الطوائف المسيحيّة: من أين.. وإلى أين؟..

قراءة في الرسالة الخامسة لمجلس بطاركة الشرق الكاثوليك

مقدّمة

إن وحدة المسيحيين ليست فعل تضامن إنساني أو اتحاد قوى منسجمة أو رابطة ائتلاف أو فدرالية الأمر الواقع، إنها من جوهر الإيمان وضروراته: "نؤمن بكنيسة واحدة جامعة مقدّسة رسولية". إنها شهادة تدعو إلى الإيمان بالرب يسوع وبرسالته وبخلاصه، وتؤكد مصداقيته. إنها صورة الله الواحد الآب والابن والروح القدس. لذلك صلّى يسوع عشية مسيرته المقدّسة إلى الموت والقيامة من أجل وحدة تلاميذه، مقارباً هذه الوحدة مع التي تجمعه بالآب والروح القدس: "يا أبتِ ليكونوا واحداً كما نحن واحد" (يو17/11) ولقد ربط "إيمان العالم" بالشهادة لهذه الوحدة: "ليؤمن العالم أنك أرسلتني".
اكتشفت الكنيسة يوم تأسست أهمية الوحدة والتعددية في آن، كما هي في كيان الله الواحد المتعدّد الأقانيم. فالروح الواحد الذي انطلقت منه الجماعة المسيحية الأولى يوم العنصرة قد منح رسل يسوع إعلان موضوع الإيمان بلغاتٍ عديدة ولمختلف الثقافات والشعوب. إن هذه التعددية لم تُلغِ الوحدة في انطلاقة الكنيسة بل منحتها انفتاحاً وشمولية وغنى.
لم يبقَ الانسجام بين التعددية والوحدة في الجماعة المسيحية الأولى زمناً طويلاً. ولم يكن حاضراً بشكلٍ فعّال على مرّ العصور. لقد حدثت انقسامات عديدة على مرّ تاريخ الكنيسة أدّت إلى نشوء طوائف كثيرة، يتواجد معظم أنواعها في بلادنا، التي يشكل المسيحيون فيها مجموعة أقليات عُرفت باسم الطوائف المسيحية.
هل يمكن لتعدّد الطوائف وكثرتها في وقتنا الحالي أن يصبح كتعددية العنصرة وائتلافها؟.. هل تنسجم هذه الطوائف وما حملت من تاريخ أليم، وحتى في شكلها الحالي، مع رغبة المسيح في وحدة الكنيسة؟.. هل حقاً يسير المسيحيون نحو الوحدة أم أن تطبيع الانشقاقات قد غلب الموقف بانتظار المجيء الثاني للمسيح، حيث تنسكب الوحدة كاملة من عند العليّ؟..
الطوائف المسيحية: من أين؟ وإلى أين؟..
للإجابة عن هذه الأسئلة ولمعالجة هذا الموضوع الذي يُدرس عادة تحت اسم "الحركة المسكونية" التي تباركت بها الكنيسة مجدداً ابتداءً من الربع الأول من القرن المنصرم، أستعرض بعض أفكار ونصوص الرسالة الخامسة الصادرة عن "مجلس بطاركة الشرق الكاثوليك" CPC، وهي تحمل عنوان: "ليكونوا بأجمعهم واحداً" (يو17/21) (فصح 1999)[1].
الطوائف من أين؟..
"صادفَ الإنجيلُ منذ البداية، في القسمِ الشرقيِّ من البحرِ الأبيضِ المتوسِّط، شعوبًا ولغاتٍ وحضاراتٍ عريقةً متنوِّعة، وهي حضاراتُ مصر وما بين النهرين، والحضاراتُ اليونانية والسريانية والأرمنية الخ... وقد بشَّرَ الرسلُ وخلفاؤهم بسرّ المسيحِ في كلِّ هذه اللغات المختلفة والحضارات، وعبَّرَ المؤمنون عن إيمانِهم من خلالها. وهكذا اتخذَتْ الجماعاتُ المسيحية أوجهًا حضاريةً مختلفة، وأخذتْ تكوِّنُ جيلا بعدَ جيل تقاليدَها الخاصةَ بها. تجسَّدَ الإيمانُ في الحضاراتِ فأنعش فيها روحًا جديدة، كما تجسَّدَ المسيحُ في طبيعتِنا البشريةِ فخلِّصَها.
إنّ هذا التنوُّعَ هو غنًى كبير للكنيسة. والسببُ في ذلك بسيط: لا تقدرُ أيةُ لغةٍ أو حضارةٍ أن تدعي إدراك سرَّ حبِّ الله الذي ظهرَ لنا في المسيحِ إدراكًا كاملاً، بل ولا تقدرُ أن تعبِّرَ عنه كما يجب. فقد حاولَتْ كلُّ حضارةٍ من حضاراتنا الشرقية التقرُّبَ من هذا السرِّ من زاويةٍ مختلفة، وبحسب ما يتناسب مع بعض ميزاتها الخاصة. فلو استطعْنا الجمع بيَن هذه الزوايا والميزات، لتمكَّنتْ الكنيسةُ في جامعيَّتِها من التوصُّلِ إلى معرفةٍ أعمقَ وتعبيٍر أدقَّ للسرِّ الذي لا يوصف.
يحتاجُ التنوع إذًا إلى الوحدةِ والشركةِ ليدركَ كاملَ معناه. والوحدةُ بدورِها لا تلغي التنوُّع، بل عكس ذلك تزدادُ الحياةُ الكنسيةُ به غنى، والاحتفالاتُ الليتورجيةُ بهاء، وتصبحُ كلمةُ الله معه أكثرَ فعالية، إذ يضعُها التنوُّعُ في الصورةِ المناسبة لتنوع الجنس البشري.
مع الأسف، غالبًا ما أصبحَ هذا التنوُّعُ عبر التاريخ انقسامًا في حياةِ الكنيسة. والأسبابُ التي أدَّت إلى ذلك كثيرة. وبعض هذه والانقساماتُ الباقيةُ حتى اليومِ تشكِّلُ مصدرَ ضعفٍ للحضورِ المسيحي في منطقتنا بصورة مأسوية، بل هي مصدرَ خطرٍ لمستقبلِه.
أ- قراءة في تاريخ الانقسامات
1- الخلاف الأول والاتفاق الأول: مجمع القدس
منذ أوائلِ الكنيسةِ أدى التنوُّعُ إلى نزاعات في جماعةِ القدس، كما يبيِّنُ ذلك سِفرُ أعمالِ الرسل. إلا أنَّ وحدة القلبِ والنفسِ في الروحِ القدسِ مكنتها من التغلُّبِ عليها. فالتأمَ مجمعُ القدس (ر. أعمال 15) للردِّ على الأسئلةِ المطروحةِ بسببِ دخولِ تلاميذَ عديدين من أصلٍ وثنيٍّ في الكنيسة. وغدا هذا المجمعُ فيما بعد نموذجًا لأنماطٍ مختلفةٍ من المجامع، مثلِ السينودسات أو المجامعِ الكنسية على الصعيد المحلي أو الإقليمي أو على صعيد الكنيسة الجامعةِ. ففي الاستشارةِ وفي استلهامِ الروحِ القدس تجدُ الجماعةُ المسيحيةُ النورَ والقوة للمحافظةِ على الشركةِ، ولتنميتِها بصورةٍ جماعية.
2- مجامع القرن الخامس
معظمُ النزاعاتِ التي تركَتْ أثرًا باقيًا حتى اليومِ في كنائسِنا حصلَتْ في القرنِ الخامس. حيثُ إنَّ القضايا موضوعَ الجدلِ كانت من القضايا الأساسيةِ في الإيمان، مثلِ ألوهيةِ يسوعَ المسيح أو حقيقةِ التجسد. إلا أنّ بعضَ المجامعِ الكنسيةِ التي دُعِيَت إلى الالتئام لإعادةِ الوحدةِ وتقويتِها أدَّت إلى الانقساماتِ. ولم تكن غالبًا الأسبابُ التي قضَتْ على الوحدةِ كلُّها عقائدية، بل كانَت أسبابًا فلسفيةً وحضاريةً وسياسيةً واجتماعية. وقد جعلت المصالحة أمرًا مستحيلاً ومن تلك المجامعِ مجمعان مسكونيان نجمَ عنهما الانقساماتِ الكنسيةِ الباقيةِ حتى اليوم، وهما مجمعُ أفسس عام 431، ومجمعُ خلقيدونيا عام 451.
