معنى عيد "المسيح الملك"


بقلم روبير شعيب

الفاتيكان، الأحد 23 نوفمبر 2008 (Zenit.org). – ليس من البديهي أن يعرف كل المسيحيين المعنى الحقيقي لعيد المسيح الملك. فبالنسبة للبعض قد يشكل هذا العيد سبب حيرة، إذ كيف تنصّب الكنيسة يسوع ملكًا بينما كان يسوع نفسه يرفض أن يدعوه الناس ملكًا، ولدى دخوله أورشليم، يخبر الإنجيل أن الناس أخذوا سعف النخل وبدأوا يهتفون: "هوشعنا لابن داود، هوشعنا لملك إسرائيل" (راجع يو 12) أما يسوع فبعد أن امتطى جحشًا ابن أتان ودخل أورشليم، ومن ثم خلى الجموع التي حاولت أن تنصبه ملكًا.

وقد يفهم البعض الآخر ملوكية يسوع بحسب الطريقة البشرية. وانطلاقًا من هذا المبدأ يتساءلون عن معنى ملوكية إله لا يملك حقًا، أقله ظاهريًا. أليس هذا ما يقصده فريق "ميتاليكا" في أغنيته "الملك التافه"، حيث يتساءل: "أين تاجك أيها الملك التافه؟... إن قصرك مهدم، ولا يبقى منك إلا الاسم... تشير بأصبعك ولكن ما من أحد حولك".

لا يحق لنا أن نتجاهل بشكل قطعي هذه الاعتراضات. ولعلنا من خلال الإجابة عليها نفهم بشكل أفضل معنى ملوكية يسوع.

كان "ملكوت الله" محور تبشير يسوع. وقد أساء اليهود في زمانه، الذين كانوا يعتقدون بأن المسيح سيعيد أمجاد مُلك داود، فهم إشارته إلى هذا الملكوت. لهذا السبب نرى أم يوحنا ويعقوب تسعى إلى تأمين مستقبل ولديها "المهني" "عن يمين" الملك المشيحاني.

بالعودة إلى الاعتراض الأول، يجب أن نقول أن يسوع لم يرفض لقب "ملك" إلا عندما فُهم بحسب النظرة السياسية المحض. أما عندما كان يتحدث عن ملكوت الله كملكوت حب وبر وحق فلم يكن يرفض هذا اللقب، لا بل كان يوضحه. نرى هذا الأمر في لقاء يسوع بالسامرية، حيث يصرح علانية بأنه المسيح المنتظر، ملك إسرائيل (يو 4). فالسامريون – بحسب ما يشرح اللاهوتي المختص بإنجيل يوحنا رايموند براون – كانوا ينتظرون مسيحًا بمثابة ملك نبوي مثل موسى، وبالتالي لم يكونوا ينتظرون مسيحًا سياسيًا بل قائدًا روحيًا، ولذا كشف يسوع عن هويته المشيحانية للسامرية، يقينًا منه أنها ستفهم نوعًا ما معنى مشيحانية.

نرى واقعة أخرى في لقاء يسوع الأخير ببيلاطس خلال الآلام، عندما يستجوبه بيلاطس بشأن "اتهامه" بأنه "ملك اليهود": "أأنت ملك؟"، فيجيب يسوع: "أنت تقوله. أنا ملك"، موضحًا مباشرة أن "ملكوته ليس من هذا العالم".

ملكوت يسوع ليس من هذا العالم، ولا يتبع معايير هذا العالم. ولذا، من لا يمعن النظر، أو بالحري، من لا ينظر إلى مسيرة ومصير يسوع بعيني الروح، لن يتوانى عن اعتباره ملكًا تافهًا وفاشلاً. فبحسب معايير النجاح البشرية، ملك "التطويبات"، لا يعبّر عن الصورة النموذجية للملك. والملك الوديع والمتواضع القلب الذي يدخل أورشليم ممتطيًا جحشًا ابن آتان، محققًا نبوءة زكريا :''ابتهجي جداً يا ابنة صهيون اهتفي يا بنت أورشليم . هوذا ملكك يأتي إليك هو عادل ومنصور وديع وراكب على حمار وعلى جحش أبن أتان'' (زكر 9، 9)، لا يجسد الصورة المعتادة للملك الذي يمتطي الخيول وترافقه ربوات الجنود.

ما هو ملكوت الله هذا وبالتالي ما معنى "المسيح الملك"؟

يبدو أن يسوع نفسه في الأناجيل لا يريد أن يقدم تعريفًا ديكارتيًا للملكوت، بل يتحدث عنه انطلاقًا من تشابيه وأمثلة، لكي لا يحصره في مفهوم يخليه بدوره من معناه العميق. ولكن ما نستشفه من كلمات يسوع، الذي يقول أيضًا: "إن ملكوت الله هو حاضر في وسطكم"، أن الملكوت ليس "مكانًا" أو "سلطنة" بل شخصًا، هو شخص يسوع المسيح. الولوج في ملكوت الله هو الدخول في علاقة حميمية مع المسيح الذي يقودنا إلى الآب؛ وهو قبول "حماقة وشك الصليب". ما من طريق آخر لفهم ملوكية المسيح إلا هذا: أن يعي المرء أن مواجهة الشر بالشر هو فشل، هو هزيمة ورضوخ لمنطق الشر. قوة المسيح، هي قوة الحب، وملكوته هو ملكوت الحب الذي يقول: "لا تدع الشر يغلبك، بل اغلب الشر بالخير" (روم 12، 21). ولذا فالمسيح هو ملك لأنه أحب حبًا لا يضاهيه حب لأنه بذل نفسه لأجل أحبائه، وبهذا الحب الخيّر هدم سور العدواة وصار هو سلامنا.

غلبة الخير الداخلية، في حميمية الإنسان، هي غلبة "فكر ومشاعر المسيح" على فكر "الإنسان القديم". أما غلبته الخارجية فهي دومًا غلبة الـ "إن شئت". ولا يخطئ المفكر الارثوذكسي فلاديمير سولوفيوف عندما يقول أن الخير لا يستطيع أن يفرض نفسه، فأسوأ ديكتاتورية هي ديكتاتورية الخير. ولذا يضحي جليًا أن ملكوت المسيح ومُلك يسوع المسيح الملك هو وقف علينا – أقله إلى حين مجيئه الثاني – هو ملكوت من يدخل في منطق المسيح.

ليس لدينا مملكة في هذه العالم، بل ننتظر في الرجاء السعيد تجلي ربنا وإلها العظيم يسوع المسيح. هذا الانتظار المسيحي ليس سلبيًا، ليس كسلاً وبطالة، بل هو عمل وجهد في بناء ملكوت المسيح. وهذا هو تحدي المسيحية أن تعيش حتى البطولة أولوية المحبة. لأنه حيث تملك المحبة فهناك يملك المسيح.

  العودة الى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة /

Copyright ©2005 marnarsay.com