أسئلة عن الجَنَّـة

هلا وسهلا بالأخ دلير

يقرا الأخ دلير الكتاب المقدس. ويسمع ما يردده عنه المؤمنون في أقوالهم. فتشكلُ عنده أحيانًا بعض الفقرات فسألني :” لا يُذكر في الكتاب المقدس عن الجنة بعد الموت. الجنة كانت في عدن وعاش فيها آدم مع حواء قبل العصيان“. وأضاف سؤالاً آخر قائلاً: ”  دعني أدفن أبي أولا. ليس مذكورا أن والد الشخص قد مات حينما طلب من يسوع أن يدفنه.. بينما قال كاتب ” في هذه الأثناء توفي والده، فأضاف ما ليس موجودًا في الأنجيل“.

السؤال 1 +

نعم هذا صحيح بخصوص الجنة الأرضية، وكانت تمتد بين نهري النيل والدجلة، أي أقدم جزء من الكون عرفه الأنسان وسكنه. لكن ” الجنة ” ليست بأبعادها الترابية، بقدر ما هي بـ” رمزها ” أنها توَّفر الراحة للأنسان. يجد فيها كلَّ ما يحتاجه ولا ينقصه شيء ولا يتألم من شيء. ذلك لأنَّها “جنة الله”، خيرٌ الهي، حيث يلتقي به الأنسان ويتمتع بخيراته. إنَّها ” حديقة ” البيت الألهي فيه كل أسباب الراحة والسعادة والتنَّعم. وكان الأنسان سيعيش هكذا مع الله للأبد. فالأنسان خُلق لهذه الحالة. لكن الأنسان لم يعرف أن يحتفظ بها.

هذه الجنة فقدها الأنسان بعصيانه أمر الله. لكن الله لم يمحُ الأنسان، بل وعده بأن يُخَّلصه من الورطة التي وقع فيها، ويُعيدَه الى نفس الحالة ” العيش مع الله في حالة النعيم الدائم ” للأبد. سيخضعُ الأنسان من جديد الى إختبار ثانٍ فيه يربح الأنسان المعركة ضد عدوه الشيطان. تمت هذه المعركة على يد يسوع المسيح، ابن آدم، وآنفتحت حياة الجنة أمام أبناء آدم. فتحها وهو على الصليب عندما طلب من الله أن يغفر للأنسانية الخطيئة الأولى لأنه كفرَّ عنها وبموته إشترى حياة الأنسان. ثم لما وعد اللص اليمين” أُذكرني يا رب متى جئتَ في ملكوتك”، أجابَه ” اليوم تكون معي في الفردوس”، أي تعيش في ملكوت الله في حالة السعادة للأبد كما كنت قبل الخطيئة. والفردوس هو” الجنة ” الأبدية، التي سمَّاها الأنجيل “السماء” حيث ” ملكوت الله “. وذكر الأنجيل أنَّه لن يدخلها إلا من يسمعون كلام الله. كما ذكر مثال لعازر المسكين والغني القاسي القلب حيث تمتع لعازر بالراحة والسعادة بينما تعَّذب الغني بسبب عدم سماعه كلام الله، وذلك في جهنم (حالة العذاب) وهي تقابل الملكوت (حالة السعادة ) جنة حلم الأنسان. لذا يمكن الكلام عن الجنة ككلمة مرادفة للملكوت. لأننا نعني بالملكوت الحياة الأبدية بعد الموت. سماها الكتاب المقدس ” المُلكَ المُعَّد للأنسان ” من الأزل (متى25: 34).