حدَّدَ مجمعُ أفسس عام 431 وحدانيةَ الأقنوم في المسيح، ابن الله وابن مريم، مفنِّدًا التعاليمَ المنسوبةَ إلى نسطوريوس. وأكد هذا المجمع أيضًا أنَّ يسوعَ المسيحَ هو إلهٌ وإنسانٌ في شخصٍ واحد، ومن ثم هو ابنُ الله وابنُ مريمَ العذراء في الوقتِ نفِسه. ولذلك ثبت المجمعُ لقبِ "ثيوتوكس" أو "والدة الإله" لمريمَ العذراء. ولم تتمكَّنْ كنيسةُ بلادِ فارس من المشاركةِ في هذا المجمعِ لأسبابٍ عدَّة، ولم تأخذْ علمًا به إلا بصورة جزئية في وقتٍ متأخر. ولهذا لم تقبلْه فعزلَتْ بذلك نفسَها عن باقي الكنائس. وعُرِفَت هذه الكنيسةُ مدَّةً طويلةً بالكنيسةِ النسطورية، مع أنها ترفضُ هذه التسميةَ اليوم، وتسمِّي نفسَها بكنيسةِ المشرق الأشورية.
كانَ لمجمعِ خلقيدونيا المنعقدِ عام 451 نتائجُ أشدُّ خطورةً على كنائس الشرق الأوسط. فقد حدَّدَُ أنَّ في المسيحِ طبيعتين، الإنسانية والإلهية، في أقنومٍ واحدٍ هو كلمةُ الله والأقنومُ الثاني من الثالوث الأقدس. ولم تحملْ لفظةُ "الطبيعة" المعنى نفسَه في مختلفِ المدارسِ اللاهوتية في ذلك العصر. ولم تكن الألفاظِ اليونانية (physis أي "طبيعة" و prosopon و hypostasis أي "أقنوم" و"شخص") وما يقابلُها من ألفاظٍ في اللغة السريانية (knoma و farsofa و(kyana تحمل المعاني نفسها. فكانَ ذلك سببَ خلطٍ واضطرابٍ وسوءِ فهمٍِّ كثيرٍ أدّى إلى الانقسام، إذ رفضَت كنائسُ رسوليةٌ عديدةٌ قبولَ نصوص هذا المجمع، ومنها الكنائسُ الأرمنيةُ والسريانيةُ والقبطيةُ والحبشية. وسُمِّيَت هذه الكنائسُ آنذاك بالمونوفيزية، لأنها تمسكت بالعبارة "طبيعةً واحدة"، أي، إن في كلمة الله المتجسد طبيعة واحدة (وهو معنى اللفظة اليونانية "مونوفيزس"). وترفضُ الكنائسُ المعنيّةُ هذه التسمية، وتسمِّي نفسَها اليوم "الكنائسَ الأرثوذكسيةَ الشرقية".
3- الانقسام بين الشرق والغرب
حصل في القرنِ الحادي عشرَ الانقسامُ الكبيُر بين كنيستَيْ القسطنطينية وروما عام 1054. وكان ذلك نهايةَ مطافٍ طويلٍ من التباعدِ والتجاهلِ المتبادَل والمتنامي. فقد غدا الشرقِ والغربِ المسيحيان غريبين لبعضها البعض، إذ أصبحَ ينتمي كل واحد منهما إلى عالمٍ حضاريٍّ وسياسيٍّ مختلف. وقد حلَّت في الشرقِ محلَّ الإمبراطوريةِ الرومانيةِ القديمةِ إمبراطوريةُ بيزنطية أي القسطنطينية ذاتُ الحضارةِ اليونانية، وفي الغربِ تكوَّنَت إمبراطوريةُ رومانيةُ جديدة ذاتُ حضارةِ رومانيةِ لاتينية. وتكوَّنَت أثر ذلك في كلٍّ من الشرقِ والغربِ تقاليدُ كنسيةٌ مختلفةٌ كانَ يمكنُ قبولُها من قبلِ كلِّ طرفٍ على سبيلِ التكاملِ، إلا أنَّ الأوضاعَ الحضاريةَ والسياسيةَ جعلَت ذلك أمرًا مستحيلا، واعتُبِرَت التقاليدُ الكنسيةُ المتنوعة غيرَ قابلةٍ للتلاقي، ومن ثمَّ صارَتْ سببًا للانقسام.
4- حركة الإصلاح
ظهرت في القرن السادسَ عشر حركة الإصلاح الكبير مع مارتن لوثر وقسمَتْ الغربَ بين الكنيسةِ الكاثوليكيةِ والحركةِ البروتستانتية، التي أدَّت بدورها إلى ولادةِ كنائسَ مختلفة، منها الأنجليكانية واللوثرية والكنائسُ المُصلَحة والمشِيخية الخ… وظلَّت الكنيسةُ في الشرقِ الأوسطِ حتى القرنِ التاسعَ عشرَ بعيدةً عن هذه الحركة.
5- محاولاتٌ متنوعة لتحقيق الوحدة
جرَتْ في نهايةِ القرنِ الثالثَ عشرَ وحتى القرنِ الخامسَ عشرَ محاولاتٌ لإعادةِ الوحدةِ بينَ الكنائسِ المنقسمة. وأهمُّها مجمعُ ليون (في فرنسا) عام 1274 ومجمعُ فلورنسا (في إيطاليا) عام 1439 لإعادةِ الوحدة بينَ الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية. إلا أنها لم تحقق النتائج المرجوة.
وقد أدَّتْ بعضُ هذه المساعي إلى نشأةِ الكنائس الشرقيةِ الكاثوليكية، في محاولةٍ لتقريبِ وجهاتِ النظرِ والعملِ الجادِّ في سبيلِ الوحدةِ التي أرادَها يسوعُ المسيحُ لكنيستِه. فإلى جانبِ كلِّ كنيسة أرثوذكسيةٍ توجدُ اليوم كنيسةٌ شرقيةٌ كاثوليكية، في شركةٍ مع كنيسةِ روما. ونحن ندرك أنَّ هذا الوجودَ الكاثوليكيَّ الشرقي أدى إلى صعوبات جديدةً في العلاقاتِ بينَ الكنائس. ولهذا، ما زلْنا نسعى ونصلِّي بتواضعٍ لكي يتمِّمَ الله إرادتَه فينا، في مختلفِ الطرقِ التي وضعنا عليها. وظلَّتْ الكنيسةُ المارونيةُ وحدَها بكاملها كاثوليكيةً لم تنقطعْ قط عن الشركةِ مع كنيسةِ روما. وتواجدَتْ الكنيسةُ اللاتينيةُ في الشرقِ الأوسطِ منذ قرونٍ طويلة، تواجدَ كهنةٍ مرسلين ورهبانٍ وراهباتٍ أولا، ثم تكوَّنَتْ حولهَم جماعاتٌ وكنيسةٌ محلية على الطقس اللاتيني، وخصوصًا في الأرضِ المقدَّسة.
6- الكنائسُ البروتستانتية في الشرق الأوسط
بدأتْ الجماعاتُ والكنائسُ البروتستانتيةُ إرسالياتِها في الشرقِ الأوسط منذُ القرنِ التاسعَ عشر، واتخذَتْ لها مؤمنين من أبناءِ الكنائسِ الشرقية، فزادَ بذلك عددُ الكنائسِ في الشرق وزادَ انقسامُها. وتشتركُ هذه الكنائسُ اليومَ هي أيضًا في العملِ المسكونيِّ بمختلفِ المبادراتِ الخاصةِ أو المشتركة.
