عــيد الأنتقـــال ~~~~~~~~~ 2019.08.15

إنتقال مريم العذراء ، بالنفسِ والجسد ، إلى الســماء

تتلى علينا اليوم القراءات : أع1: 12-14 ؛ رم16: 1-6 , 16 ؛ متى12: 46-50

أعلن البابا بيوس الثاني عشر، في 1 / 11/ 1950 م، وبعد إستشارةِ كل الأساقفة الكاثوليك، كعقيدة أوحى بها الله " أَنَّ العذراء الطاهرة، بعدَ إذْ عصَمَها الله من كلِّ صِلةٍ بالخطيئة الأصلية ، وطوَتْ شوط حياتِها الأرضية، نُقِلَتْ جسَدًا وروحًا إلى مجدِ السماء، وأعلنَها الرَّب سلطانةَ الكون لتكون بذلك ، أكثرَ ما يكونُ الشِبهُ بآبنها رَبِّ الأرباب، وقاهرِ الخطيئة والموت". و أضافتِ الكنيسة على يد البابا القديس يوحنا بولس الثاني ما يلي : " فآنتقالُ القديسة العذراء إشتراكٌ في قيامةِ إبنها، و آستباقٌ لقيامةِ المسيحيين الآخرين " (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية ، رقم 966).
آمنت المسيحية، منذ بدء بشارتها، بآنتقال مريم العذراء وعَيَّدَت لهاَ ثم بُنيَتُ كنيسة بآسم " رُقاد مريم العذراء" في بستان جتسيماني (مر14: 32)، قرب وادي قدرون (يو18: 1). شهدَ بذلك أُسقف أورشليم جوفينال (422-458) في مجمع خلقدونيا (451). ولما خُتم المجمع وعاد جوفينال الى أورشليم جَدَّد تلك الكنيسة وكرَّسها على أسم " رقاد مريم العذراء"، ويمكن للسواح أن يزوروها اليوم في حُلَّتها المُجَدَّدة الحالية، والواقعة قرب عُلِّية صهيون حيث تناول الرب الفصح مع تلاميذه قبل صلبِه. آحتفلت الكنيسة بذكرى إنتقال العذراء في شهر آب، و ثَبَّتَ الأمبراطور موريس (582-602) عيدَها في 15/ 8 آب من كل سنة.
بينما تحَدَّثت الكنيسة في الغرب منذ البداية عن " إنتقال" العذراء Assumption ، تحَدَّثت المسيحية في الشرق عن " رقاد العذراء" ، Dormition . كلا التعبيران لا ينفيان " موت مريم". يسوع أيضًا مات وصعدَ بنفسِه الى السماء، لأنه هو الله. أما مريم فنقلها يسوع عندَه لتشترك براحته ومجدِه، وتعيشَ مع الله الذي قبلت أن تكون " أُّمَه ". وبالآرامية إستعملوا كلمة " ܢܝܵܚܵܐ نْياحا Rest" أي الأرتياح. أي إرتاحت مريم عن قساوة الحياة الزمنية و آشتركت في مجد الله ونعيمه. وأتذكر أن المُسِّنين كانوا، إلى قبل عقود، يستعملون مُصطلح " نْياخا " بدلَ كلمة الموت للحديث عن وفاة الأساقفة والأحبار كالباباوات والبطاركة للدلالة على قداستهم سلوكهم و راحة وفاتهم إذ يشتركون، بآعتقادهم، حالا في مجد السماء. وقِصَّةُ رقادِ مريم وآنتقالها تُروى بشكل شعبي كالآتي:" لما رقدت مريم {ولا زلنا نحفرُ على قبور موتانا كلمة: هنا يرقد على رجاء القيامة }، دُفنَتْ في كهفٍ في وادي قدرون في القدس. وفي مجمع خلقدونيا 451م أخبر جوفينال أسقف القدس بأنَّ قبرَها وُجدَ فارغًا بعدَ ثلاثةِ أيام من دفنها. وبُنيَت بأمر الأمبراطور تيودوس (379-395)، في نفس المكان، كنيسة. وسرعان ما بدأ الزوارُ يتقاطرون إليها. وبعد عودة جوفينال الى القدس أجرى عليها ترميماتٍ وجَدَّد بناء الكنيسة وكَرَّسَها يوم 15 / 8. ثم وَسَّع الأمبراطور موريس البناء وثَبَّتَ العيدَ في 15/8 في أرجاء الأمبراطورية كلها ".
