الصــــــــــوم وأســـبوع الآلام

" إذا صمتم فلا تكونوا عابسين كالمرائين ... ليظهروا للناس ...
أما أنتَ فآغسِلْ وجهَـكَ. وآدهن رأسَكَ حتى لا تظهر للناس .. "
متى 6: 16-18

منذ متى بـدأ الصـوم ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
يذكرُ الكتابُ المقدَسُ الصومَ ،لأول مرة ، مع موسى (خر34: 28) . ثم يذكرُ أفرادًا صاموا مثل داود (2صم : 16) وإيليا (1مل 19: 8) ودانيال (9: 3) واستير(4: 16؛ 5: 1) ويهوديت (4: 9-13؛ 8: 6). هذا في العهد القديم. أما في العهد الجديد فيذكرُالكتابُ صومَ يسوع (متى4: 2)، صومَ الفرّيسيين و تلاميذ يوحنا (متى9: 14) والرسل (أع13: 2) بعدَ أن بدأوا يبَّشرون بالأنجيل
2
كـيف كانوا يصـومون ؟
لا يُحَّـدِدُ الكتابُ شريعةً محَّددة ثابتة للصوم. فموسى صامَ أربعين يومًا بلياليها ، وعلى وجبتين، وذلك مباشرَةً قبل كتابةِ لوحةِ وصايا الله العشر ونقْرِها وبسببها وأثناء العملِ فيها. أما داودُ فصامَ سبعةَ أيام بلياليها أيضا، وهو منشغلٌ بالصلاة ،طالبًا شفاءَ ابنِهِ من بتشابع، زوجة أوريا. وصامَ ايليا أربعين يومًا، أيضا بلياليها، أثناءَ سيره نحو جبل حوريب هاربًا من تهديدِ الملكةِ إيزابل بقتلِهِ. أما استير فصامت ثلاثة أيام فقط بلياليها وفرضته على المسبيين اليهود كلهم في بابل
عندما كانوا مُهَّدَدينَ بالإبادة. لا يذكرُ الكتابُ إنْ كان هؤلاء قد صاموا مرةً أخرى أو لا !. بينما يذكرُ أنَّ يهوديت مارست الصومَ كفريضةٍ مدة ثلاث سنواتٍ ونصف تقريبًا (6: 8) بعدَ ترَّمُلِها، وإلى زمن هجومِ جيوشِ البابليين على
اليهودية. أكـيدا لم تصُمْ طوال الفترة بدون انقطاع. كانت تتناول وجبة واحدة أقله مساء كلِ يوم. وكذلك صام دانيال وتضَّرع وصَّلى دون تحديد عدد الأيام عندما طلب إليه الملك نبوخذنصَّر أن يكتشفَ سِّــرَ حلمِـهِ وتفســيرَه.
3
متى أصــبحَ فريضـةً ؟
يبـدو أن موسى هو أيضا أولَ من أمرَ بصومٍ يخضعُ له الشعبُ كله و يؤّديه حسبَ تعليماتٍ محدودةٍ وفي إطـارٍ عام يشملُ الكل ، ويتعَّدى الرغبةَ أو الإختبارَ الشخصي. شرَّعَهُ موسى مُعَّدِدًا ومُوَّضِحًا ما يُرافقُهُ من مواقفِ المؤمنين، من" تذَّللٍ أمامَ الله وتوبةٍ وتقديمِ ذبيحةٍ تكفيرية عن الخطايا " (أح 16: 29). وحَّـدَدَ أيضا موعدَهُ وعـددَ أيامِهِ : يومٌ واحدٌ في
السنة ، في عيد التكفير- كيبور-، ويذكرُ إشعيا هذه الفريضة ويؤكدُ أنَّ فيه يَّـتضعُ الشعبُ أمام الله (58: 3-7). وأما زكـريا (7: 3-5) فيذكرُ أنَّ الشعبَ كان يصومُ في الشهرِ الخامس (تموز) والسابع (أيلول) مدةَ 70 سبعينَ سنة ، أى مدة سبي بابل، نذرًا منه لذكرى خرابِ الهيكل. ولم يُحَّـدد نوعَ الصوم ، ولا عَّـددَ أيامَه : هل مدة الشهر كله أم فقط أياما
معدودة خلالَ هذين الشهرين !