ب- نتائج الانقسامات:
تؤكد رسالة البطاركة على أن وحدة المسيحيين بات مطلب الجميع، خصوصاً في بلادنا التي وجد فيها العدد الأكبر من الطوائف وصار المسيحيون أقليات طائفية، وتحدّد النتائج الخطيرة التي سببتها الانقسامات:
1- تناقص عدد المسيحيين:
لقد أدت هذه الانقساماتِ في القرون التالية إلى تناقصِ عددِ المسيحيين، حتى أصبحوا شيئًا فشيئًا أقلياتٍ في العالمِ الإسلاميِّ العربي. وأدَّى انقسام الكنائسِ وانعزالها عن بعضِها البعض إلى ضَعفٍ في مواقفِها، فلم تتمكَّنْ من أن تقفَ وقفةً متضامنة لتطالبَ بحقوقِها وكرامتِها، ولا سيما في زمنِ الإمبراطوريةِ العثمانية. فكانَ وضعُهم يزدادُ سوءًا وضعفًا. واختفى الوجودُ المسيحيُّ نهائيًّا في بعضِ المناطق. ومنذ النصفِ الثاني من القرنِ التاسعَ عشرَ بدأتْ هجرةُ المسيحيين التي ما زلْنا نشهَدُها حتى اليوم، وقد ازدادَت وتفاقمَ أمرُها في العقودِ الأخيرةِ بصورةٍ خطيرة.
2- غياب الوحدة تشكيك وعائق أمام الشهادة
حضورُنا المسيحيُّ اليومَ مرتبطٌ بهذا التاريخِ المليءِ بالانقساماتِ والمآسي والآلام. ومن الواضحِ أنَّ غيابَ الوحدةِ بينَنا اليومِ يبقى عائقًا كبيرًا دون الجهودِ الراميةِ إلى نفحِ حيويةٍ جديدةٍ في هذا الحضور. غالبًا ما تتواجدُ كنائسُنا المتعدّدةُ في المدينةِ أو القريةِ نفسِها. وتريدُ كلٌّ منها أن تقدِّمَ أفضلَ الخدماتِ لأبنائِها وفي جميع المجالات: كلٌّ منَّا يريدُ أن يُنشئَ مدارسَه ونواديَ لشبيبتِه ومستوصفاتِه ومراكزَه الاجتماعيةَ الخ… فتتعدَّدُ المؤسَّساتُ والخدماتُ نفسُها بينما يتناقصُ عددُ السكّانِ أو حتى عددُ خدّامِ الكنيسة. وتكثُرُ النفقاتُ من غيِر طائل. وبالرغمِ من كثرةِ المؤسَّساتِ فقد لا تكونُ كافيةً لسدِّ حاجاتِ المؤمنين المشروعة، بسببِ قلَّةِ الوسائل أو الأشخاصِ. ولو تمَّ التعاونُ في هذه المجالاتِ المختلفةِ لنتجَ عن ذلك فوائدُ كبرى.
3- ضعف وتشتت في المواقف
وهناكَ مجال آخرُ نحتاج فيه إلى التضامن: وهو أن نوحِّدَ قلبنا وكلمتنا في القضايا المشتركة، فتصبحُ الكنيسةُ كلُّها (أي جميعُ كنائسِنا) قويةً ومَهيبةً وفعَّالةً في مجتمعاتِنا، بل ونسهِّلُ بذلك المهمَّةَ على سلطاتِنا المدنيةِ في تعاملِها مع متطلَّباتِ كنائسِنا وحقوقِها.
4- هدر الطاقات
وإنَّنا نلمسُ أكثرَ فأكثر الحاجةَ إلى التعاونِ المسكوني في المجالاتِ الرعوية. فقد أصبحَ وجودُنا المسيحي، في بعضِ المناطقِ في الشرقِ الأوسط، بسببِ الهجرةِ العامةِ أو الهجرةِ من الريفِ إلى المدن، من القلَّةِ بحيث غدا من المستحيلِ على كلِّ كنيسة، منفردةً، أن تقدِّم الخدمةَ اللازمةَ لأبنائِها، وذلك بسببِ نقصِ الكهنةِ وبُعد المسافات، ممّا قد يسارعُ في رحيلِ ما تبقَّى من العائلاتِ المسيحية. فنحنُ نرى أن الظروفَ نفسَها وضرورةَ المحافظةِ على كنيسةِ المسيحِ وخدمةَ أبنائِنا تفرضُ علينا تعاونًا رعويًا أكبر، حتى نتمكَّنَ معًا من الاستجابةِ لمختلفِ حاجات المؤمنين. ويتطلَّبُ هذا منَّا تدابير جديدة والتزامًا مشتركًا لبدايةِ تفكيرٍ لاهوتيٍّ رعويٍّ. وهذا يفترضُ أيضًا الاعترافَ المتبادلَ بالخدمةِِ الكهنوتية وبالأسرار. وإنّنا لنرى أنّ هذه القضيةَ هي قلبُ الحركةِ المسكونية.
ج- الحاجة إلى روحانية جديدة في واقع الانقسامات
تتحدّث الرسالة عن روحانية خاصة بالعمل من أجل مسيرة المسيحيين نحو الوحدة لتؤكد أن "همُّ الوحدةِ والبحثُ عنها هما جزءٌ من كيانِ المسيحي، كما أنّهما جزءٌ من كيانِ الكنيسة. كرَّرَ البابا يوحنا بولس الثاني ذلك مرارًا: "إنّ الوحدةَ التي منحَها الله لكنيستِه، والتي يريدُ الله أن يشملَ بها الجميع، ليست أمرًا ثانويًّا، بل هي في قلبِ عملِه. ولا هي صفةٌ عرَضيّةٌ أو مُضافةٌ في جماعةِ التلاميذ، بل هي في صُلبِ كيانِ هذه الجماعة"[2]. فالكنيسةُ مَدعُوَّةٌ إذًا لتكونَ مسكونيةً حتى أعماقِ ذاتِها، ويجبُ أن تسمحَ لنفسِها بأن ترتدَّ وأن تتّخذَ وجهًا جديدًا من خلالِ علاقاتِها مع سائرِ المعمَّدين وجماعاتهِم. ونعودُ هنا فنكرِّرُ ما قالَه البابا يوحنا بولس الثاني: يجبُ أن يتجاوزَ الحوارُ المسكونيُّ حوارَ الأفكارِ ليصبحَ تبادلَ المواهبِ وحوارَ الضمائرِ ومن ثمَّ الحوارَ الذي يؤدِّي إلى الارتدادِ والتوبة.
بهذا المعنى ترِدُ عبارةُ "المسكونيةُ الروحية"، في الوثيقةِ المجمعيةِ عن المسكونية. وتَعني هذه العبارةُ تجدُّدَ الكنيسةِ وتوبةَ القلبِ وقداسةَ الحياةِ والصلاةَ والمعرفةَ المتبادَلة[3]. وتدعو الرسالة إلى:
1- إرتداد وتجدُّد شخصي وجماعي
يدعو المجمعُ الفاتيكاني الثاني قبلَ كلِّ شيءٍ إلى الارتدادِ الداخلي، الذي من دونِه لا يمكنُ أن توجدَ حركةٌ مسكونيةٌ حقيقية. على صعيدِ الأشخاص، هذا يعني تجدُّدَ القلب، والزهدَ بالذات، والتواضعَ والوداعةَ في الخدمة، والسخاءَ الأخويَّ تجاهَ الآخَرين. كلُّ واحدٍ مِنّا مدعُوٌّ إلى توبةٍ وارتدادٍ وقبولٍ للإنجيلِ قبولاً كاملاً: "ليذكُرْ المؤمنون جميعًا أنّهم يعملون على وحدةِ المسيحيين، بل يحقِّقونها، بقدرِ ما يسعَوْن في تطبيقِ الإنجيلِ على حياتِهم تطبيقًا أكمل"[4].
يقولُ المجمعُ الفاتيكاني الثاني إنَّ واجبَ الارتداد لا يُقصَرُ على الفردِ المؤمنِ وحدَه، بل على الجماعةِ كلِّها أن تتوبَ وترتدَّ. تؤكِّدُ على ذلك الرسالةُ "ليكونوا واحدا": "ليسَت الخطايا الفرديةُ وحدَها هي التي يجبُ أن نتجاوزَها ونغفرَها، بل الخطايا الجماعيةُ أيضًا، أعني البِنَى والقواعدَ الاجتماعيةَ نفسَها المولِّدةَ للخطيئةِ والتي كانَت وما زالت سببًا في الانقسامِ".