 

السؤال 2+

عبارة ” في هذه الأثناء توُّفي َوالده ” ليست من الأنجيل. إنَّها شرحٌ بمعنى” في تلك الأيام”. العبارة في سياق رواية الخبر. الشخص هو من تلاميذ يسوع، أي الذين كانوا يتابعونه، عدا الرسل الأثني عشر، ويترددون عليه كثيرًا. هذا التلميذ يطلب من يسوع أن يُرَّخصَّه بالعودة الى البيت لدفن والده. وهذا يعني أنه سمع خبر وفاة والده وطلب من يسوع أن يسمح له بالعودة لدفنه وأداء واجبه كإبن لأبيه. لأنَّ في ذلك الزمن لم توجَد عادة تأجيل الدفنة الى بعد أيام. لا تعبرالدفنة 24 ساعة على الوفاة. فعبارة ” في هذه الأثناء” هي من الكاتب، تفسيرية تعني في ظرف وفاة الوالد، التي كانت قريبةً. أي توفي والد التلميذ فطلب هذا العودة للدفنة. ولم يتطرَّق الى رجوعه الى يسوع ام لا بعد الدفنة والعزاء. فلا  يتعَّلق الخبرُ بوفاة و دفنة. بل يدُّل جوابُ يسوع أنه أبعد من ذلك. وقد يعني أن التلميذ لن يعود الى يسوع. فيسوع يضع امامه، وأمام كل مؤمن به، الأختيار بينه هو مع تعليمه وبين العالم وثقافته التي تُغري وتغّشُ الأنسان. ثمَّ لما ردَّ يسوع قائلاً ” دع الموتى” عنى بها أهل العالم المنغلقين على مبادئه وثقافته. نتذكر قول يسوع لرسله ” أشفوا المرضى، أقيموا الموتى، طهّروا البُرص، أُطردوا الشياطين” (متى10: 8). إِنَّها تعني تزويدهم قوَّة الإتيان على المعجزات. ولكن تعني أبعد من ذلك ليقول أنَّ البشرالخاطئين هم” مرضى، وموتى، و بُرصٌ غَشَّهم الشيطان وخدعهم “، فآطردوه وأعيدوا الحياة الألهية، التي في الفردوس قبل الخطيئة، الى هؤلاء الموتى. لا ننسى أن الله قال لآدم إن أخطأ ( أكل من الشجرة المُحَّرمة عليه) فسيموت. أكل فأخطأ لكنه لم يمت بالجسد. بل مات بالروح لأن الخطيئة عزلته عن الله، وخسر الجَّنة. فيسوع يريد إعادة أولاد آدم المائتين الى جنتهم، الى ملكوت الله، مثلَ الأبن الضال الذي ” كان مائتًا فعاش وتائهًا فوُجد” (لو15: 24).

فلمَّا قال يسوع لتلميذه ” دع الموتى يدفنون موتاهم” عنى أنَّ أمور الدنيا لن تتوقف. يوجد دومًا من يدفن الأجساد. وحتى إذا لم تدفن، مثل جثث شهداء كثيرين أو الذين يغرقون في الماء بسبب حوادث غرق سفن أو سقوط طائرات في البحر، ليس ذلك مُهّمًا مثل سماع كلام الله والتقَّيد به. فالجسد المادي” الفاسد بالخطيئة ” يرجع الى التراب الذي منه أُخذ (تك 3: 19) ولن يرث الحياة الأبدية (1كور15: 50) ويُعَّوض عنه الموتى بجسد روحاني (1 كور15: 44-46). عندما يريد الله شيئًا ويطلبه من الأنسان من المفروض أن يستجيبَ له. فالله هو خالق الأنسان، وحياة الأنسان مُلكُه، وهو وحده يقدر أن يُسعِدَ الأنسان. وقد قال يسوع ” من أحَّبَ أباه أو أُماه أو… أكثر مما يُحِبُّني فلا يستحِقُّني” (متى10: 37). فالتلميذ المذكور، وكلُّ من يخطأ ويتبع فكر العالم وخيرَه، في خطر ترك تبعية يسوع بسبب حياة الدنيا ومبادئها، فيُنَّبهه ويدعوه الى التغَّلب على التجربة.

