مريم العذراء
هوذا أنا أمة الرب

مقدمة
في الحديث عن العذراء نحتاج إلى صفة قد لا نحتاجها كثيرًا عند التأمل في أي شخصية أخرى، أعنى بها صفة الاعتدال وعدم التطرف، كتب عن العذراء كتب ومؤلفات عدة، ولكن أغلبها يتسم بصفة التحيز، الصورة التي وضعها الكاثوليكي عنها تختلف احتلافًا بينا عن الصورة التي رسمها البروتستانتي. الكاثوليكي رفعها ومجدها حتي بلغ بها درجة العبادة، والبروتستانتي اضطرب لهذه العبادة، واندفع برد فعل إلى الناحية المضادة الأخري فتركها وأهملها، ومن الصعوبة أن تجد كاتبًا أو مؤلفًا أو واعظًا تحرر من إحدى هاتين النزعتين، ومن الطريف أن تذكر أن لوثر عرف في حياته كلتا النزعتين، ففي شبابه كان كاثوليكيًا غيورًا متعصبًا، وقد حدث مرة أن سار في طريق عام مع صديق له، وانقضت عليهما صاعقة، فقتلت صديقه، أما هو فنجا، غير أنه سقط على الأرض فزعاً مرعوبًا، وهتفت فيه غريزته الكاثوليكية مستنجدة ولكن بمن؟ ليس بالعذراء، فهي ما تزال أعلى منه كثيرًا، إنما بأمها الأقرب إليها وإليه، غير أن هذا التقديس العجيب ظل يتناقص على التوالي في قلب رسول الاصلاح حتى بات يهاجم شفاعتها وعبادتها.. يعد دانتي أرقى مثال للعقلية الكاثوليكية في تسامحها وتحررها من الخرافات، التسامح الذي دعاه أن يزج في كتابه العظيم «الكوميديا الإلهية» بأحد البابوات في الجحيم، لكن هذا التسامح لم يحرره من التشيع لفكرة شفاعة أم المخلص، ومن الجانب الآخر قل أن نجد مثالاً بديعًا للعقلية البروتستانية في مرونتها العقائدية من هنري ورد بيتشر، كان هذا الرجل مفتونًا بحب العذراء، وقد جمع لها في داره ما يقرب من ثلاثين صورة مما خلفت أمهر ريشات الفنانين العظام، على أنك وأنت تقرأ حديث بيتشر عنها تحس بتسلل البروتستانتية إليه.
قد يكون من الخير إذن أن نتأمل في رفق وهدوء وأناة وسعة هاتين العقيدتين معاً، عسى أن نخرج في النهاية برأي أو في إلى الانصاف وأقرب، ولذا رأيت أن أضع أمامكم العذراء في صور ثلاث:

العذراء في الكتاب
يضع لنا الكتاب صورة عن العذراء، لو أخذناها كما هي وجنبناها التعقيد، لاستطعنا أن نخرج بفكرة واضحة مجلوة عنها، فهي أولا الفتاة الفقيرة بل الشديدة الفقر، يكاد حظها من الثروة والغني والحياة الميسورة يلامس العدم، فخطيبها رجل فقير، امتهن النجارة، يوفر في غير قليل من التعب والمشقة والعسر لقمته ولقمتها، وولدها العظيم حين جاء إلى دنيانا - وهو رب السموات والأرض - لم تجد له مكانًا تضعه فيه غير مزود السائمة الحقير، وساعة تطهيرها لم يكن لها ما تقدمه سوى تقدمة الفقراء، زوجي يمام أو فرخي حمام، ولاشك أن تقدمة المجوس يسرت لها سبيل الهرب إلى مصر، كانت حياتها بجملتها - على وجه العموم خشنة معسرة - وهي تنتقل بين بيت لحم، ومصر، والناصرة، وكفرناحوم، وأورشليم، وليس أدل على هذا العسر من أن مخلصنا تركها وديعة عند تلميذه يوم الصليب. على أن العذراء كانت تصارع الفقر وتجالد الإملاق طوال السنين التي عاشتها مع ابنها، أملاً في ذلك اليوم الذي كانت ترمقه حين يسود ولدها ويملك ويحقق لها الرفعة والمجد والعظمة والسلطان، وألم يكن هذا هو الفكر العميق الذي طاف بأحلام التلاميذ، وأم ابني زبدي، بل وبكل يهودي، إذ كانوا يعتقدون أن المسيا حين يجيء سيقف عند مدينة يافا، ويأمر البحر أن يقذف بكل مجوهراته، وكنوزه وذخائره على الشاطيء ... على أن سليلة الملوك العظام وأم المسيا كان نصيبها إلى النهاية نصيب ولدها الذي قال: «للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه».