2- أن نعترف بأننا خطئنا
يرتد المسيحيُّ ويتوب بصورةٍ خاصّة عن الخطايا التي تنقضُ الوحدة: "وحدةُ المسيحيين أمرٌ ممكنٌ، شرطِ أن نعيَ وندركَ بتواضعٍ أنَّنا خطئنا، وبخطيئتِنا نقضْنا الوحدة، شرطِ أن نقتنعَ بضرورةِ توبتِنا وارتدادِنا"[5]. فإذا تبْنا نجمَ عن توبتِنا تبديلٌ في مواقفِنا تجاهَ الآخرين[6]. يجبُ أن تعيَ كلُّ كنيسةٍ أو جماعةٍ كنسيةٍ كيف كانَت هذه الخطايا، كلُّها أو بعضُها، في تاريخِها، سببًا في الانقسام. وإلى أيِّ كنيسةٍ أساءَت هي بخطيئتِها، فتسعى بعدَ ذلك بنعمةِ الله إلى المغفرةِ والمصالحة.
3- تجدّد في جميع مجالات الحياة
ويظهرُ الارتداد الفردي والجماعي في تجدُّدِ الحياةِ في الكنائس، "لأنها هي قاعدةُ ومُنطلَقُ التحرُّكِ نحوَ الوحدة". ويجبُ أن يشملَ هذا الجهدُ في التجدُّدِ جميعَ مجالاتِ الحياةِ والرسالةِ في الكنيسة: "دراسةَ الكتابِ المقدَّس، والليتورجيا، والوعظَ بكلمةِ الله، والتعليمَ المسيحي، ورسالةَ العلمانيين، وصورة جديدة للحياة الرهبانية، وروحانيةَ الزواج، وتعليمَ الكنيسةِ ونشاطَها في الشؤونِ الاجتماعية"[7].هكذا تكتسبُ جهودُ كنائسِنا الشرقيةِ الكاثوليكيةِ بُعدًا مسكونيًا، ولا سيما الجهودُ التي تبذِلهُا في مجالاتِ اللاهوت والليتورجيا والروحانيات.
4- الصلاة
الصلاةُ هي أيضًا جزءٌ من المسكونيةِ الروحية. وتستحقُّ الصلاةُ ذكرًا خاصًّا لأنَّ الفردَ والجماعةَ الكنسيةَ يلتقون في أثنائِها في حضرةِ الله، ويستسلمون لمشيئتِه تعالى، ويطلبون منه النورَ والقوّة. يقولُ المجمع الفاتيكاني الثاني إنّ الصلاةَ هي "روحُ الحركةِ المسكونيةِ كلِّها"، "وإنّها وسيلةٌ ناجعةٌ لطلبِ نعمةِ الوحدة"[8].
وهذا صحيحٌ حتى في الصلاةِ الفردية: "لا يمكنُ إقصاءُ هَمِّ الوحدةِ عن الحوارِ الشخصي الحميمِ الذي يجبُ على كلِّ مؤمنٍ أن يُقيمَه مع الله في الصلاة. بهذه الطريقةِ فقط تصبحُ الوحدةُ بصورةٍ كاملةٍ وحقيقيةٍ جزءًا من حياتِنا وواجباتِنا في الكنيسة"[9].
تضمَّنَت جميع تقاليدنا الكنسية في ليتورجياتيها صلواتٍ من أجل الوحدة، ممّا يدلُّ على أنّ الكنائسَ لم تنقطعْ قط عن الصلاةِ للوحدة، وأنّها حملَتْ هذا الهمَّ كلَّ يوم حتى في الإفخارستيا. فنحن ندعو إلى إحياءِ هذه الصلواتِ بكاملِ معناها ومكانتِها، لتَبقَى معبِّرةً عن الروحِ المسكونية في الليتورجيا، وليَبقَى هذا الروحُ حيًّا فينا، فيحملَنا على تحقيقِ الوحدةِ مع إخوتِنا.
"لو عرفَ المسيحيون، بالرغمِ من انقساماتِهم، أن يتّحدوا في صلاةٍ مشتركةٍ حولَ المسيح، لأدركوا أكثر فأكثر كم هو قليلٌ ما يفصلُ بينَهم بالمقارنةِ مع ما يوحِّدُهم"[10].
لا بد من أن تكون الصلاة عنصرًا هامًا دائمًا حاضرًا في الاجتماعات المسكونية، لأنها الصلاةُ هي قِمَّةُ العملِ المسكوني. أسبوعُ الصلاةِ من أجل وحدةِ المسيحيين الذي نحتفلُ به كلَّ سنةِ في شهرِ كانون الثاني/يناير أو حولَ العنصرة لهو تعبيٌر مميَّزٌ عن الصلاة المسكونية، وهو في الوقتِ نفسِه فرصةٌ مناسبةٌ لتنميةِ الوعيِ المسكوني لدى المؤمنين.
5- معرفة متبادلة وتضامن
"الشركة الصلاةُ تولّد في المؤمنِ نظرةً جديدةً في الكنيسةِ وفي الديانةِ المسيحية"[11]. وهذه النظرةُ الجديدةُ هي جزءٌ من التوبةِ والارتدادِ إلى حياةِ الإنجيلِ. "يجبُ الانتقالُ من موقفِ المعارضةِ والمخاصمةِ إلى موقفٍ يَرى في الآخرِ أخًا وشريكًا"[12]. ويؤدِّي هذا التغيُّر في النظرةِ إلى الآخرِ إلى اكتشافٍ جديدٍ لِمَا في الكنائسِ والجماعاتِ الكنسيةِ الأخرى من غنًى وتراث، "فندركُ أنَّ الروحَ يعملُ في الجماعاتِ المسيحيةِ الأخرى، ونكتشفُ لديها نماذجَ قداسةٍ، ونختبرُ فيها الغنى اللامحدودَ لشركةِ القدّيسين، وتتجلَّى أمامَنا طرقٌ لم نكنْ نفكِّرُ فيها في الالتزامِ المسيحي"[13].
لذلك فإنّنا ندعو الكهنةَ والمؤمنين جميعًا أن يزدادوا رغبةً في معرفةِ التقاليدِ اللاهوتيةِ والليتورجيةِ والروحيةِ لدى سائرِ الكنائس ومحبَّتِها، فتصبحُ لهم أيضًا مصدرَ غذاءٍ. يتطلب هذا الأمر تربية طويلة بحيث نكونُ قادرِين على الإحساسِ بكلِّ المشاعرِ وردودِ الفعلِ المتكوِّنَةِ في ذاتِنا أو لدى الآخَرين. يمكنُ أن ننطلقَ من الشركةِ الجزئيةِ القائمةِ منذ الآن والتي تزدادُ وتغتني باستمرارِ اللقاءات، لنوقظ فينا روحَ تضامنٍ يجعلُنا دائمًا حاضرِين مع إخوتِنا، فنهتمُّ بأفراحِهم وأحزانِهم ونجاحِهم وفشلِهم، "ونحملُ أثقالَ بعضِنا البعض" (غلاطية 6: 2). ويجب أن نعبِّرَ عن ذلك بأعمالٍ بسيطةٍ ملموسة، مثلِ المشاركةِ في الأعيادِ وفي أيامِ الحداد، والاهتمامِ بكلِّ ما يحصلُ في الكنيسةِ الأخرى، والاستعدادِ لتقديِم خدماتِنا إذا طُلِبَ ذلك مِنّا الخ… هكذا تنمو الشركةُ غيرُ المكتملةِ بعدُ خطوةً خطوة، فتساعدُ على تجاوزِ النزاعاتِ القديمةِ والأفكارِ المُسْبَقةِ وذكرَياتِ الماضي المؤلمة. قال البابا يوحنا بولس الثاني واصفًا هذه الدينامية: "حياةُ المسيحيين كلُّها مركَّزةٌ على الهمِّ المسكوني، وهم مدعوُّون لكي يطبعوا في أنفسَهم صورةَ المسكونية وروحَها"[14]
الطوائف إلى أين؟..
تتحدّث رسالة البطاركة أيضاً عن التقارب الذي تحقق بين الطوائف من عقود، وحقّق الشركة الحقيقية القائمة بين الطوائف، رغم عدم اكتمالها حول المائدة الافخارستية والإدارة المشتركة. وتميّز نوعين من التقارب الأول هو "حوار المحبة"، الذي يدعو المسيحيين كافةً إلى المشاركة وفهم الواحد للآخر واكتشاف تراثه وكنوزه، وإلى التخلي عن الأحكام المسبقة والسريعة، والحوار الثاني هو حوار الحقيقة، أو الحوار اللاهوتي، الذي يقيمه المختصون للتوصل إلى اتفاقات حول النقاط المختلف عليها. وتعرض الرسالة تالياً ما توصّل هذا التقارب من نتائج.