شـكلُ الصـوم ونـوعــيتُه !
تُرافقُ الصومَ دوما >> الصلاة ومظاهر الـتوبة << (أح 16: 29). وكذلك * الصـدقة والإحسـان* (طو12: 8). ويُضيفُ دانيال عنصرًا جديدًا وهو" لبسُ المسـوحِ والرمـاد "(9: 3). ويُكَّـمِلُهُ يونان بطلب " تركِ طريق الشـر والفساد "(3: 7-9). ويُجمِلُ يوئيلُ روحَ الصوم و
4
مستلزماتِهِ، ويقول :" توبوا إليَّ بكل قلوبكم بالصومِ واابُكاءِ والنـدبِ. مَّزقوا قلوبَكم لا ثيـابَكم. وتقَّربونَ تقدمةً وسكيبَ خمـرٍ للربِ إلهِـكم. وتقَّدَسُوا للصومِ ونادوا على الصلاة " (2: 12-15). أما إشعيا فكتبَ :" يقولون : نصومُ ولا تنظر، ونتَّضعُ و أنتَ لا تلاحظ.. ؛ في يوم صومِكم تجدون مَّـلذاتِكم.. هل هكذا يكونُ صومٌ أرَدْتُهُ يوما
واحدا يتَّضِعُ فيه الأنسان؟. أم يكونُ بإحناءِ الرأسِ كالعُشبةِ، و آفتراشِ المسوحِ والرماد؟. صومُكم هذا لا يُسَّـمى صومًا، ولا يومًا يَرضى به الرب. فالصومُ الذي أريدُه : أنْ تُحَّـلَ قيودُ الظلم !. ويُطلقَ المنسَحِقون أحرارًا ، ويُنـزَعُ كلُ نـيرٍعنهم. أنْ تَفرُشَ للجائِعِ خبزَكَ. و تُدخِلَ المسكين الطريدَ بيتَكَ. أنْ تكسُوَ العريانَ ولا تتهَّرِبَ من مساعدةِ قريبِكَ " (58: 3-10). إذن لاينفعُ صومٌ مادّيٌ وحدَهُ بدون توثيـقِهِ بصومٍ روحي عن الشر، وبدون مقاسمةِ الخيرِ مع الآخرين، لاسيما المحتاجين. ويُؤّيدُه زكريا ويُطالبُ أنْ يتَّصِفَ الصومُ بالعدالةِ والمحّبةِ والرحمةِ وآستقامةِ
السلوك (7: 9-10). ويذكرُ الكتابُ صومًا من نوعٍ آخر يخُّصُ الناذرينَ انفسَهم للرب ، أى النُّسـاك (عدد6: 2-4)، او المنذورين من قبل الرب نفسِهِ مثل : شمشون (قض13: 2-7) ، ويقومُ على الأمتناع عن أكل بعضِ الفـواكِه وآعتـزالِ
الخمـرِ والمُسـكر. أما من ناحيةِ الأطعمةِ فيبدو أنَّ الصومَ كان يفرُضُ إنقطاعًا كليًا ، طيلةَ النهار، عن كلِ طعامٍ دون أيِّ تخصيصٍ أو تمـييز. يبدو من كلامِ إشعيا النبي أنَّ الصومَ ليومٍ واحد وصّيةٌ ثابتة يتقَّيدون بها في زمانِهِ. إنما
5
لم يذكُرْ إذا ما كان هذا " اليوم الواحد" أسبوعيًا أو شهريا أو سـنويا ؟. بينما يشهدُ الكتابُ على أنَّ الفرّيسيين بدأوا يصومون ، منذ السبي أو بعدَه ، يومينِ في الأسبوع (لو 18: 12). و يُحَّددُ كتابُ " تعليم الرسل / ديداخى" (حوالي سنة 90 م) اليومين بـ " الأثنين والخميس ".
صــومُ المســيحيين !