ولكنها مع فقرها هذا تبدو لنا فتاة نقية طاهرة، اختارها الله من بين نساء العالمين لتكون أم المخلص، ومن كلماتها للملاك: «كيف يكون لي هذا وأنا لا أعرف رجلاً» بل وعن حياتها التي نلمح فيها شركة عميقة مع الله، فهي تصلي إليه وتنتظره، تغني له وتمجد عطفه عليها وعلي شعبها.. من كل هذا نتبين إلى أي حد كانت سامية الأخلاق طاهرة النفس، والذي يضفي على نقاوتها جمالاً أبرع أنها عاشت كزهرة فيحاء في مدينة الناصرة، والناصرة كما وصفها نثنائيل مدينة شريرة آثمة «أمن الناصرة يمكن أن يكون شيء صالح» ولكن الناصرة أخرجت الملك الصالح وأمه العظيمة...
أتذكر أغنية ذلك الشاعر الذي أبصر نفسه يهيم في الظلام، ويوشك أن يتردى في الحمأة، داس بقدميه على أرض الدموع والتعاسة والآلام، قطر عليه البؤس، وظلله اليأس والعذاب والشقاء، ضغطت عليه الحوادث ولكنه مع ذلك صاح مرفوع الرأس منتصرًا، «لا يعنيني ما أكرب الطريق، وما أشد الظروف وأسوأها، تحت ضغطها الشديد قد تجرح هامتي وتشج، ولكنني بنعمة المولى وعطفه وإحسانه أنا سيد نفسي وملك ظروفي وطريقي ومنهجي» كم هناك من يعتذر بقسوة الظروف وشدتها؟ وكم هناك من يجد مبررا لضعفه فيما يحيط به؟ ولكن العذراء استطاعت أن تنتصب في بلدة قبيحة بكل إشراق وجمال وجلال، وبدا عرفها في الناصرة جميلاً شذيًا رائعًا عطريًا.
ويجمل بنا أيضًا ألا ننسى وداعتها العجيبة، جاءها ما كانت تحلم به كل فتاة يهودية، الأمل الذي كان يراودهن في الليل والنهار، في اليقظة والنوم، جاءها الامتياز الذي حدث مرة واحدة لا تتكرر في تاريخ الإنسان والإنسانية، فانحنت في ذهول وتواضع ودعة أمام الرب: «هوذا أنا أمة الرب. ليكن لي كقولك». وحين تهتف لها اليصابات: «من أين لي هذا أن تأتي أم ربي إليَّ» تجيب مريم، «إنه نظر إلى اتضاع أمته».. ما هي الوادعة؟ أليس أن يشعر الإنسان أن ما أخذ ما هو إلا فضل النعمة السابغة عليه؟ وإن كل ما يأتيه من جود وسعة جدير أن يذكي فيه الرقة والدعة والانحناء! الوداعة الحقيقية التصاغر أمام الله، فليس يصح لأحد أن يفتخر أمامه، لأن الكل منه ومن فضله، ولو استطاعت العذراء أن تنادي كل إنسان لقالت إن كل ما أخذت يرجع لأن الرب كان معها، ولأنها وجدت نعمة في عينيه.. ولعلها لذلك هي أول من يتألم للمحاولات غير الصحيحة التي رفعها إليه فريق من الناس.