أ- قراءة في تاريخ التقارب
"إنَّ التقدُّمَ الكبيرَ الذي تمَّ في العلاقاتِ بينَ الكنائسِ خلال نصفِ قرنٍ مضى، شجع وقوَّى التزامَنا المسكوني في خدمة الوحدة الكاملة. ولهذا لا بدَّ من أن نعرفَ الثمارَ الواعدةَ للمساعي التي تمَّت في هذا المجال، سواءٌ على صعيدِ الكنيسةِ الجامعة أو على صعيدِ منطقتِنا في الشرقِ الأوسط بصورة خاصة.
1- مع الكنيسةِ الأرثوذكسية
فتحَت الشخصياتُ الكبيرةُ مثلَ البابا يوحنا الثالث والعشرين والبابا بولس السادس والبطريرك المسكوني اثيناغورس الأول طرقًا جديدةً للتلاقي والاعترافِ المتبادَلِ بينَ الكنيستَيْن الكاثوليكيةِ والأرثوذكسية. كانَ اللقاءُ التاريخيُّ الذي لا يُنسى بينَ البابا بولس السادس والبطريرك المسكوني أثيناغوراس الأول في القدس في كانون الثاني يناير 1964 علامةَ بدايةٍ جديدةٍ. وسوف يبقى صورةً حيّةً للمثالِ المنشودِ، بل شبهَ أيقونة سابقةٍ للوحدةِ الكاملةِ المطلوبة.
وفي السابع من كانون الأول/دسمبر 1965، في آخِرِ أيّامِ المجمعِ الفاتيكاني الثاني، كانَ رفعُ الحرمِ المتبادلِ (الذي يعودُ إلى سنة 1054) والذي أصبحَ رمزَ الانشقاقِ بيَن روما والقسطنطينية، بمثابةِ إعلانٍ رسميٍّ للتبدُّلِ العميقِ في العلاقاتِ والمواقف. كانَ هذا الإعلانُ الكنسيُّ في الوقتِ نفسِه "تنقيةً للذاكرةِ التاريخيةِ ومغفرةً متبادلةً والتزامًا متضامنًا للبحثِ عن الشركة"[15].
تلا ذلك تبادلُ الزياراتِ بينَ البابوات والبطاركة المسكونيين، واللقاءاتُ المتعدِّدةُ بينَ أساقفةٍ ولاهوتيين وكهنةٍ ومؤمنين، في إطارِ ما سُمِّيَ بحوارِ المحبّة. فتبدَّلَت شيئًا فشيئًا نظرةُ كلٍّ من الكنيستَيْن تجاهَ الأخرى. بهذا المعنى استطاعَ البابا بولس السادس أن يقولَ لدى زيارتِه إلى البطريركيةِ المسكونيةِ في اسطنبول في تموز/يوليو 1967: "الآنَ، وبعدَ فترةٍ طويلةٍ من الانقسام وسوءِ الفهمِ المتبادلِ، منَحَنا الربُّ أن نكتشفَ بعضُنا بعضًا، كنيستَيْن شقيقتَيْن بالرغمِ من العقباتِ التي قامَت بينَنا"[16].
ألهمَت هذه الرؤيةُ، رؤيةُ الكنيستَيْن الشقيقتَيْن، مسيرةَ الحوارِ اللاهوتيِّ المُعلَنِ عنه عام 1979. وكانَت أعمالُ لجنةِ الحوارِ المشتركةِ الدولية مثمرةً إلى حدٍّ تمكَّنَ معه البابا يوحنا بولس الثاني والبطريرك المسكوني برتلماوس (في زيارته إلى روما عام 1995) من التصريحِ معًا: "أدَّى الحوارُ إلى إيجادِ مفهومٍ مشتركٍ لسرِّ الكنيسة، عبر الزمن في تسلسلِ الخلافةِ الرسولية. إنَّ هذه الخلافةَ الرسوليةَ في كنائسِنا أساسيةٌ لتقديسِ شعبِ الله ووحدتِه. وعلى اعتبارِ أنَّ خدمةَ الحبِّ الإلهي تتمُّ في كلّ كنيسةٍ محليّةٍ، وأنَّ كنيسةَ المسيحِ تظهر بها حضوره الفاعل في كلٍّ منها، استطاعَت اللجنةُ المشتركةُ أن تصرِّحَ أنَّ كنائسَنا تعترفُ بعضُها ببعضٍ كنائسَ شقيقة، مسؤولةً معًا عن المحافظةِ على كنيسةِ الله أمينةً للتدبيرِ الإلهي، ولا سيَّما فيما يختصُّ بالوحدة"[17].
2- مع كنائس الشرق القديمة
بدأَت الكنيسةُ الكاثوليكيةُ علاقاتِها الأخويّةَ مع سائرِ كنائسِ الشرقِ بطرقٍ مختلفة. وهي الكنائسُ التي لم تعترفْ بقراراتِ مجمعَيْ أفسس (431) وخلقيدونية (451) فيما يختصُّ بشخصِ سيدِنا يسوعَ المسيح.
لدى زيارةِ العديدِ من الآباءِ بطاركةِ الكنائسِ الأرثوذكسيةِ الشرقية، (والمعروفةِ أيضا باللاخلقيدونية) إلى روما، وقَّعَ البابا معهم على بياناتٍ مشتركةٍ تؤكِّدُ الإيمانَ المشتركَ بيسوعَ المسيحِ، إلهًا حقًّا وإنسانًا حقًّا، كاملا في لاهوتِه وكاملا في ناسوتِه[18]. وظهرَ بهذه البياناتِ أنّ الخلافاتِ حولَ شخصِ سيِّدنا يسوعَ المسيح، والتي كانَت في أصلِ انقسامِ الكنائس، كانَت لها أسبابٌ متنوِّعة ومن أهمِّها الاختلافُ في التعابير الغوية. فوُضِعَ بذلك حدٌّ لخمسةَ عشرَ قرنًا من سوءِ الفهم والمخاصمات.
وصدرَ كذلكَ بيانٌ مشتركٌ مشابهٌ بينَ البابا يوحنا بولس الثاني ومار دنحا الرابع، بطريرك كنيسةِ المشرقِ الأشورية، في تشرين الثاني (نوفمبر) 1994.
3- بين الكنيسة الأرثوذكسية والكنائس الأرثوذكسية الشرقية
تمَّ التوصُّلُ كذلك إلى اتفاقٍ بينَ الكنيسةِ الأرثوذكسيةِ (الخلقيدونية) والكنائسِ الأرثوذكسيةِ الشرقيةِ (اللاخلقيدونية) وهي الكنائسُ الأرمنيةُ والقبطيةُ والحبشيةُ والسريانيةُ، بفضل أعمال اللجانُ اللاهوتيةُ من كلا الطرفين. وقد عملَتْ هذه اللجانُ في مرحلةٍ أولى بصورةٍ غيرِ رسميّةٍ من 1964ـ1971، ثم بتفويضٍ رسميٍّ من 1985ـ1993. إلا أنّه لم يَتِمَّ بعدُ قبول هذا الاتفاقِ رسميًّا من قبلِ السلطاتِ المختصّةِ في جميعِ هذه الكنائس.
ونرى الآن أنّه من واجبِنا، نحن كنائسَ الشرقِ الأوسط، أن نوليَ انتباهًا خاصًّا نصَّ هذه الاتفاقاتِ الكريستولوجيةِ (حول شخصية سيِّدِنا يسوعَ المسيح) ومضمونَها، لأنَّنا نتواجدُ جميعًا في المنطقةِ نفسِها، ومعًا نحن مدعوُّون لحملِ شهادةٍ مشتركةٍ لربِّنا يسوعَ المسيحِ أمامَ الأديان الأخرى.
