قصة صليب


  بقلم: د. عبد الله حمصي
            هذه قصة صليب من خشب , اشتهرت كثيراً ويعرفها الناس جميعاً  كان يا ما كان منذ ألفي سنة , ظهر في فلسطين شاب في الثلاثين من عمره ويُدعى يسوع بن مريم , وبدأ يشتهر في الأوساط الشعبية . كان يسوع يبشر بملكوت الله وبالمحبة بين الناس, ويدعم أقواله وكرازته بالكثير من المعجزات والشفاءات , ويعيش حياة طهارة وصلاح وخدمة دون أن يرتكب أي خطيئة .  أحاط الشاب يسوع نفسه بتلاميذ عديدين وأتباع كُثر, وأحبَّ الناس كلهم بجميع طبقاتهم ومستوياتهم . كان يتكلّم كمَنْ له سلطان , وبدء يُغيِّر ويكمّل بعض أحكام الشريعة اليهودية . لكن الشاب يسوع تصرَّف أحياناً وكأنه الله فغفر الخطايا وأقام الموتى , مما أزعج السلطات الدينية والمدنية , وأزعج المستعمر الروماني أيضاً , فتألبوا كلهم عليه واتفقوا على النيل منه بأقرب فرصة .  أدرك يسوع أنه قد يواجه مصيراً مأسوياً, فجعل يهيئ تلاميذه لذلك . وفي أيامه الأخيرة توجَّهَ إلى أورشليم لقضاء عيد الفصح فيها , فدخلها دخول المنتصر بين هتاف الشعب الذي كان ينتظر مخلصاً أرضياً يخلصه فعلياً من قبضة المستعمر الروماني القاسي . لكن هذا لم يحدث لأن يسوع كان يدعو لملكوت سماوي , مما جعل اليأس يدخل قلب تلميذه يهوذا الاسخريوطي , فوشى به بعد خمسة أيام فقط من دخوله أورشليم . وقبضوا على يسوع واتهموه باطلاً بإثارة الفتنة المدنية ضد قيصر روما وضد رجال الدين اليهودي , واتهموه بالتجديف على الله وبالتهكم على الهيكل المقدس . وبعد محاكمتين , مدنية ودينية , غير عادلتين على الإطلاق , حكم الوالي الروماني بيلاطس البنطي الجبان على يسوع بالإعدام صلباً . جلد الجنود الرومان يسوع جلداً مُبرحاً وتهكموا عليه ثم حمَّلوه الصليب , وصعد يسوع به قمة تلة الجمجمة أمام أورشليم , وهناك صلبوه . مات يسوع على الصليب بعد ساعات قليلة , وتمَّ دفنه بسرعة في قبر جديد لصاحبه يوسف الرامي . في اليوم الثالث شاهد التلاميذ القبر فارغاً , وظهر يسوع بجسده النوراني للتلاميذ ولبعض النسوة , فتعرفوا عليه , وعاشوا معه أياماً قليلة حيث أعطاهم يسوع المسيح آخر تعاليمه ووعدهم بالرّوح القدس وطلب منهم أن يكرزوا في العالم أجمع ويتلمذوا جميع الناس ويعمدوهم ليصبحوا تلاميذه وشهوداً لقيامته من بين الأموات . ثم باركهم وصعد إلى السماء.         بعد خمسون يوماً من القيامة المجيدة امتلأ التلاميذ ومريم العذراء من الرّوح القدس الموعدين به , واكتمل إيمانهم بأنَّ يسوع الناصري هو المسيح القائم من بين الأموات وهو تجسّد الله على الأرض .         بدء الرسل والتلاميذ , بشجاعة منقطعة النظير, بالتبشير بيسوع المسيح رباً وإلهاً وأنه هو ملكوت السماوات , وهكذا تسمّوا باسمه : مسيحيين . وبدأت الكنيسة الناشئة تتأمّل وجه الله في وجه يسوع المسيح المصلوب والقائم من بيم الأموات , وهذا هو جوهر الإيمان المسيحي . ولكن ماذا جرى لخشبة صليب يسوع المسيح ؟ لقد طمروا الصليب مع الصليبَين الآخرَين في التراب , ولم يجسر أحدٌ على ذكره أو البحث عنه في القرون الثلاثة الأولى وذلك بسبب الاضطهادات والحملات الرومانية العسكرية على فلسطين وعلى أورشليم خاصة , حيث دمروها في سنة 70 وفي سنة 135 تمَّ تدميرها نهائياً . في عام 325 م. اهتدى الملك البيزنطي قسطنطين إلى المسيحية بعد انتصاره في حربه على خصمه مكسانس , فقد ظهر له الصليب في الجو وتحته عبارة "بهذه العلامة تنتصر" فأمر برسم الصليب على تروس جنوده , وهكذا انتصر في الحرب . آمن الإمبراطور بالمسيح رباً وإلهاً واعترف بالدين المسيحي وسمح به حسب مرسوم ميلانو عام 313 م. وألغيت عقوبة الإعدام بالصلب منذ ذلك الزمن وحتى الآن .         