بهنام وسارة الشهيدان


كان بهنام ابنا لسنحاريب ملك الفرس، يسند والده في الحروب، وإذ حدثت هدنة استأذنه أن يخرج للصيد مع بعض جنوده، وبالفعل انطلق إلى البرية يمارس هوايته المحبوبة لديه، حتى ضل الطريق لمدة يومين كاملين. إذ جلس الكل للغذاء رأى الأمير صيدًا ثمينًا فصار يطارده حتى دخل مغارة، فدخل وراءه وأمسك به. وإذ كان الغروب قد حلّ نام الكل في المغارة. وفي الليل شاهد كما في حلم ملاكًا نورانيًا يناديه باسمه ويعلن له انه سيكون إناءً مختارًا لله، وينعم بالإكليل السماوي. وإذ كان متحيرًا لا يفهم ما يسمعه طلب منه الملاك أن يمضي إلى شيخٍ متوحدٍ يدعى متى بالقرب منه يرشده إلى الحق. في الفجر استيقظ الكل ليجدوا الأمير مستعدًا للرحيل، وقد ظهرت علامات البهجة على وجهه. أخبرهم الأمير بما رأى، وكان الكثيرون قد سمعوا عن هذا الراهب الذي عاش في الجبل يجمع حوله جماعة كبيرة من المسيحيين الذين هربوا من ضيق يوليانوس الجاحد، وأن الله وهبه صنع المعجزات والآيات، وقد اجتذب كثيرين منهم مارزكا ومارإبراهيم. لقاؤه مع القديس متى اصطحب الأمير رجاله حيث صاروا يبحثون عن القديس حتى التقوا به، فاستقبلهم بفرح عظيم وسار معهم وكان يحدثهم عن محبة الله الفائقة وعمل السيد المسيح الخلاصي، فتعلق قلب بهنام بالرب، وإن كان قد طلب من القديس متى أن ينزل معه ليشفي أخته المُصابة بالبرص. وبالفعل نزلوا من الجبل حتى اقتربوا من المدينة حيث توقف القديس هناك وطلب من بهنام أن يُحضر إليه سارة أخته. تكتم بهنام الخبر، وإذ التقى بأبيه الذي كان يبحث عنه طلب منه أن يمضي إلى أمه وأخته، وبالفعل التقى بهما وأخبر والدته بكل ما حدث، واستأذنها أن يأخذ أخته سارة ليصلي القديس متى عنها. طلب القديس من سارة أن تؤمن بالسيد المسيح وتجحد الشيطان وكل أعماله، وقام بتعميدها فخرجت من الماء وقد شُفيت من البرص. دُهش المرافقون لبهنام وسارة وآمنوا بالسيد المسيح. تحدث القديس مع الحاضرين عن احتمال الآلام من أجل الإيمان، ثم انطلق في البرية متجهًا نحو مغارته، وعاد بهنام ومعه سارة إلى أمها التي فرحت جدًا بشفاء ابنتها. وليمة ملوكية أقام الملك وليمة يجمع فيها العظماء من أجل شفاء ابنته، وإذ أُعد كل شيء صُدم الملك إذ رآها في الحفل ترتدي ثوبًا بسيطًا. وإذ كان يتحدث معها صارت تعلن إيمانها أمام العظماء والأشراف في هدوء وبحكمة. اغتاظ الملك وحسب ذلك إهانة له! تحوّل الحفل عن البهجة الزمنية إلى اضطراب شديد وخيبة أمل للكل. استشهادهما في اليوم التالي جمع الملك بعض مشيريه ليسألهم عما يفعله ببهنام وسارة ولديه، فسألوه أن يتمهل عليهما ويقوموا هم بإغرائهما وتعقيلهما. أحضر الملك ابنيه وصار يطلب منهما أن يخضعا له ويسجدا للآلهة، أما هما فكانا في محبة ووداعة مع حزم يسألونه أن يقبل عمل الله الخلاصي ويتمتع بالشركة مع الله. خرج بهنام وسارة ليجتمعا مع بعض المؤمنين وأعلنا شوقهما أن يلتقيا بالقديس متى الذي في جبل مقلوب جوار مدينة الموصل في العراق. وإذ سمع الملك أرسل وراء هذا الجمع جندًا لحقوا بهم وقتلوهم جميعًا، وكان عددهم نحو أربعين شهيدًا، وإذ أبقوا بهنام وسارة قليلاً مترقبين أمر العفو عنهما لم يصل الأمر وخشوا من الملك لذا استعدوا لقتلهما. بسط بهنام وسارة يديهما وصليا، وفي شجاعة قدما عنقيهما وهما يسبحان الله فنالا إكليل الاستشهاد في 23 كانون الاول عام 352. حنق الملك عليهما لم يهدأ الملك بقتل ابنيه والجموع المحيطة بهما، إنما طلب من الجند أن يرجعوا إلى الأجساد ويلقوا عليها خشبًا ونفطًا وكبريتًا ويحرقونها. لكنهم إذ رجعوا رأوا كأن الأجساد مملوءة بهاءً فخافوا ورجعوا ثانية. قيل أن الأرض انشقت لتحفظ هذه الأجساد إلى حين، لكن الملك حسب ذلك علامة غضب الآلهة عليهم. أصيب الملك بروح شرير حتى صار يؤذي نفسه، فكانت زوجته تصلي بدموع وتطلب من إله بهنام وسارة ابنيهما أن يخلصاه. وكانت الملكة، يشاركها بعض العظماء، يصومون ويصلون. إيمان الملك بأمر الملكة حُمل الملك إلى مكان استشهاد ابنيها، وهناك صارت تسجد لله وتبكي، وإذ باتت الليلة هناك ظهر لها ابنها بهنام متوشحًا بثوب نوراني، يطلب منها أن تحضر القديس متى ليصلي من أجله ويرشدهما إلى الخلاص. في الصباح استيقظت الملكة وتممت ما طلبه ابنها منها، فجاء القديس وشفى الملك وكرز له ولمن حوله وقام بتعميد الكثيرين. أقام الملك كنيسة في موضع استشهاد ابنيه وحفظ فيه جسديهما، وعاد القديس متى إلى جبله حيث تنيح بعد أيام قليلة
 اقتباس من youthbishopric