كما أنها كانت أيضًا عميقة القرار، أو هي ذلك الطراز من الناس الذين يحسنون الصمت والحب الحزن والألم، الذين تتركز عواطفهم لا في بيانهم وألسنتهم بل في أعماقهم ووجدانهم، وهل رأيتها كثيرة الكلام راغبة الحديث، كلا لقد كانت من الطراز الصامت، تبصر كل شيء، وتتأمل كل شيء، وتحفظ كل شيء متفكرة به في قلبها، أنها عميقة في كل شيء في عاطفتها، في أحلامها، في آلامها، وفي ذلك تبدو العذراء طرازا نادراً بين النساء، المرأة كثيرة الكلام، لأنها قليلة العمق، وكلما كان المرء أقل عمقًا، كان أقل اتزانًا وأكثر ثرثرة، وعدم عمق المرأة يرجع لأنها أشبه بالنباتات المتسلقة تستعين بغيرها على الانتصاب والقوة، فهي لا تواجه الحياة كالرجل، ولا تختبر أعماقها كما يختبر، ولا تغوص في مشكلاتها كما يغوص، وفي طبيعتنا هذه أن أعضاءنا تنمو دائمًا بعضها على حساب بعض، فإذا لم يكن لليد أو للدماغ عمل، امتد اللسان وطال، لكن المرأة التي لها سر أو أمامها أمل أو في خيالها أحلام هذه تبدو قليلة الكلام عميقة التأمل، أجل لا يعلم العمق إلا البطولة الكبيرة، أو الأمل الكبير، أو الحزن الكبير، أو اليأس الكبير، لم يخبر شمشون أباه وأمه أنه قتل أسدًا، ولم يقل داود لأحد عن صراع الدب والأسد لأن كليهما كان بطلاً، ولم يتحدث بولس عن رؤياه سوى بعد أربع عشر سنة حين أكره على ذلك لأنه رأى مناظر الرب وإعلاناته، وسمع كلمات لا ينطق بها، ولا يسوغ لإنسان أن يتكلم بها، قيل إن نابليون في جزيرة سانت هيلانة تناول في حديثه كل شيء إلا شيئًا واحداً - الحديث عن ابنه - لقد رأى في هذا الحديث قدسية مصونة، فلا يجمل به أن يطرقه ويجعله مشاعًا بينه وبين أحد من الناس، على أنه عند الموت نسى كل شيء، وأفاض في التكلم عن ولده العزيز المبعد عنه... هكذا كانت صلة العذراء بولدها العظيم، صلة سر وحب وحزن معًا، إن مجيئه كان عجيبًا لا يعرفه الناس أو يدرونه أو يقبلونه، فهي تتأمل في هذا وحدها، وهي ترقب مجده العظيم ترقبًا، وقلبها مفعم بالآمال الواسعة، أليس ابنها سيد الناس وملكهم!؟ أليس هو محرر البشرية العظيم؟ أن قلبها أوسع كتاب عن الأمل المكنون والانتظار الواسع، وسطور هذا الكتاب أقدس من أن يطلع عليها الناس ويتلقفونها دون وعي وتقدير ، وفي حزنها عليه وعلى صلبيه لم نسمع منها آهة أو نشيجًا أو بكاء، إنه ذلك الحزن الهائل العميق المستتر الذي يجعل صاحبه يلوذ بالصمت، ويركن إلى الوحدة، ويجتر على انفراد كل ما يعاني من تعاسة وفقدان وحرمان...
ولكن هل معنى ذلك أنها كانت عاجزة التعبير غبية البيان!؟ كلا فإن في أغنيتها جزالة وفصاحة وبلاغة اعترف بها أغلب النقاد.. لم يكن لموسى لسان هرون الفضي، لم يكن له ذلك الرنين الساحر في خطاباته، والفيض العجيب الذي يستهوي الجماهير، فقد كان هرون في ذلك أكثر تدفقًا وأيسر نطقًا وأجزل عبارة،... حين نقرأ كارليل، وهو يتحدث عن كرمويل، سنمجد عظمة ذلك الصمت الزاخر القوي العميق الذي كان يتميز به البطل الإنجليزي العظيم، وسنعلم أن كرمويل كان يحسن العمل والتفكير وإن لم يكن يجيد المنطق والكلام.
