عـيد مريم المحبول بها بلا دنس أصلي !
2015.12.08
يوم مشهودٌ له ومبارك. صانها الرب من تبعات الخطيئة الأصلية فحفظت قلبها لله. كانت في وضع براءة الأنسان الأول. الأنسان الأول لم يستوعب محبة خالقه بقدر ما أحس بقوة الشهوة التي جرفته نحو خير الجسد قبل خير الروح. عصت حواء وصية الله وجرت معها زوجها الى العصيان. أما مريم ففي براءتها إتجهت نحو الله ، وآمتلأت من حبه فأصغت اليه واثقة أنه " الأدرى" بمصلحتها.
يُتلى علينا اليوم إنجيل -::< متى1: 1-16 >::- ويُخبرنا بسلالة يسوع الأنسانية بكونه ابن مريم، كما قال:" ويعقوب ولد يوسف < زوج مريم التي منها وُلِدَ يسوع > وهو المسيح" (آية 16). ومريم هي حواء العهد الجديد في المسيح. تشوهت الخليقة الأولى في عصيان آدم. و يسوع هو آدم الجديد الذي على يده يُجدد الله خليقته رافعا إياها الى مستوى الروح. و مريم هي "المعينة الضرورية " لذلك (تك2: ). ولم تقَّصر في أداءِ دورها تجاه إبنها وإلـهها بل عاونته لكسب ثقة التلاميذ والمنتظرين خلاص اسرائيل. و وقفت مع إبنها حتى " تحت الصليب" لتمزج ألمها بآلامه من أجل خلاص البشرية. وأصبحت بذلك " شريكةً " في فدائنا.
ولما يفتتح البابا " سنة الرحمة المقدسة " في عيد مريم فلأنها قبلت في حشاها "الأله الرحوم والرؤوف". تجَّسدت الرحمة الألهية فيها وطعَّمتها، حتى أصبحت بدورها " أم الرحمة و الرأفة". ولما ظهرت مريم لرؤاة فاطمة سنة 1917 أرتهم مشهدا، دُعي بعده سر عذراء فاطمة الثالث والذي كُشف النقابُ عنه سنة 2000م، ظهر فيها ملاك بيده سيف مسلول يُهَّددُ الأنسانية الخاطئة فمدَّت العذراء ذراعها ومنعت السيف من أن يُنزل العقاب بالخطأة فظهرت الكتابة " التوبة !التوبة! التوبة!". وقالت العذراء في حينها للرؤاة بأنَّ الله قد سَّلمَ إليها مِلَّف السلام العالمي. فدعت الناس الى التوبة لتنال لهم السلام. وما أحوج البشرية اليوم إلى أن يرحمها الله فتتجَّنب ويلات الحرب وتنعم بالطمأنينة والسلام. ومريم هي المرشد والمعين لتحقيق ذلك.
شدَّدَ البابا على نقطتين هما : أولا الله وحده قادر على حَّل مشاكل العصر، بأن يرحم البشر ويغفر لهم خطيئتهم. وهو مستعّدٌ لذلك. وثانيا مريم هي الطريق الى جلب الناس الى الله لأنها الأم الرؤومة وأمة الرب المحظوظة. لذا وضعَ السنة المقدسة تحت رعاية مريم ، و يطلب من الناس أن يتوبوا ويرجعوا الى الله فهو أب حنون يغفر لهم ويساعدهم على تحَّدي صعوباتهم وحَّل مشاكلهم.
أما عن مريم فهي قبلت من البدء أن تكون أما للمسيح لُتعينه في مهمَّتِه. وقبلت ، وهي تحت الصليب، أن تكون أما لأخوته المؤمنين به. والأم أدرى بما يدور في خلد أبنائها. وعليه طلبت ، أينما ظهرت ، أن يقترب الناس من الله بالصلاة.
لقد جَّددَ الله خليقته في المسيح " بالروح القدس"(طي3: 5) الذي سكبه على البشرية يوم العنصرة (أع2: 1-4)، وكانت مريم بين التلاميذ. ولم يكن ذلك حدثا إنتهى. بل كان حدثا بدأ ليتواصل مع حياة الكنيسة الى منتهى العالم. وقد ذكر سفر أعمال الرسل كم تدَّخل الروح علانية في توجيه عمل الرسل التبشيري (أع4: 31؛ 8: 29؛ 10: 19-20...). لذا قال الرسول :" دعوا الروح يملأكم"(أف5: 18)، و "دعوا الله يُصالحُكم"(2كور5: 20)، و دعوا " الأنسان الباطن يتجَّددُ يوما بعد يوم"(2كور4: 16)، حتى" نتحَّول الى صورة مجدِ الرب "(2كور3: 18). والروح القدس الذي أحيا الكون وبه تجَّدد قادر على أن يرشدَ ويُعين كل مؤمن ليتجدد في أفكاره ورغباته. بل ذلك هو دوره (يو14: 26؛ 16: 13).
هذا ما تريده رحمة الله وهذا ما تقدر أن تحَّققه شفاعة الأم السماوية ومثالها. بقي على الناس أن يثقوا بالله وأن يقتدوا بمريم في إستسلامهم لمشيئته تعالى. فتدعوهم الكنيسة الى التوبة والعودة الى الله والتجَّدد المستمر فلا نعتقَ في إيماننا ، ولا نتغَّرب في محبتنا ، ولا نقطع الرجاء في نيل السلام والراحة في ظل نعمته تعالى وبركته.

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com