                

 

عَلَّقَ الأخ دلير على الأجوبة وطرحَ أسئلة أخرى متكاملة جاء فيها :

س1: هل يجوز أن نترَحَّم على شخص مات ونقول : “الله يرحمه. ومكانه الجنة. إن شاءَ الله؟. وعن مصطلح الجنة بعد الموت قال :

س2: هل هي ضمن العقيدة؟. أم نحن ملتزمون أن نقول: ” مكانك الفردوس، أو ملكوت السماء”؟.

س3: أيُّ التفاسير تشرح بأن والد تلميذ المسيح كان قد توفي فعلا حتى طلب أبنه التلميذ ان يذهب ويدفنه؟.

السؤال 1:

نعم يجوز أن نترَحَّم على شخص مات فنطلب له رحمة الله. الأنسان يموت، ولا نعرف كيف يكون مصيره الأبدي. الله هو الوجود وهو مُوجِدُ الحياة وسَيِّدُها ولايتغَيَّر. خلقنا لنحيا معه. وإذ خسر الأنسان، في شخص آدم أبو الأنسانية، مشاركة الله في الجنَّة وعدَه بأن يُشاركه في راحة وسعادة ” الجنة ” الأبدية، بعد أن يأتي آدم جديد يولد من نسل الأول، أي يسوع المسيح، ويتغلَّب على عدو الأنسان ومُسَّبب سقوطه، ويُعيدُ الى الأنسان حقَّه مشاركة راحة الله ومجده. وهذا تم بعد موت يسوع التكفيري، وصموده في الحق أي في طاعة كلام الله، وقيامته. وحتى يشترك الأنسان من جديد مع الله في ” جنة الراحة والمجد ” يموت أولا عن حياة الزمن ثم يدخل ” جنة الحياة الألهية”. وحتى يستحق ذلك يجب أن يكون قد عاش كما طلب يسوع المسيح. والذي يحكم أنَّ المَيِّتَ كان ملتزمًا أو لا بشريعة المسيح هو الله. فعند الموت يُحاسبُ المَيِتَ. نحن لا نعلم نتيجة المحاسبة : هل نال المَيِّتُ الخلاصَ أم هلك؟. لأنَّنا لا نعرف ما كان في قلب الأنسان وفكره، وما كانت أفعاله الخافية علينا. فنطلب و نتمنى للميت، خاصَّةً القريب منا أو عزيز علينا، أن يرحم الله الدَّيان المَيِّت ويكون حكمه أبويًا وحنونًا ، أي أن ينظر إلى ايمانه وأفضاله أكثر من الى خطاياه، وألا يهلك الميت. كما نريد الخلاص لأنفسنا نريدُه أيضًا ونتمناه لِـ ” قريبنا “.

وعن كلمة ” إن شاءَ الله”. لمَّا كان يسوع في بستان الزيتون عرق دمًا بسبب شِدَّةِ ألمِه على خيانة الأنسان ونكرانه جميل الله، طلب من الآب السماوي :” يا أبتي إِن أمكن فلتعبر عن هذه الكأس (أي ألا يُهان ويُذَّلَ بالجلد وإكليل الشوك والصلب والأزدراء به). ولكن لا كما أنا أشاء بل كما أنت تشاء “. وسيقول مار يعقوب في رسالته :” قولوا : إن شاء الله، نعيش ونعمل ..” (يع4: 15).أي نتعلم أن نتكل على الله في كلِّ شيء. حتى صلاتنا نضعها بين يديه هو يستجيب لها أو يؤَّجلها حسبما هو يعلم ما هو الأحسن أن يفعله لنا.   

السؤال 2:

هذا ما نعنيه بدعائنا ” الله يرحمه. ومكانه الجنة “. أما عن مصطلح ” الجنة “، فأكرر ما سبق وأشرت إليه في الحديث السابق أنَّه ليس مكانًا لنتمسَّك به، بل هو حالةُ الراحة والمجد  والسعادة التي يتمناها كل إنسان ويسعى إليها طوال حياته. كذلك” الفردوس أو الملكوت ” هي حالة مشاركة الله في راحته ومجده ، أي عدم الهلاك والعذاب مدى الأبد. ما دُمنا نطلب للمَيِّت الراحة والمجد والسعادة فلا فرق إذا إستعملنا كلمة  جنَّة  أو فردوس أو ملكوت.