كانت العذراء أيضًا صديقة من أصدقاء كتاب الله الكبار، لقد أحسنت درسه والتأمل فيه بكيفية عجيبة كان لها الأثر الظاهر في أغنيتها العظيمة، قالوا إن جانبًا من أغنيتها في المزامير وأغنية حنة، وقد يكون هذا حقًا، ولكن مريم لم تقصد إلى ذلك تقليدًا، بل لم تكن أغنيتها أغنية شخص يتكلف التعبير ويسير على غرار الآخرين.. كانت أغنية مريم أغنية من أحب الكتاب وأحب أبطاله الأقدمين، فغنى وهو يعيش في جوهم...
إن نصيبًا كبيرًا من معرفتها العامة يرجع إلى الكتاب، فحظها من العلم كان يسيرًا، ومدرسة الناصرة لم تكن لتيسر لها سبيل ثقافة عميقة خصبة مثمرة، فكان لابد أن تجد تعويضها في الكتاب، وهل يعجز الكتاب لمن يجيد دراسته عن هذا التعويض!؟ كلا فهو خير معلم وأكبر أستاذ، أننا في الواقع لا ندين له بما بلغنا من معرفة الحق والخلاص فقط، بل بأسمى ما وصلنا إليه من الرقي الأدبي والفكري والعلمي والاجتماعي، إنه كتاب الحضارة والمدنية والتاريخ والاجتماع، الكتاب الحقيقي الوحيد في عرف سير ولتر سكوت، بل الكتاب الذي يعد ركنًا أساسيًا عند الانجليز في حياة كل أديب ومفكر، قال أحد أعلام المفكرين في الغرب عنه: «ليس هناك كتاب ما في أي مادة أو لغة أعجز عن استيعابه، متى قصدت، في عام واحد، إلا الكتاب المقدس الذي ما أزال أقرأه لنيف وثلاثين عامًا، ولكني لم أفتحه مرة إلا لأكتشف فيها شيئًا جديدًا، انه أشبه الكل بالجلد العظيم، أحدق فيه كما نشاء، واستعن بأقوى وأدق آلات الرصد والكشف، ومع ذلك، فستجد نفسك أزاء مناطق كثيرة مغيبة مجهولة».. قيل إن أحد أغنياء فيلادلفيا ترك ثروة طائلة وأوصى بها لبناء كلية للأيتام، على أنه اشترط في وصيته ألا تدرس هذه الكلية الدين، وألا يدخل اعتابها أحد خدامه، على أن تكون مناهجها مما يقوم الأدب والأخلاق، وكان على المحكمة العليا في الولايات المتحدة أن تشرف على المنهاج المدرسي وتضعه، وبحثت المحكمة وبحثت، وأخيرًا قررت أن الكتاب الأول للآداب العامة هو الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، وشيدت قاعة جميلة في الكلية كان يذهب إليها كل أسبوع علمانيون يقدمون للطلبة أجمل التعاليم والعقائد الكتابية.

العذراء في التقليد
سأحاول بكثير من الحيدة والصدق والصراحة أن أضع صورة دقيقة عن العذراء كما بدت في التقليد - متتبعًا البحث الشائق لتوماس ميلر في هذه الناحية - وميلر يدعونا لدرس العذراء في التقليد أن تتجه اتجاهين: العذراء في الفن: العذراء في اللاهوت الكاثوليكي.
العذراء في الفن: إذ يممنا وجوهنا شطر معارض الفن نجد أن العذراء إلى القرن الخامس كانت تحتل مكانة عادية لا تتميز عن التلاميذ في شيء ما. ففي صورة قديمة ترجع إلى عام 435 للميلاد نرى العذراء واقفة إلى جوار اثنين من المجوس بينما يقف التلاميذ حول المسيح المتوج الجالس على عرش، على أنه ما أن أقبل القرن السادس حتى بدأ الفن يرفعها، ففي إحدى صور الصعود، نجدها وحدها دون التلاميذ تحيط بها هالة نورانية، وفي القرن التاسع عدت كملكة السماء المتوجة، إذ نجد السيد يضع في كثير من الصور التاج على رأسها، ثم تطور الأمر فجاء الوقت الذي أخذت فيه المكان الرئيسي المركزي، وبدا المسيح في وضع تال لها.. ولعل الكاثوليكي كان يقصد من هذا الوضع الغريب أن يبين ضرورة شفاعتها.