دير القديس بهنام واخته القديسة سارة:

يقع الدير على بعد 35 كم إلى جنوب شرقي الموصل، إلى يسار الطريق الحديث القادم من الموصل إلى كركوك، وعلى بعد نحو 20 كم إلى الشرق من مدينة نمرود (كالح) التاريخية.

يتألف الدير في الوقت الحاضر من وحدتين عمرانيتين منفصلتين: الجب، والدير. أما الجب، فهو قبة مستديرة تضم القبر الذي يحوي رفات الشهداء بهنام ورفاقه، ويصل إليه الزائر نزولاً في نفقين منخفضين بنحو مترين عن سطح الأرض، مبنيين من الطابوق الأحمر المتآكل والعائد إلى القرن الحادي عشر أو الثاني عشر. ويتكئ الجب على تل أثري آشوري قد تعود أُسسه إلى فترة ما قبل التاريخ حسبما اكتشفت حفريات أولى أجريت في قاعدته عام 1985، سنة يوبيل الدير المئوي السادس عشر، بإشراف الدكتور بهنام أبو الصوف مدير عام آثار المنطقة الشمالية سابقاً.

أما الدير ذاته، فيتألف من فنائين مسيّجين؛ خارجي وداخلي. وفي الضلع الشرقي الخارجي تقع كنيسة الدير الأثرية التي تعتبر بحّق أثمن وأروع الآثار المسيحية في العراق بما تحويه من زخارف ونقوش فنية وكتابات سريانية وعربية على الرخام الأسود. ويعود تاريخ بنائها إلى صدر القرن الخامس الميلادي. أما بناؤها الحالي فيعود إلى العهد الأتابكي في القرن الثاني عشر. وقد كان للتكارتة النازحين إلى الموصل وقره قوش الفضل الأكبر في تخليد هذه النفائس. أما الفناء الداخلي فكان في السابق مخصصاً للرهبان. ويحيط بالدير كله بستان واسع يغلب فيه شجر الزيتون. كما يحوي الدير مكتبة نفيسة في مختلف اللغات، تفتخر بمجموعة كبيرة من المخطوطات القديمة والنادرة في اللغتين العربية والسريانية.

لقد لعب الدير دوراً ريادياً وبارزاً في تاريخ الكنيسة السريانية. وفي القرن الخامس عشر أصبح مقراً لبعض مفارنة الشرق، وهو يضم رفات أربعة منهم. ثم اصبح كرسياً أسقفياً يشمل بخديدا – قره قوش معه. ومنح الكنيسة السريانية بطريركين ومفريانين وسبعة أساقفة، منهم في القرن 19، البطريرك سمعان زورا (+1839)، والبطريرك انطون سمحيري (+1864)، ومطران الموصل عيسى محفوظ (+1855).

بعد سنوات نهب وهجر، أعاد إليه الحياة في أوائل القرن العشرين البطريرك افرام رحماني، مع محاولة لإعادة الحياة الرهبانية إليه، استمرت عدة سنوات بين مدّ وجزر، حتى توقفت مع آخر رهبانها في الخمسينات.

وتعاقب على إدارتها عدة رؤساء من كهنة قره قوش والموصل وبغداد. في الأربعينات وحتى منتصف الستينات أوى مدرسة تمهيدية لإعداد تلامذة للمعهد الكهنوتي، نال بعضهم الدرجة الكهنوتية، وبعضهم الأسقفية. ومن أشهر رؤساء الدير السابقين: القس (المطران) بهنام قليان (1909) الذي في عهده إزدهر عدد الرهبان ؛ القس حنا عزو (1922)؛ الخوراسقف افرام عبدال (1936-1966) الذي التصق اسمه باسم الدير لما قام به من مآثر للدير من جميع النواحي العمرانية والزراعية والروحية. ومنذ تسلّم رئيسه الحالي، الخوراسقف فرنسيس جحولا، زمام المسؤولية في نيسان 1982، شمّر عن ساعد الجّد في سلسلة من الترميمات والتحصينات والتجديدات. وتأهيل قاعتين كبيرتين: القاعة التراثية، وقاعة المفارنة، واستحداث مكتبة لبيع الكتب الدينية والتقويات. كل ذلك كي يكون الدير منارة حضارية ومركزاً ثقافياً ومحجّة روحية تستقطب آلاف الزوار والسّواح على مدار السنة من كل أنحاء العراق ومن كافة أقطار العالم. وهو يستقبل مجاميع الشباب لخلوات روحية، أو ندوات ثقافية، أو لقاءات الأخويات ومجموعات الأسر والكنائس. وقد استقبل حجَّين من حجوج يوبيل الألفين، سنة 1997 و سنة 1999، ضمّ الأول زهاء 7000 شاب وشابة، والثاني أكثر من 1200.

  العودة الى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة /

Copyright ©2005 marnarsay.com