عن الرقاد نفسِه تقول الكنيسة البيزنطية الأرثذوكسية، كما جاء في كتب منحولة :" الرقاد يعني" موتًا هادئًا ورصينًا، كأنه رقاد". عند رقادها يظهر لها الملاك ويوعدُ أن يُخبر الرسل عن رقادها، ويضمن حضورهم لتجنيزها. ويجمعهم فعلا حولها. وعند لحظة تسليم الروح يحضر المسيح ويتلَّقى روحًها بين يديه. الرسل يُجرون مراسيم تزييح الجسد ودفنه. وعند الأنتهاء من المراسيم يحملُ ملاكان جسد مريم وينقلونه الى السماء حيث يتَّحد من جديد بروحه ". الرقاد يشير الى أن مريم خضعت، مثل كل الناس، للخطيئة الأصلية (رغم وجود الله القداسة بالذات في بطنها !)، لكنها لم تخطأ فرديًا. ويعترف بعدم فساد جسدها في القبر وبوحدة جسد مريم ونفسها الآن في المجد الألهي. وتكريمًا لمريم تبدأ الكنيسة البيزنطية سنتها الطقسية بعيد ميلاد العذراء على الأرض في 8/ 9، وتنتهي بعيد إنتقالها في 15/ 8 أي يوم ولادتها في السماء. وعن الأنتقال تعَّلمُ الكنيسة الكاثوليكية أنَّ مريم ، لم تمُسَّها، مثل يسوع، الخطيئة الأصلية، ولم تخطأ. فجسدُها ونفسُها لن يختبرا إنفصالاً مثل أجساد بقية المؤمنين حتى القدّيسين. وما حدث لمريم" إشتراكٌ فريد في قيامة المسيح ". كما قام المسيح ولم يعرف جسدُه الفساد هكذا أقام المسيح جسد أُّمِه الذي لم يكن ممكنًا أن يخضع للفساد، لأنَّه تنَعَّم بقداسة القدوس الذي حَلَّ في بطنها. ولا أحد يُشبهها بقداسة الجسد حتى يتنعَّم بآمتيازِها في عدم فساد الجسد والمشاركة في المجد الألهي جسدًا ونفسًا مباشرة عند الموت. والأنتقالُ "استباقٌ لقيامة المسيحيين الآخرين"، الذين سينعمون بقيامة الجسد و وحدته مع الروح في القيامة الأخيرة، أي قيامة الجسد. بينما تتمتع الروح إلى ذلك الحين ، كما يقول مار بولس :" هناك أجسامٌ سماوية وأجسامٌ أرضية .. يُدفن جسمًا بشريًا ويقوم جسمًا روحيًا " (1كور15: 40، 43، 49).
لم تمت مريم مثل أيِّ إنسان كان. بل دخلت مباشرة الى مجد الله. فالأنتقال إحتفالٌ بمجد مريم مع الله في نهاية حياتها الأرضية التي رقدت منها وأدخلت الى مجد الله". والأنتقال يشير أيضًا إلى أنَّ مريم صانها الله من الخطيئة الأصلية لأجل أمومتها الألهية. فلا يخضع جسدها للفساد مثل بقية الناس بل نقله الله، حال رقادها، مع النفس إلى التنَّعم بالمجد. أما أجساد باقي الناس فلا تقدر أن تدخل مجد الله مباشرة بعد الموت :" إنَّ اللحمَ والدم لا يمكنهما أن يرثا ملكوت الله. سيتحقق ذلك عند القيامة العامة " (1كور15: 50-53). أما مريم فلم تتنتظر القيامة العامة لأن جسدها ونفسها متحدان مع جسد ونفس إبنها يسوع، فرفعها حالا إليه لتتمتع بما يتمتَّع هو به. وإذا إختلفت الكنيستان بخصوص صيانة مريم العذراء من الخطيئة الأصلية إلا إنَّهما تتفقان على أنها منذ لحظة وفاتِها تتمتع بمجد الله السماوي جسدًا ونفسًا. والكنيسة البيزنطية تُعَّيدُ الأنتقال رسميًا من الجيل السادس، بينما لم يُحتفَل به في الغرب رسميًا الا في الجيلٍ السابع.


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com