العذراء في اللاهوت الكاثوليكي: أهم ما يذكره رجال اللاهوت الكاثوليكي عن العذراء ثلاثة أمور:
أولاً: عذراويتها المستمرة، ويعنون بذلك أنها ظلت عذراء بعد ولادة المسيح، ويقولون إن إخوته المذكورين في الكتاب ما هم إلا أبناء خالته أو أخوة من امرأة سابقة ليوسف، وهذا الفكر يجنح إليه في الوقت الحاضر بعض المفكرين واللاهوتيين من البروتستانت، غير أن كثيرين منهم من لا يجد غضاضة في قبول الفكر أن أخوة المسيح هو أخوته من مريم ويوسف، وأن زواجها برجلها لا يقلل بحال ما من مركزها العظيم، على أنه ينبغي أن نذكر أن فكرة عذروايتها إلى النهاية شجعت الكثيرين في القرنين الثاني والثالث على تفضيل العزوبة على الحياة الزوجية واعتبار العذراوية أقدس وأكمل وأجل في الشركة مع الله.
ثانيًا: الحبل بلا دنس: وأعني بها عقيدة الكثلكة في أن العذراء ذاتها حبل بها وولدت بدون خطية، وكان أوغسطينوس أول من شجع، وهو لا يدري، الكاثوليك على هذه العقيدة، فقد قال إنه من الجائز أن تكون العذراء بلا خطية فعلية، ومن ثم كان هذا مشجعًا للفكرة أنها هي أيضًا كالمسيح ولدت بدون خطية، ومن الصعب علينا جدًا أن نفهم كيف يقول الكاثوليكي هذا، وان قبله كيف يستطيع أن يعلله تعليلاً كافيا شافيًا مقبولاً؟
ثالثاً : صعودها وعبادتها: والكاثوليكي يؤمن أن العذراء بعد وفاتها بثلاثة أيام عادت روحها للجسد وحملتها ملائكة الله حية إلى السماء، وقد قاد هذا الكنيسة إلى عبادتها، وإن كان رجال اللاهوت الكاثوليكي يقول إن عبادتها ليست مطلقة بل جزئية تابعة لعبادة الله، ولكن كيف يجوز لنا إقرار هذا، ونحن نجدها قد أخذت ذات الألقاب والأوصاف القاصرة على المسيح وحده، فقد قيل عنها إنها تسحق رأس الحية، وهي الحكمة في سفر الأمثال، والعروس في نشيد الأنشاد، وتحية الملاك لها «أيتها المنعم عليها» ترجمت «أيتها الممتلئة نعمة» وتباعًا لذلك أصبحت ينبوع نعمة للآخرين، والعبارة «هو ذا ابنك» التي قالها المسيح لها على الصليب قد أضحت لا تمثل علاقة مريم بيوحنا بل بكل أبناء الكنيسة، فهم إذن أبناؤها، وهي أيضاً المرأة التي اضطهدها التنين في سفر الرؤيا، وهي السلم التي تصل بين الله والإنسان وهذا معنى كلمة والدة الإله....