4- مع الكنائسِ والجماعاتِ الكنسيةِ في الغرب
كثُرَت اتصالاتُ الكنيسةِ الكاثوليكيةِ، بعدَ المجمعِ الفاتيكاني الثاني، مع مختلفِ الكنائسِ والجماعاتِ الكنسيةِ المنبثقةِ عن حركةِ الإصلاح. فبدأَتْ حواراتٌ ثنائيةٌ مع الأنجليكان واللوثريين والاتحاد العالمي للمُصلَحين والميتوديست وتلاميذِ المسيح الخ… ولكنَّ الحوارَ مع الأنجليكان واللوثريين هو الذي أدّى إلى نشرِ نصوصٍ لاهوتيةٍ مشتركة ذات غنى كبير في سرِّ الكنيسة، وفي السلطة فيها، والافخارستيا والخلاص الخ…
5- مع مجلس الكنائس العالمي
طوَّرَت الكنيسةُ في الوقتِ نفسه تعاونَها مع مجلسِ الكنائسِ العالمي، ولا سيما عبرَ مجموعةِ العملِ المختلَطةِ (groupe mixte de travail)، ومن خلالِ إسهامِها في أعمالِ اللجنة "إيمان ودستور" (Foi et Constitution). وكانتْ الوثيقةُ التي نُشِرتَ عامَ 1982 عن المعموديةِ والإفخارستيا والرتبةِ الكهنوتيةِ أفضلَ تلك الوثائقِ وأغناها، إذ إنَّها تبيِّنُ توجّهاتٍ مشتركةً مذهلةً بيَن الكنائسِ المسيحيةِ الكبرى.
6- إسهام الكنيسةِ كلِّها في التقارب
قلْنا إنّه لا يمكنُ حصرُ نتائجِ الحوارِ اللاهوتي في حلقةِ الخبراءِ، بل يجبُ تبليغُها إلى الكنيسةِ لتصبحَ "تراثًا مشتركًا". يجبُ أن تكونَ هذه النتائجُ "موضوعَ دراسةٍ جدّيّةٍ تشملُ جميعَ شعبِ الله، بطرقٍ مختلفة، وبحسبِ الاختصاصاتِ المختلفة. فالأساقفةُ والكهنةُ والمؤمنين العلمانيين، وقد قبلوا كلُّهم وسمَ الروحِ القدس، يجبُ أن يشاركوا جميعًا في دراسة وتفهم هذه النتائجِ، كلُّ واحدٍ بحسبِ ما أعطِيَ له من مواهب، وبحسب مكانتِه الخاصة في الكنيسة، لكي يتمَّ التوصُّلُ إلى إجماعِ المؤمنين (consensus fidelium)"[19].
ب – نتائج التقارب..
1- الوثائق الرسمية
هناك أوّلا النصوصُ الرسميّةُ في الكنيسةِ الكاثوليكية، وأوَّلُها وثائقُ المجمعِ الفاتيكاني الثاني الذي كانَ فاتحةَ عهدٍ جديدٍ للحركةِ المسكونيةِ في الكنيسةِ الكاثوليكية. ثم جاءَ "الدليلُ في تطبيقِ المبادئِ والقوانينِ في الحركةِ المسكونية"، والمنشورُ في طبعةٍ ثانيةٍ معدَّلةٍ عام 1993، وهو امتدادٌ مباشرٌ للمجمع، وأفضلُ مرشدٍ للجهودِ المبذولةِ من أجلِ التكيُّفِ مع هذه الفترةِ الجديدة. ثم رسالةُ البابا يوحنا بولس الثاني، "ليكونوا واحدا" في أيار/مايو 1995، حيث أكَّدَ على ضرورةِ تفهم ودراسة التوجيهاتِ المسكونية للمجمعِ الفاتيكاني الثاني. وقد اعتمدَت هذه الرسالةُ أيضًا كلَّ ما تَمَّ إنجازُه في الحواراتِ المختلفةِ حتى هذا التاريخ. وهناك نصوصٌ كثيرةٌ للبابا أو لجهاتٍ تعليميةٍ كاثوليكية عرضَت هذه التوجيهاتِ نفسها عرضًا جديدًا في ضوءِ ظروف جديدة، ومن أهمِّها الإرشادُ الرسولي بعدَ سينودس لبنان: "رجاءٌ جديدٌ للبنان" (المنشور في أيار/مايو 1997).
ومن جهةٍ أخرى، ظهرَت، خلالَ عشراتِ السنواتِ الماضية، نصوصٌ مسكونيةٌ عديدةٌ لاتفاقاتٌ أو توجيهات مشتركة إثرَ الحواراتِ الثنائيةِ بينَ الكنيسةِ الكاثوليكية وإحدى الكنائسِ الشرقيةِ الأرثوذكسيةِ أو الكنائسِ الأنجليكانية أو اللوثرية الخ… أو إثرَ حواراتٍ متعدِّدةِ الأطراف، اشتركَ فيها عددٌ من الكنائسِ، مثلا في إطارِ مجلسِ الكنائس العالمي، على الصعيدِ العالمي، أو في إطارِ مجلسِ كنائسِ الشرقِ الأوسط، على صعيدِ المنطقة.
أوَّلُ النصوصِ التي يجبُ أن نأخذَها بعينِ الاعتبارِ، في الشرقِ الأوسطِ، هي في الواقعِ النصوصُ التي تخصُّ العلاقاتِ بين الكنائسِ الكاثوليكِيةِ والأرثوذكسية. القضايا الرئيسةُ الواردةُ في هذه النصوصِ والاتفاقاتِ، فيما يختصُّ بالحوارِ اللاهوتي مع الكنيسةِ الأرثوذكسية ذات التقليد البيزنطي هي ما يلي: أولا: نحن كنائسُ شقيقة. وهذه رؤيةٌ يجبُ أن تصبحَ جزءًا لا يتجزّأُ من مفهومِنا لطبيعةِ سرِّ الكنيسة. ثانيًا: الأسرارُ واحدةٌ، ومفهومُنا للأسرارِ هو أيضًا واحد. ثالثا: هناك توجيهاتٌ عمليةٌ للجنةِ الحوارِ الدوليةِ سُجِّلَتْ في وثيقةِ البلمند (لبنان) عام 1993، لا بدَّ من معرفتِها والعملِ بها. لكنَّه من الضروريِّ أن نفهمَ أيضًا أنّ القضيةَ في كلِّ هذا ليسَت قضيةَ قوانين عمليةٍ فقط، بل هي مبادئُ أساسيةٌ في اللاهوتِ العامِّ وفي طبيعةِ سرِّ الكنسيةٌ.
للاتفاقاتِ الكريستولوجية (حول شخصيةِ سيدِنا يسوعَ المسيح) بينَ الكنيسةِ الكاثوليكيةِ والكنائسِ السريانيةِ والقبطيةِ والأرمنيةِ والأشورية أثرُها العميقُ في كنائسِنا. فهذه الاتفاقاتُ تَعني أنَّ أهم أسبابِ الانقسامِ، التي كانَت في القرنِ الخامسِ، لم يعُدْ لها اليومَ وجود. فمن الضروريِّ أن تسعى الكنائسُ الكاثوليكيةُ والأرثوذكسيةُ اليومَ معًا لمتابعةِ تلك الاتفاقاتِ والعملِ بها. ومن الضروريِّ لذلك تكوينُ لجانِ عملٍ مشترَكة.
2- رؤية ومواقف جديدة
يجبُ أن يتأسَّسَ عملناُ الرعويُّ كلُّه على هذا المبدأ: أنَّ الكنيسةَ شركةٌ في الإيمانِ والأسرارِ وخدمةِ المحبة، وأنَّ بينَنا وبينَ الكنائسِ الأرثوذكسيةِ وسائرِ الجماعاتِ الكنسيةِ شركةً حقيقيةً ولو غيرَ كاملة. فيجبُ أن يهدف عملنا الرعوي إلى البلوغ بهذه الشركةِ إلى كمالِها.
ينطبقُ كلامنُا هذا أولا على الكنائسِ الأرثوذكسية، فنحن نعترفُ بها كنائسَ شقيقة، لأنّها "تؤمنُ بإيمان الرسل، وتشاركُ في الأسرارِ نفسِها، ولديها الكهنوتِ الواحدِ الذي يقرِّبُ لله ذبيحةَ المسيحِ الواحدة، وخلافةِ الأساقفةِ الرسولية. وكان البابا بولس السادس قد صرَّحَ أنّه يجبُ على رؤساءِ الكنائسِ الكاثوليكيةِ والأرثوذكسيةِ" أن يعترفوا ببعضِهم البعض، ويتبادلوا الاحترامَ كرعاةٍ للقسمِ الذي وُكِلَ إليهم من قطيع المسيح"[20].