علاوةً على صومِ الفريسيين أو اليومين يبدو أنْ كانَ الصومُ ، في زمنِ يسوع ، وسـيلةً يلتجـيءُ إليه المؤمنون الملتزمون ، المنتظرين رجاءَ خلاصِ اسرائيل. كانت حّـنةُ النبية أحدَ أولئك المتعَّبِدين (لو2: 37). و يشهدُ الأنجيلُ على أنَّ يسوع أكَّـدَ على نفـعِ الصوم وضرورَتِهِ ، بجانبِ الصلاة والصدقة (متى6: 1-18؛ مر9: 29). كما بيَّنَ صلاحيةَ الكنيسةِ في
تحديدِهِ مستقبَلاً (متى 9: 15). ولا ينفصلُ عن الصلاة، بل و يقتضيها لـزامًا. مارَسها يسوعُ نفسُه. ومارسها الرسلُ أيضا بشكلٍ إعتيادي. و كلما ذكرَ أعمالُ الرسل صيامَهم العام أو الخاص، لمناسبةِ ما، يُرفِقُـهُ بالصلاة (أع13: 2-3؛ 14: 23). ويذكرُ بولس أنَّ أصوامَهم لم تكُن قليلة ، إنما ربما غيرمنتظمة وغيرمفروضة كلها على عامةِ المؤمنين،انما
يُمارسُها الرسلُ المُبَّشرون فقط ، أقَّـلهُ بالنسبة إلى بعضِها (2كور6: 5؛11: 27).

6
وربما كانت بعضُ أصوامِهِم طوعية لا عن فريضة (أع13: 2)، ولا عن رغبة فردية ، إنما لظروفِ البشارة القاسية أو حتى بسبب قلة المورد (
1كور4: 11)، حتى عملَ بولس نفسُه أحيانًا في صُنعِ الخيام لتوفيرِ قوتِه ، و بهدف عدم إثقال كاهلِ المؤمنين ( أع18: 3؛ 20: 33-34؛ 1 كور11: 4-12 ؛ في 4: 12-18). يبدو أنَّ الرسلَ إستعملوا الصومَ مع الصلاة بنوع خاص عند إعطائهم الأسرار كالكهنوت (أع13: 3؛ 14: 4)، أو العماد (تعليم الرسل/ ديداخى ف 7، رقم 4)، حيثُ يصومُ الكاهنُ وقابلُ العماد وغيرُهم معهم. كما يذكرُ المصدرُ نفسُه (ف 8، رقم1) صومَ الأربعاء والجمعة، ويقول :" لا مثل المُرائين الذين يصومون يومي الأثنين والخميس". ويُفَّسـرُ سببَ إختيارِ هذين اليومين: الأربعاء بسبب خيانةِ يهوذا وآتفاقِهِ ، في مثل ذلك اليوم، مع الكهنة لتسليمهم يسوع مقابل المال ؛ أما الجمعة فلذكرى آلامِ رَّبِـنا يسوع المسيح. ثم تبعَتْ ، مع مرورِ الزمن ، أصوامٌ أخرى إسـتعـدادًا للقيامةِ والميلاد والرسل والأنتقـال.
صــومُ الكــنائس !
يمـتازُ المسيحيون ويتـَمَّيـزون عن غيرِهم بصوم " الأربعين " إستعدادًا للقيامةِ. على مثالِ الرب يسوع يصومُ كلُ المسيحيين 40 أربعينَ يومًا. إنما تصومُ كلُ طائفةٍ ، كل كنيسة ذي حَّقٍ خاص، حسبَ نظامٍ خاصٍ بها. ويتمَّـيزُ الشرقيون عن الغربيين ، بالصوم ، بـ :
7
:- أولا ً= يبدأ الشرقيون صيامَهم 49 يومًا قبلَ عيد القيامة ؛
:- ثانيًا = يَعُّدونَ الأحـدَ يومَ صيام من ضمن الأيام الأربعين، فينتهي الصوم عندهم قبلَ أحد عيدِ السعانين ؛
:- ثالثًا = يعتبرون أسبوعَ الالام ، بين السعانين والقيامة ، زمنًا خاصًّا بالأعياد الفصحية يُعَّيـدون فيه ويفرحون بالخلاصِ الذي تمَّ ، و يحزنون في نفسِ الوقت ويتألمون ، فيصومون ، لأنَّ خطاياهم هي التي سبَّبتْ آلامَ يسوع الفدائية. هذا ينطبقُ أقلهُ على الكلدان. و لأنَّ فترةَ الصومِ هي فرصةٌ للتوبة والتأّلم فلا يُعَّيدون فيها لا
عـيدًا ولا حتى تذكارًا ؛.