في القرون الوسطى عبدها الناس عبادة صريحة، ويكفي أن نضرب لذلك مثلاً واحدًا من الصلوات المنقولة إلينا من ذلك التاريخ، لقد كانوا يناجونها بالقول: «تعبدك كل الأرض يا خطيبة الآب الأبدي، تعطفي علينا يا مريم الحلوة واحفطينا من الآن وإلى الأبد دون خطية» ومهما قيل في وصف هذه العبادة، وأنها ضمنية وغير مطلقة، كان فيه نوعًا من السجود لا يجوز أن يصح سوى للمسيح وحده، وان كان لنا أن نقر أن الكنيسة الكاثوليكية أخذت تعيد إلى المسيح في السنوات الأخيرة مركزه الأساسي والرئيسي الضائع، إلا أنه من واجبنا أن نشجب كل عبادة للعذراء مهما كان تقديرنا لمركزها العظيم الذي أعطاه الله لها!! على أنه من اللازم أن نسأل كيف سارت الكنيسة في هذا الطريق، ولم انتهت إلى هذا الوضع المفزع والغريب معاً، لعل هناك أسبابًا متعددة ربما أشهرها أمران:
أولاً: في أوائل القرن الخامس أخذت عبارة «والدة الإله» تنتشر فلم ترق هذه الكلمة في عيني نسطورس فعارضها وهاجمها، وقال إن العذراء ليست أما للمسيح كأبن الله بل أنها أمه كإنسان، واحتدم الجدل بينه وبين كثيرين من معاصريه حتى حمل الأمر إلى مجمع أفسس عام 431 للميلاد، فخذل نسطورس وحكم المجمع ضده وضد اتباعه ووسمهم بالهرطقة والكفر، وانساق الناس وراء حكم المجمع، ولكي يمعنوا في تحقير نسطورس أخذوا يجمعون بين المسيح والعذراء في كل شيء، فكنت تجد صورتيهما في كل مكان، في البيوت والكنائس، في الدكاكين والمحال العامة، على الملابس والتحف، والأثاثات والزينات.
ثانيًا: ترك النزاع الذي اشتد بين الناس في ذلك العصر حول طبيعة المسيح وشخصه ومركزه في الثالثوث الأقدس، النزاع الذي انتهى بإقرار لاهوته ومساواته للآب في الجوهر والمجد - ترك هذا في حواشيه تخوف الناس من الاقتراب من مخصلنا، والبحث عن شخصية وسطى تقربهم إليه، وقد وجدوا هذه الشخصية في شخص أمه العذراء ... هذا هو منشأ الاقتراب منها والتعبدلها، وكأنما يقول لها الناس: تكلمي أنت معنا فنسمع ولا يتكلم معنا المسيح لئلا نموت.. وهكذا سارت الكنيسة الكاثوليكية في طريقها حتى أحس المخلصون بحاجتهم إلى القول «أخذوا السيد ولسنا نعلم أين وضعوه» وهكذا صورت للناس مخلصهم في صورة القدوس المرهب البعيد المتعالي الذي هو نار آكلة، وصورت أمه في صورة المتدانية القريبة العطوف الحنون التي تتشفع فيهم وتصل بينهم وبينه...
هذه قصة التقليد وأظنها أخطر قصة تعلقت بها الكنيسة في كل تاريخها..

العذراء والمسيح

أخيرًا لكي نفهم العذراء فهما أوفى وأدق لنضعها قليلاً في ضوء مخلصنا وعلاقتها به. وتبدو هذه العلاقة مزدوجة:
أولاً: علاقة الألم: ماذا كانت تنتظر العذراء من ابنها؟ وماذا اخذت منه؟ أن أول ما كانت تنتظره المجد، والمجد الباذخ الشامخ، المجد الذي لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على بال إنسان. ألم تقل منذ الآن جميع الأجيال تطوبني؟ ألم تقل صنع بي عظائم؟ ولئن بدا هذا عين الحق والواقع والصواب، لكن ينبغي ألا ننسى أنها أخذت قبل هذا المجيد وفي سبيله وثمنا له الألم، والألم الحاد العميق النافذ الملهب، قال لها سمعان الشيخ: «وأنت أيضًا يجوز في نفسك سيف»..والكلمة في الأصل لا تعني ذلك النوع الصغير القصير من السيوف، بل ذلك النوع الحاد الطويل المخيف المرهف، ولقد جاز في قلبها حقًا هذا السيف، جاز من يوم تبشير الملاك لها، حتى وقفت في ألم حالة بجوار سيدنا عند الصليب، جاز عنيفًا قوياً مرهبًا متدرجًا مفزعًا، هل رأيت الصورة التي رسمها هولمان هانت، الصورة التي تبدو فيها العذراء وقد بهرها الذهب الذي قدمه المجوس للصبي يسوع؟ وكيف، وهي تجمع هذا الذهب، غرقت في أفكارها، وآماله، وأحلامها وأمانيها عن ولدها وعرشه وتاجه وصولجانه، ولكن شيئًا ما جعلها تلتفت لحظة نحو الجدار القريب، واذا بها تجد شعاعات الغروب تعكس عليه صليبًا مخيفًا مفزعًا، ولشد ما روعها أن أبصرت ولدها معلقًا عليه، ارتاعت وفزعت، وحاولت أن تطرد هذا الفكر من خيالها، ولكن كلمات الشيخ المدوية عادت مرة أخرى ترن في أذنيها: «وأنت أيضًا يجوز في نفسك سيف»... لقد تألمت من يوسف لأنه ارتاب فيها وأراد تخليتها سرًا، وأهل الناصرة أما كانوا ينظرون إليها نظرات قاسية محزنة لا تسر؟ واليهود كيف استقبلوا ولدها؟ هل رحبوا به كسيدهم ومخلصهم ومنقذهم ومحررهم؟ كلا! إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله، لقد عادوه واشتدت عداوتهم له حتى انتهت بالصليب، كل ذلك كان صليبها القاسي الذي كان يجمل بها أن تحمله صابرة منتظرة. إن طريق مولانا دائمًا تمر بالجلجثة والصليب قبل أن تبلغ العرش والمجد، إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني.. فلنخرج إذن إليه خارج المحلة حاملين عاره لأنه ليس لنا هنا مدينة باقية لكننا نطلب العتيدة.

ثانيًا: العلاقة الروحية: كان المسيح دائمًا في علاقته بأمه يرفع الجانب الروحي على الجانب الجسدي. فمع أنه خضع لها وأحبها ورعاها وعالها كأوفى ما يكون الابن نحو أمه، ومع أنه نسى نفسه وألمه يوم الصليب، وذكر واجبه من نحوها، إلا أنه مع ذلك يدهشنا أنه في كل ما ذكر الكتاب عنها من علاقة لم يقل لهما مرة واحدة: يا أمي! نحن لم نسمع هذه العبارة تنطق بها شفتاه، سواء في الهيكل في الثانية عشرة من عمره، أو في عرش قانا الجليل في بداءة خدمته الجهارية، أو في كفر ناحوم حيث معقل خدمته ومركزها، أو على الصليب... بل سمعنا على العكس: «لماذا كنتما تطلبانني ألستما تعلمان أنه ينبغي أن أكون فيما لأبي». «مالي ولك يا امرأة» . «ها أمي وأخوتي لأن من يصنع مشيئة أبي الذي في السموات هو أخي وأختي وأمي» . «يا امرأة هوذا ابنك» ورغم كل ما يمكن أن تفسر به هذه الآيات فلا جدال أن الجانب الروحي في علاقة المسيح بأمه ظاهر السمو والعلو على الجانب الجسدي. أجل أنه جاء ابنًا للإنسانية العامة وملكًا لها، الإنسانية التي جاء ليعيد علاقتها بالله ويربطها به، ولأجل هذا ارتفع فوق روابط الجنس والدم واللغة والثقافة والاجتماع وكل الأوضاع التي تآلف عليها البشر، وأقر فقط تلك العلاقة الروحية السامية التي عبر عنها يوحنا بالقول: «وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه الذين ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله».
كثيرًا ما أسائل نفسي حين ننزع إلى الاهتمام بالأوضاع المادية في الدين: أنستطيع أن نصل يومًا ما إلى سعة الرسول بولس وروحانيته وهو يقول: «إذا نحن من الآن لا نعرف أحدا حسب الجسد، وإن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد لكن الآن لا نعرفه بعد».
ربما يكون جميلاً أن نختم الحديث عن العذراء بعبارة قالها دكتور مورتن عنها: «إن العذراء مريم تقف في كل أجيال التاريخ في نقطة المركز من دائرته، لقد اختارتها نعمة الله لتضحي رابطة بين السماء والأرض، بين الفردوس المفقود والمردود، وفي شخص ولدها ومن أجله، ألا نعظم الله معها، ألا نعظم الله من أجلها، ألا نشترك مع جميع الأجيال في تطويبها، فنقول مع اليصابات: «مباركة أنت في النساء ومباركة هي ثمرة بطنك» . أيتها العذراء المباركة!!

Copyright ©2005 marnarsay.com