أمّا الكنائسُ أو الجماعاتُ الكنسيةُ المنبثقةُ من الإصلاحِ البروتستانتي، فلا يزالُ بينَنا اختلافاتٌ كبيرةٌ فيما يختص بالإيمان. إلا أنَّ بينَنا أيضًا قاعدةُ إيمانٍ مشتركة، تدعونا إلى الاحترامِ المتبادل، وإلى عملٍ مشتركٍ في المجالَيْن الديني والاجتماعي[21].
حدَّدَت الاتفاقاتُ المشترَكةُ بين الكنيسةِ الكاثوليكيةِ والكنائسِ الأرثوذكسيةِ الخطوطَ التي تُبنَى عليها المواقفُ الجديدةُ في العملِ الرعوي. وخاصّة الاتفاقُ الرعويُّ بينَ الكنيسةِ الكاثوليكيةِ والكنيسةِ السريانيةِ الأرثوذكسية عام 1984، والوثائقُ المختلفةُ الصادرةُ عن الحواراتِ اللاهوتيةِ مع الكنيسةِ القبطية، وكنيسةِ الرومِ الأرثوذكس، والبيانُ المشترَكُ الذي وقَّعَ عليه بطاركةُ الشرق الكاثوليك وبطريركا أنطاكية للروم الأرثوذكس وللسريان الأرثوذكس، إبّانَ لقاءِ البطاركةِ الكاثوليك والأرثوذكس عام 1996 في دير الشرفة (لبنان). فمن الضروريِّ استيعابُ هذه النصوصِ ودراسةُ نتائجِها العملية.
3- التنسيق بين رؤساء الكنائس وتعاون رعوي حقيقي
ولهذا فإنّنا ندعو جميعَ الرعاةِ والمؤمنين إلى المزيدِ من التشاورِ والتعاونِ مع سائرِ الكنائسِ كلَّما كانَ ذلك ممكنًا. بذلك تَنمو وتَقوى بينَنا روحُ الأخوَّة والثقةِ المتبادلة. ودليلُنا في هذا المجالِ هو وهذا المبدأ الأساسي: أن نعملَ معًا مع التقيُّدِ بعقيدةِ الإيمانِ والقوانينِ الكنسية.
هنا أيضًا نستدلُّ بما قالَه البابا يوحنا بولس الثاني في رسالتِه "ليكونوا واحدًا". فهو يرى أنَّ العلاقاتِ بينَ المسيحيين "تتطلَّبُ التعاونَ منذ الآن في جميعِ المجالاتِ العمليةِ الممكنة، وعلى مختلفِ الأصعدة، الرعويةِ والثقافيةِ والاجتماعيةِ، كما وفي الشهادةِ لرسالة الإنجيل". لهذا للتعاونِ بين المسيحيين قيمة مزدوجة: فهو يعبِّرُ من جهة بصورةٍ حيّةٍ عن الوحدةِ القائمةِ بينَهم، وعن الشركةِ الأخوية. وهو من جهةٍ أخرى "مدرسةٌ حقيقيةٌ للمسكونية، بل وطريقٌ ديناميةٌ نحوَ الوحدة. لأنَّ الوحدةَ في العملِ تؤدِّي إلى الوحدةِ الكاملةِ في الإيمان."بالإضافةِ إلى ذلك، إنّ التعاونَ بيَن المسيحيين هو "في نظرِ العالمِ شهادةٌ مشتركة… وإعلانٌ يُظهرُ وجهَ المسيحِ الحقيقي"[22]. وهذا أمرٌ مهمٌّ جدًّا لمعنى حضورِنا ودعوتِنا في الشرقِ الأوسط.
وقد أوضحَ "الدليلُ المسكوني" مختلفَ المجالاتِ التي يمكنُ أن يتِمَّ التعاونُ فيها[23]. وذلك في ترجمةِ الكتابِ المقدس، وفي توحيدِ النصوصِ الليتورجية، وفي التعليمِ المسيحي، والتعليم العالي في الإكليريكيات والجامعات، وفي الحوار بين الأديان، وفي الإعلام والحياة الاجتماعية والثقافية الخ…. لقد أوصيْنا، على سبيل المثال، في اتفاقِ الشرفة عام 1996 بإعدادِ نصٍّ مسكونيٍّ موحَّدٍ للتعليمِ الديني في المدارس الحكومية. وهناك إمكاناتٌ أخرى للتعاونِ في إطارِ مجلسِ كنائسِ الشرقِ الأوسط، مثلُ النصِّ الموحَّدِ للصلاةِ الربية، ولقانونِ إيمانِ نيقية والقسطنطينية، أو أيةِّ مبادرةٍ أخرى بين مختلفِ الكنائسِ في المنطقة.
وأمَّا في مجالِ الليتورجيا والمشاركة في الأسرار، فما زالَ غياب الشركةِ الكاملة بيننا هو العاملُ الرئيسيُ الذي يفصلُ بينَ الكنائس. ومن الأهمية بمكان أن نحترم الرؤية اللاهوتية لكلِّ كنيسةٍ في هذا المجال، إلى أن تحينَ الساعةُ التي تريدُ فيها مشيئةُ العلِيِّ أن توحِّدَنا لنرفعَ معًا ذبيحةَ إفخارستيا واحدة. ترى الكنائسُ اليومَ أنَّ غياب الوحدةِ في الإيمانِ يحولُ دونَ الشركةِ في الأسرار. وإن كلُّ شركةٍ تتمُّ بين اثنين، وتفترضُ إذًا الحريةَ المتساويةَ لدى الطرفين. ولهذا عندما نتكلَّمُ على الشركةِ في الأسرارِ، فالأمرُ لا يخصُّ شخصًا بمفردِه: لأنَّ كلَّ معمّدٍ هو عضوٌ في جماعةٍ كنسية. ومن ثم يقول البابا يوحنا بولس الثاني: "يجبُ ألا يغيب أبدًا عن نظرنا بُعدَ الانتماءِ الكنسي في المشاركةِ في الأسرار، ولا سيما في الإفخارستيا المقدسة"[24].
لقد حدَّدْنا في وثيقةِ الشرفة أيضًا إمكاناتِ جديدة للاحتفال بالزواجاتِ المختلطة بين الكاثوليك والأرثوذكس، ووضعْنا الخطوطَ العريضةَ لحلِّ الصعوباتِ الناجمةِ عن حفلاتِ المناولةِ الأولى في المدارسِ الكاثوليكية. وفي الاتفاقِ الرعويِّ الذي وقَّعه عام 1984 البابا يوحنا بولس الثاني والبطريرك زكّا الأول عيواص، أصبحَ من الممكنِ قبولُ أسرارِ التوبةِ والإفخارستيا ومسحةِ المرضى، في أيِّ من الكنيستَيْن، في حالِ عدمِ وجودِ كاهنٍ من إحدى الكنيستين. فلا بدَّ لنا من أن نتنبَّهَ لكلِّ هذه التدابير، فنطبِّقَها بروحِ الاحترامِ المتبادلِ وبالحكمةِ اللازمة. قد يفتحُ المستقبلُ أمامَنا أبوابًا أخرى من التعاون. ولكنَّا ما زلْنا حتى الآن بحاجةٍ إلى مزيد من التفكير والدراساتٍ المشتركة.
وأمّا بخصوصِ عيدِ الفصح، واستجابةً لرغبةِ أبنائِنا من جميعِ الكنائسِ الكاثوليكيةِ والأرثوذكسية، فإنّنا بحثْنا هذه القضية مع إخوتِنا البطاركةِ الأجلاء من مختلفِ الكنائسِ في منطقتِنا. فتبيَّنَ لنا أنَّ هناكَ عقباتٍ لدى البعضِ يصعب تذليلُها. لذلك تُرِكَتْ الحريةُ للقادرِين على توحيدِ الأعياد، وفقًا للظروفِ التي يعيشونها في بلدانِهم، دليلا عل نيةِ التقاربِ والتمهيد للوحدةِ المرتجاةِ، مع احترام هوية كلِّ كنيسةٍ وتراثها وتقليدها.