دخل الرّوح القدس هيلانة والدة الإمبراطور قسطنطين وألهما بالبحث عن عود الصليب . فذهبت إلى أورشليم وحفرت ونقّبت في تلة الجلجلة حتى وجدت الصلبان الثلاثة مطمورين في الأرض . ولتمييز صليب يسوع المسيح قرّبت إليه مريض فشفيَ . عندئذ شيدت القديسة هيلانة كنيسة القيامة ووضعت فيها خشبة الصليب لإكرامه .         اجتاح كسرى ملك الفرس أورشليم في عام 614 م. وهدم كنيسة القيامة وأخذ معه الصليب إلى بلاده ووضعه في هيكل الأصنام . وفي سنة 628 م. حارب الإمبراطور البيزنطي هرقل الملك كسرى وانتصر عليه , واستعاد الصليب وأرجعه إلى أورشليم مشعلاً النار على قمم جبال لبنان كعلامة على قدوم الصليب . ودخل أورشليم باحتفال مهيب في 14 أيلول , وهكذا أصبح هذا اليوم عيداً لاسترجاع ورفع صليب ربنا وإلهنا يسوع المسيح .   الصلب          صلب الإنسان على الصليب هو اختراع فارسيّ , وقد مارست الصلب كلّ الأمم القديمة . وهدف الصلب هو تنفيذ حكم الإعدام وهو قمة التعذيب بالمحكوم عليه , وهو أيضاً أشدّ أنواع الإهانات حتى أن المصلوب كان يُعتبر ملعون من الله (تثنية 21: 22-23) . وكان يتم الصلب أمام الشعب علناً وفي وضح النهار وبعد إجراء التعذيب المرهِق للمحكوم عليه من جلد نازف وحمل الصليب إلى مكان الصلب , وهكذا يموت المصلوب سريعاً . لقد مات يسوع بعد ثلاث ساعات فقط من صلبه .   المسيحيون والصليب   استعمل المسيحيون إشارة الصليب منذ القرن الأول , وهي حركة اليد اليمنى من الجبين إلى الصدر ثم إلى الكتفين, ومع القول: باسم الآب والابن والرّوح القدس , آمين.         يقول ترتليانس (155-220 م.): "إننا , نحن المسيحيون , نرسم إشارة الصليب على جباهنا في جميع أعمالنا , حين ندخل أو نخرج , حين نلبس وحين نجلس على المائدة أو نستلقي على السرير أو عندما نأخذ كرسياً أو مصباحاً " .         لم تأمر كتب العهد الجديد بممارسة عادة رسم إشارة الصليب , لكن التقليد يعلِّمها والعادة تثبتها والإيمان يحفظها . وهكذا أصبح الصليب للمسيحيين يعني يسوع المسيح نفسه . ومنذ القرن الرابع , وحتى الآن , اتخذ المسيحيون الصليب رمزاً لهم فوضعوه في البيوت والكنائس وحفروه على أدوات عملهم .   رسم الصليب والمصلوب عارض المسيحيون الأولون رسم يسوع المسيح على الصليب معارضة شديدة واعتبروا رسمه إهانة لآلام وموت يسوع . بدء في القرن الخامس أول تمثيل للمصلوب على الصليب , ولكن بدون علامات الألم أو العذاب على المسيح المصلوب الذي يظهر بكامل عنفوانه منتصراً وهو على الصليب . وفي القرن التاسع ظهر أول تمثيل للمسيح المتألم على الصليب . وفي القرن الثالث عشر بدأوا يضعون إكليل الشوك على رأس المسيح المصلوب وذلك بتأثير من الروحانية الفرنسيسكانية التي تميل إلى تأمّل آلام المسيح المخلِّص . أما في القرن التاسع عشر والعشرين فقد بدأ بالظهور على المسيح المصلوب كامل علامات الألم والعذابات وحتى انحناء جسده من شدة ألمه .         هذه هي حكاية صليب يسوع المسيح الذي هو محور التاريخ البشري ومحور الخلاص, فبالصليب بدأنا نعرف مَنْ هو الله ومَنْ هو الإنسان, فعرفنا أنَّ الله هو المحبة, وعرفنا أنَّ الإنسان هو حبه الأكبر حتى أنَّ الله بذل ابنه الوحيد يسوع المسيح على الصليب حباً بالإنسان .         لنتأمَّل بصليب يسوع المسيح ربّنا وإلهنا , ونتذكر بكلام يسوع لنا : "مَنْ أراد أن يتبعني فليحمل صليبه ويتبعني" . ليحمل إذاً كل مسيحي صليبه في كلِّ أيام حياته ويتبع يسوع المسيح إلى القيامة .

موقع  كنيسة القديسة تيريزيا بحلب


  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة /

Copyright ©2005 marnarsay.com