أما الكنيسةُ اللاتينية الغربية فهي تتـمَّيزُ بــ :
:- أولاً = يبدأ الصومُ فيها يومَ أربعاء الرمـاد، ثلاثة أيام بعدَ الشرقيين، و 46 يومًا قبلَ العـيد ؛
:- ثانيًا = لا يَعُّـدون الأحد يومَ صيام. وإذ لاصيامَ فيه يُسـقطون عدد الآحاد، فيبقى 40 أربعون يومًا للصوم ، وكما يلي : الأسبوع الأول 4 أيام صيام + 6 أسابيع من ستة أيام 6×6 ، ويكونُ المجموع 4 + 36 = 40 يوما ؛
:- ثالثًا = يحتفلون بالأعـياد والتذكارات أثـناء الصوم (مار يوسف ... 19/3 ...، والبشـارة 25/3... .. بالأضافة إلى السعانين و الفصح ... ).
8
صــوم الكنيسـة الكـلــدانية !
ذكرتُ أنَّ الكنيسة الكلدانية تحسُبُ الصومَ على طريقتِها الخاصّة تماما كما تفعُل جميعُ الكنائس في طقوسها وأنظمتها الخاصة. وتُسَّـمي عـامةُ الناسِ الصومَ بـ " الخمسـيني "، لأنَّ الفترةَ من الأحد الأول للصوم إلى يوم القيامة ضمنًا هي خمسون يوما، أى سبعة أسابيع + يوم القيامة. و مع ذلك تدعو الصومَ رسميا بـ " الأربعيني"، و " صومِ الرب ". لأننا
نصومُ مثلَ الرب ، متَّحدين معه وراجينَ التحّوُلَ إلى صورتِه ، فنتمَّجدَ معه في القيامة. يتكوَّنُ الصومُ في الكنيسة الكلـدانية من ستةِ أسابيع من سبعة أيام ، أى ×7= 42 يوما. تطرَحُ منها يومين ، الجمعة والسبت قبلَ السعانين.

ويبدأ الصومُ طقسيا من الأحد الذي يُعتبَرُ اليومَ الأولَ من الصوم ، حتىإذا كان المؤمنون لا يصومون فيه. ويُحسبُ الأحد ضمنَ أيام الصوم. و كما قلنا لا تحتفلُ أثناء الصوم لا بعيد ولا بتذكار. وإذا وجدت حاليا أو سابقا أعيادٌ أو تذكار فما هذا إلا دخيلٌ ومتأخر وضدَّ روح الطقس. ولذا إذا تمَّ العدد 40 تحتفلُ باليوم 41 الحادي والأربعين بتذكار قيامة لعازر مشيرةً إلى نهاية الصوم الأربعيني ، و داعيةً إلى الأسـتعـدادِ للأحتفال بالقـيامة والأعـياد السابقة لها. إنَّ قيامة لعازر رمزٌ وتهـيئـة لقيامة يسوع. إنَّ الصلواتِ الطقسية تُشيرُ " حرفيًا " إلى هذا كله. فتقولُ إحدى صلوات صباح الجمعة السادسة
9
للصوم، وهي تذكار لعازر:" أيُّها المسيح، يا من بقـُّوتِـهِ بدأنا و أنهـينا صومَهُ المقدَّس ، أعـطِنا أنتَ قُّـوةَ عونِ لاهوتِك ، لنحتفـلَ بأعـيادِكَ المُقـدَّسة المليـئة أفراحًا (حوذرا 2 ص 308). و يكررُ الصلاةَ نفسَها يومَ السبت الذي يليه مع تغيير طفيف في بعض الكلمات ، يقول : " أيها المسيح ، يا من بقُّوتِكَ بدأنا وأنهينا... أعطِنا أنتَ قّوةِ عونِ طيبِكَ ،لنحتفلَ..." (حوذرا2 ص311). ويُضيفُ السبتُ صلاةً أخرى تقول : " المسيحُ الذي فـدانا بصليبِـهِ، وبالمحَّبةِ صُمْـنا صومَهُ ، هو يُحِّلُ عونَه

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com