ويبقى مجالٌ واسعٌ ومفتوحٌ أمامَنا للتعاونِ في الخدَماتِ المختلفة، مثلِ بناءِ الكنائسِ أو استخدامِها، وبناءِ المدارسِ والمستشفياتِ، حيث تقتضي الحاجةُ ذلك، وفي مشاريعِ التنمية الاجتماعية، ومساعدةِ المحتاجين، ومشاريعِ الإسكانِ، ووسائلِ الإعلامِ والصحافة الخ… من الضروريِّ أن نواجهَ معًا قضيةَ الهجرةِ بكلَِّ وسيلةٍ مُتاحة. معًا يجبُ أن نعملَ في سبيلِ العدلِ والسلام، وفي سبيلِ اشتراكٍ فعَّالٍ وعادلٍ من قبل المسيحيين في الحياةِ العامّةِ، كلِّ واحد في بلده. ومعًا يجبُ أن نعالجَ قضايا الكنائسِ في علاقاتِنا مع الجهاتِ الرسمية. ومعًا يجبُ أن ننظرَ في العلاقاتِ مع إخوتِنا المسلمين واليهود.
ج- مؤسسات التقارب
1- مجلسُ بطاركةِ الشرقِ الكاثوليك واللقاء مع البطاركة الأرثوذكس
نشأ مجلسُنا هذا عام 1991. وقد اهتمَّ منذ نشأتِه بالقضايا التي تواجه كنائسِنا الكاثوليكيةِ في الشرق الأوسط. وتناولْنا في مؤتمراتِنا السنويةِ أهمَّ القضايا المتعلِّقةِ بحضورِنا المسيحيِّ عامّة، والكاثوليكيِّ خاصَّة. ووجَّهْنا إليكم، أيها الأبناءُ الأعزاء، عددًا من الرسائلَ الرعويةَ لنطلعَكم فيها على ثمرة تفكيرِنا في هذه المجالات.
وتوجَّهْنا أيضًا لتنميةِ العلاقاتِ مع إخوتِنا البطاركةِ الأرثوذكس. فمنذ أربعِ سنواتٍ أصبحَ اليومُ الأوّلُ من لقاءاتِنا مخصَّصًا للقاءٍ كاثوليكيٍّ أرثوذكسي. ويهمُّنا أن نتابعَ تفكيرَنا الأخويَّ المشتركَ مع الكنائسِ الأرثوذكسيةِ الشقيقة. ونحن ندعو رعاتَنا لكي يسلكوا هم أيضًا هذا الطريقَ نفسَه للقاءِ والتفكيرِ المشتركِ من أجلِ تطبيقٍ عمليٍّ في الأبرشياتِ لكلِّ ما ذكرْنا في رسالتِنا هذه من مبادئَ واتفاقات.
2- مجالس البطاركة والأساقفة الكاثوليك ورؤساء الطوائف الإقليمية والوطنية والمحلية
تختلفُ الظروفُ والإمكانات المسكونية من بلدٍ إلى آخر. ولهذا فمن واجبِ مجالسِ البطاركةِ والأساقفةِ في كلِّ بلدٍ أن تتابعَ هذه المهمّةَ المسكونية، وتتّخذَ المبادراتِ التي تراها مناسبة. فندعو إلى تكوينِ اللجانِ لذلك إن لم توجدْ بعد، وإلى تفعيلِها إن وُجِدَت، لتؤدِّيَ الكنيسةُ الشهادةَ المطلوبةَ منها في هذا المجال بأمانة.
3- مجلس كنائس الشرق الأوسط
تأسَّسَ هذا المجلسُ عام 1974 على يدِ مؤمنين غيورين أرادوا الاستجابةَ لصلاةِ يسوع المسيح من أجلِ وحدةِ كنيستِه (ر. يوحنا 17: 21). وقد ضمَّ في تلك المرحلة الكنائس الأرثوذكسيةَ والبروتستانتية، وجاء نتيجة جهود طويلة تعود إلى عام 1925. وفي عام 1988 ـ 1989 أصبحَتْ الكنيسةُ الكاثوليكيةُ عضوًا كاملا في المجلس، ببطريركياتها السبع.
4- مؤسسات التأهيلُ المسكوني
إذا أردْنا أن نقومَ بواجبِنا المسكوني تجاهَ كنائسِنا المحلية وتجاهَ الكنيسةِ الجامعة، لا بدَّ من أن نبدأَ برامجَ تأهيلٍ وإعدادٍ للكهنةِ والرهبانِ والراهباتِ والمؤمنين. ويؤكِّدُ الدليلُ المسكونيُّ على أهميّةِ وأولويةِ هذا التأهيل لمن يعملُ في خدمةِ الرعايا[25].
خاتمة
البحثُ عن الوحدةِ في المسيحِ هو بُعدٌ أساسيٌّ في الكيانِ المسيحي، وشرطٌ أولي لرسالتِنا في الكنيسةِ وفي العالم، "لتكونَ له الحياةُ وتكونَ له وافرة" (ر. يوحنا 10: 10). نسألُ الله أن يوفِّقَنا في طريقِنا نحو الوحدة، وأن يملأنا بروحِه القدّوسَ ليجدِّدَ قلوبَنا ويقوِّيَ وحدتَنا..

--------------------------------------------------------------------------------

[1]) هذه الرسالة، مع الرسائل الأخرى لمجلس بطاركة الشرق الكاثوليك، موجودة على شبكة الإنترنت:
www.opuslibani.org.lb/opuslibarabe/cpcoarabe/lettres.htm
[2])ليكونوا واحدًا، 9.
[3])استعادة الوحدة 5ـ9.
[4])استعادة الوحدة 7؛ ليكونوا واحدًا 20.
[5])ليكونوا واحدًا، 34.
[6])ليكونوا واحدًا، 15.
[7])استعادة الوحدة، 6.
[8])ليكونوا واحدًا، 21؛ استعادة الوحدة، 8.
[9])ليكونوا واحدًا، 27.
[10])استعادة الوحدة، 8؛ ليكونوا واحدًا 21ـ22.
[11])ليكونوا واحدًا، 23.
[12])ليكونوا واحدًا، 29.
[13])ليكونوا واحدًا، 15.
[14])ليكونوا واحدًا، 15.
[15])ليكونوا واحدًا، 52.
[16])كتاب رسولي "في بداية العام" Anno Ineunte 25 يوليو 1967؛ ر. ليكونوا واحدًا، 57.
[17]) ر. النشرة الإعلامية للمجلس الحبري لوحدة المسيحيين Service d’Information 90، 1995، 124؛ و"ليكونوا واحدًا" 57.
[18]) بيان مشترك بين البابا بولس السادس وقداسة مار اغناطيوس يعقوب الثالث بطريرك السريان الأرثوذكس في 1971، وبين قداسة البابا بولس السادس وقداسة الأنبا شنوده الثالث بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية للأقباط الأرثوذكس عام 1973، والاتفاق الكريستولوجي مع كنيسة الملانكار الأورثوذكس في 1989 ـ 1990، والبيان المشترك بين البابا يوحنا بولس الثاني والكاثوليكوس الأعلى لجميع الأرمن، قداسة كراكين الأول عام 1996.
[19])ليكونوا واحدًا، 80.
[20]) في خطابه لدى زيارته إلى البطريركية المسكونية في اسطنبول في شهر تموز/يوليو 1967.
[21]) ر. ليكونوا واحدًا، 75.
[22])ليكونوا واحدًا، 40 و75.
[23])الدليل المسكوني، 161ـ218.
[24])ليكونوا واحدًا، 58.
[25])الدليل المسكوني، 55ـ91. نشر المجلس البابوي لوحدة المسيحيين دراسة بعنوان "البعد المسكوني في إعداد العاملين في الخدمة الرعوية"، وفيها تعليمات مفصلة لهذا الإعداد النظري والعملي. ر. خدمة المعلومات 96 (Service d'Information) (1997/4) 143ـ152.

عن موقع القديسة تيريزا في حلب

  العودة الى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة /

Copyright ©2005 marnarsay.com