعلن من ميلانو سنة 313م حُرَّية آلفكر وآلدين في آلعالم ، وأنهى آلإضهاد آلقائم ضِدَّ آلمسيحيين في إمبراطوريته. آمن بآلمسيح وآمنت شعوبٌ كثيرة على خطاه، عدا الذين تبعوه في دينه كما كانوا أتباعه في آلحكم. حرَّر آلمظلومين دون أن يظلم الوثنيين أو آليهود ولا أن يُلزمهم بآلتنَّصر. إحترم حرَّية غيره، وعمل علنًا وبكل آجتهاد لإعلاء شأن آلكنيسة وتثبيت حقيقة آلمسيح وتعليمه. هذه خطوة بنّاءَة وعظيمة، بل أساسية في تأريخ آلبشرية. كما أنجز مشاريع عمرانية كبناية آلكنائس، مار بطرس في روما على تلة آلفاتيكان (تحت أنقاض الكنيسة آلحالية)، وكنيسة آلقبر فآلقيامة. وله آلفضل في آنعقاد أول مجمع مسكوني سنة 325م للسهر على إستقامة آلأيمان، ولتنظيم إدارة آلكنيسة على آلمستوى الروحي آلكتابي وآلزمني، وتحديد أهم عقائد آلأيمان (قانون إيمان نيقية)، وتحديد قاعدة التعييد بعيد آلقيامة، ومات بعطر آلقداسة.

 

يسوع ومملكته !

جاء في إنجيل لوقا خبرٌ، بشكل مثل، عن مملكة المسيح يسوع. قال:” ..كانوا يظنون أن ملكوت الله (أي دولة زمنية) يوشك أن يظهرَ في ذلك آلحين. قال: سافر أميرٌ إلى بلد بعيد ليتوَّلى آلحكمَ ثم يعود. فدعا عشرة خدم له وأعطى كلَّ واحدٍ منهم دينارًا ذهبيًا وقال لهم : تاجروا بهذا آلمال حتى أعود. وكان أهل بلده يكرهونه. فأرسلوا إليه يقولون : لا نريد هذا آلرجل ملكًا علينا . ولما رجع آلأمير بعدما تولَّى آلملك ..”. فحاسب من شغَّل موهبته. والذي تكاسل وتغافل عنها وبَّخه وآستردَّ منه ما وهبه له، ولم يعد بعد من أتباعه. ثم قال :” أمَّا أعدائي الذين لا يريدون أن أملك عليهم فجيئوا بهم إلى هنا وآقتلوهم أمامي(لو19: 12-27).

وقصد بهذا آلمثل، كما تفسِّره آلكنيسة، بأن يسوع لمَّا إنتقل ألى آلسماء” جلس عن يمين آلله” (؛مر16: 19)، وآستلم حكم آلكون مُنهِيًا سلطة ابليس ” لأنَّ آلله جعلَ آلدينونة كلَّها للآبن ” (يو5: 22) في آلسماء وعلى آلأرض. أعلِنَ يسوع آلمسيح ملكًا وله مملكة، فقد نال ” عرشَ داود أبيه إلى آلأبد، ولا يكون لملكه إنقضاء” (لو1: 32-33). إعترفَ به آلمجوسُ وسجدوا له منذ أن وُلد (متى2: 10-11). آلملك يقود مملكته ويُحاسبُ جميع الناس: من آمن به وحفظ كلامه وجاهد فشهد للحق يجازيه، ومن نكره ورفضه يُبعدُه عن ملكوته. لم تقم مملكته على أُسس بشرية : آلقُوَّة وآلرهبةِ وآلمال وآلتسَّلُط وآلعِداء ، بل بناها على أساسٍ روحي إلهي هو آلحقَّ وآلبر وآلعيش في آلمحبة وآلتآخي وآلتعاون.

لقد رفضه آليهود ملكًا عليهم، رفضوا أن يتبعوا مبادئَه :” هوذا ملككم. فصاحوا : أقتله ! أُصلُبه !. هل أصلب ملككم؟ أجاب رؤساءُ آلكهنة: لا ملك علينا إلاَّ قيصر”(يو19: 14-16). لقد فضلوا طريق آلسوء وآلعنف، وختموا بهذا نهاية آمتيازهم. فنبذهم يسوع :” سيأخذ الله ملكوته منكم ويسلِّمه لمن يجعله يُثمر(مؤمنون يربَحون غيرهم للحق) (متى 21: 43). نعرف أنَّه سنة 70م، أي بعد أقلَّ من 40 سنة من موت آلمسيح، دمر طيطس آلقائد الروماني هيكل أورشيلم وأَنهي مملكة آليهود الدينية آلزمنية، لتقوم بدلا منها الكنيسة، أي مملكةُ يسوع آلروحية التي أعلن عنها من أول خطابٍ له :” توبوا فقد إقترب ملكوتُ آلسماوات ” (متى4: 17). ملكوته يتقَيَّدُ بدستوره ، يسير مواطنوه على خطاه، حاملين رايةَ آلصليب، مثل جيش قسطنطين آلملك، في إنارة طريق آلحق للبشرية وآلدفاع عن آلبّر، ودعوتِها كلَّها إلى تبَّني تعاليمه وأخلاقه ليسود بين آلشعوب السلامُ وآلوئام، ويكون آلعالمُ كلُّه رعيَّةً واحدة لملك واحد (يو10: 16).