فمصطلح الجنة ليس ” عقيدة إيمانية ” يجب الألتزام بها، ولا ” خطَئًا هرطوقيا ” يجب تجَنُّبُه، ولا ” الفردوس أو الملكوت ” أحسن من غيرها. ما ننويه بتعبيرنا ونقصُدُه ونتمَّناه في فكرنا وقلبنا هو المهم. عبارات التعزية من تأليف المؤمن تدُّلُ على إيمانه ومحبته. فهو يقول ما يعتبره صحيحًا. أنا شخصيًا عندما أكتب كلمة تعزية عن روح مَيِّتٍ ما، أتمَّنى أن :” يرحمه الله ويستقبله في ملكوتِ راحتهِ ومجدِه (أو: راحةِ ومجد ملكوتِه) برجاء القيامة الأبدية “. وأصَّلي:” الراحةَ الأبدية أَعطِهِ يا رب ، ونورُك الدائم فليُشرق عليه “.

السؤال 3:

في أيِّ كتاب أجد شرحًا لِأعرف :” أن والد التلميذ توُّفيَ فعلا”؟. وهل يحتاج إلى تفسير أو شرح؟. لأنَّ سياق حديث الأنجيل يفترضُ ذلك. فهو يقول :” قالَ ليسوع واحدٌ من تلاميذه : يا سَيِّد دَعني أذهبُ أولاً وأدفن أبي”( الحديث عن دفنة الوالد. إن لم يكن الوالد قد توفي فعلا، فكيف يذهب ويدفنه؟). عليه يرُّدُ يسوع ” دع الموتى يدفنون موتاهم. امَّا أنتَ فآتبعني” (متى8: 21-22).

إن كان متى قد ترك لنا هذا الخبر وما سبقه فليس بالضرورة أن يكون قد وقع حرفيًا هكذا. بالتأكيد جرى الحديث عنه بين يسوع والتلاميذ وأوضح لهم يسوع المبدأ، وصاغه متى بهذا الشكل بعد أربعين سنة عند كتابته الأنجيل. عليه عند قراءتنا للكتاب المقدس يجب أن نقرأ بين الأسطر بعد قراءة الأسطر نفسَها. أي نحاول أن نفهم ماذا يريدُ الكاتب، وهو إنسان، أن يُعَّبرَ عمَّا أحَّسَ أن الله يوحي به إليه، أو ما عناه يسوع نفسُه. يقول المرحوم بولس الفغالي في شرحه لهذا النص ما يلي :” في العالم اليهودي، كانت التقوى البنوية تفرض على الأولاد ان يؤمنوا دفنة لائقة لوالديهم. ولكنَّ يسوع يجعلُ أتباعَه يُحِّلون ذلك الواجب في المقام الثاني. أمَّا ” الموتى” الذين يتكلم عنهم يسوع هنا فهم أولئك الذين لم يجدوا بعدُ حياة الملكوت. إنَّ زمن يسوع قصيرٌ، وهو يتطلبُ تنَّـبُهًا وآلتزامًا. وهكذا نفهم الموقف الجذري الذي يطلبُه يسوع من تلاميذه. فطلب متى من المسيحيين أن يتفحَّصوا نوعية إلتزامهم على خُطى يسوع “.(الكتاب المقدس، قراءة راعوية، طبعة جمعية الكتاب المقدس، لبنان2012، العهد الجديد ص23). للمؤلف المذكور خمسون مؤَّلَفًا بآسم ” دراسات بيبلية “، نشرتها الرابطة الكتابية، توزعها المكتبة البولسية فيها يدرس ويشرح أسفار الكتاب المقدس.