 

الصليب وآلكنيسة !

إحتارت السائلة آلكريمة من أن آلكنيسة ” أرفقت بصلواتها آلطقسية ” خبر معجزة رؤية قسطنطين الصليبَ في آلسماء وآنتصاره. نعم وأرفقته بآفتخار وقدَّمته نموذجًا للأيمان وآلثقة بكلام آلله وآلتقيُّد به. المسيح لم يدعُ قسطنطين إلى الحرب. إنَّما دعاه إلى آلأيمان وآلثقةِ به، وكلَّفه بخدمة آلصليب ضامنًا له آلموفقية إذا سمع منه وآستجاب لطلبه. أما هكذا فعل آللهُ مع إبراهيم (تك71: 1-8)، ومع موسى (خر3: 9-12؛ تث5: 1-33)، وغيرهم لتحقيق إرادته ومخططه في قيادة آلكون. كما نبذ من إختارهم ولكنهم خانوا آلعهدَ وزاغوا عن سبيل آلحَّق، مثل الملك شاول الذي رفض طاعة آلله (1صم15: 22-26)، ويهوذا آلإسخريوطي الذي ، طمعًا بآلمال، خان معلَّه وسلَّم ربَّه للموت (متى26: 15، و24-25). فيما عاش قسطنطين آلملك إيمانه وشهد على أمانة آلله لوعوده. فآلحدث مثالٌ رائعٌ لهذه آلأمانة، ونادر لفعالية إيمانٍ صادق من جهة آلإنسان.

وآلكنيسة تدعو إلى آلإيمان، وترَّبي مؤمنيها على إستثمار إيمانهم وتفعيله، وتقدَّم أمثلة على ذلك أحداثًا من حياة آلقديسين وأبنائها آلبررة آلمشهورين بفضائلهم وعطر قداستهم، لِتُشَّجع على آلصمود وآلجهاد، ولتُساعد من يتطَّلع عليها فلآّ يتخاذل أمام آلصعوبات، ولا يتراجع أمام آلمخاطر، بل يتَّكل على آلله و يشهد للحق، ليُنير في آلعالم ،” أنتم نور آلعالم”. وكيف تنشر هذا آلنور من غير وسائلَ مضمونة توصل تعليم آلكنيسة إلى آلبشر، وفي مقدمتهم أبنائِها آلمؤمنين، ليُؤَّدوا دورهم في نشر أخبار آلمسيح وآلتأكيد على فاعلية آلأيمان. هذه آلصلوات التي قرِئَت ترتقي ألى قبل آلقرن آلسابع آلميلادي. وكانت آلصلوات ألجماعية، مع آلإحتفالات آلدينية، أفضل سبيل حيوي، حتى لا نقول وحدَه، لنقل آلأيمان آلمستقيم من آلآباء إلى آلأبناء، وآلحفاظ عليه، و نشره بواسطتهم في آلعالم. ولهذا ليست صلوات آلكنيسة إبتهالات فقط وتضرّعات. بل نجد في ألصلوات فقرات تثقيفية تأريخية، وشهادات نَيِّرة ومثمرة من خبرات إيمانية، بجانب تعليم لاهوتي وكتابي لتغذية حياة جميع من يستعملون هذه آلطقوس، خاصَّةً بين آلكادر آلتعليمي وآلتوجيهي في آلكنيسة.

تبقى معجزة رؤية آلصليب، ودعوة آلمسيح إلى آلإيمان ثم إلى تفعيله مأثرةً إيمانية وشهادة على أن آلله لا يتفرَّج على آلبشر، بل يساعدهم ويوفر لهم سُبل تحقيق آلحياة آلكريمة في آلحَّق وآلبر، ويتدَّخل كثيرًا في أفعال آلناس لينتج عنها خيرٌ عام. وهي أيضًا شهادةٌ على أنَّ آلتقَّيد بكلام آلله وحفظه لا يقتصر على رفع آدعيةٍ وصلوات فقظ، بل تدعو إلى أداء خدماتٍ يطلبها آلله تؤدي إلى خير آلإنسانية، وبآلتالي إلى مجد آلله. وتعطي آلكنيسة مؤمنيها هذا آلوعيَ وهذه آلوسيلة. فصلواتُها وطقوسها، كما هي، خدمت آلأيمان أكثر مما نتصَّوره.