الأحـد السادس للرسل ! **************** 2019.07.14

ملاحظة : { لقد وقع سهوٌ في إرسال التأمل السابق لهذا الأحد وهو يدور حول نص الرسالة : 1كورنثية 14: 26-33. وكان ذلك التأمل تكملةً لتأمل الأحد الرابع للرسل. أعتذر }

تتلى علينا اليوم القراءات : اش2: 1-5 ؛ 1كور10: 14-17، 31-33 ؛ لو13: 10-17

الرسالة : 1 كورنثية 10 : 14 - 33

أسئلة أخرى للكورنثيين يرُّد عليها بولس. تخُّصُ هذه المرًّة ذبائح الأوثان والمائدة المقدَّسة أي ذبيحة القربان المقدس، والمشاركة فيهما. يضعُ بولس المبدأ الأساس فيدعوهم إلى إعتبار كلِّ شيء في جوهره لا في مظهره، ونظرًا الى نتائجه أي مفعوله الفكري الروحي لا إلى تأثيره ، والفرقَ كبيرٌ بينهما. في ذبائح الأوثان ليس الصنم إلَهًا حقًّا ولا يأكلُ طعامًا. فما يُقَّدمُ من الأطعمة ليس مُكَّرَسًا ولا قيمة دينية روحية له. ولا يملك أية قدسية مهما كانت. بل هو طعامٌ عادّيٌ كما يُهَّيَّأُ في البيوت أو في المطاعم.
أمَّا ذبيحة القداس فتختلفُ حتى لو كان فيها طعامٌ، خُبزٌ وخمرٌ. كان يرافقُهما طعامٌ على عهد الرسل، لأنَّ كسر الخبز (القداس) كان يتّمُ أثناء تناول العشاء (1كور11: 23-24). والقداس يتِّم على أساس حضور المسيح في الخبز والخمر المُكَّرَسين. هكذا فعل المسيح وهكذا وصَّى الكنيسة أن تصنع من بعدِه. أن تُصَّلي مثله " تبارك وتشكر وتكسر وتناول" (لو22: 19). إذا فعلت الكنيسة ذلك بآسم المسيح فهو حاضرٌ فيه. وعندما يأكلونه يأكلون جسدَ المسح وليس خبزًا إعتياديًا. فهناك حقيقة حضور الله، لأنَّ ذينِك الخبز والخمر المُكَّرَسين حسب مشيئة هذا الله تغَّيرا ونالا صفةً روحية خاصَّة ومُقدَّسة. لا يتناوله المؤمن ليشبعَ بل ليتغَّذى من قوت الله وينمو روحيًا في الحياة الألهية. هذا هو المَّن الألهي السماوي الذي أعطاه الله للأنسان في العهد الجديد. هكذا قال يسوع :" أنا هو الخبز السماوي النازل من السماء". أكل بنو إسرائيل المَّنَ ولم يخلصوا ، ولم يضمن لهم الراحة الأبدية مع الله. لم يكن خبزًا روحيًا. كان طعامًا مادّيًا محضًا. ولكنه كان رمزًا للخبز الروحي في جسد المسيح الذي يضمن الحياة مع الله للأبد. فقد قال :" من يأكل جسدي ويشرب دمي له الحياة الأبدية.. أقامَ فيَّ وأقمتُ فيه " (يو6: 54-57).

أُهربوا من الأوثان !

إنطلاقًا من هذا المبدأ، بطلان الصنم وحقيقة وجود الله في القربان المقدس، يستنتجُ بولس كل النتائج ويُعطي الحلول العملية. عندما نأكل جسد المسيح نشترك في حياته فنصبح معه واحدًا. وإذا أكلنا خبز الصنم وآعتقدنا أنَّ الصنم حقيقةٌ نتّحد به. والصنم ليس إلا الشيطان متلَّبسًا بمظاهر حسية. فنكون عندئذٍ ننكر المسيح. إذ لا يمكن أن نؤمن بإبليس ونتحد به وفي نفس الوقت نحن مع المسيح. لا يمكن الجمعُ بين متضاددين " بين مائدة الرب ومائدة الشياطين". " أيُّ أُلفةٍ بين المسيح والشيطان؟ وأيُّ شركةٍ بين المؤمن والكافر"؟ (2كور6: 15).
لا يعني بولس بالشركة العلاقات الأجتماعية، من محبة وآحترام وتعاون وخدمة ما دمنا نُحّبُ مثل المسيح حتى أعداءَنا ونُحسنُ إليهم. بل يعني الشركة بالأيمان ومتطلباته. لأنَّ من يؤمن بأحد يتفق معه ويشاركه الحياة ويُرضيه. ولا يمكن للأنسان أن يعبد ربَّين " الله والشيطان". فلا يمكن أن نحّب مثلاً ونكرهَ في آنٍ واحد. ولآ أن نسامح وننتقم. ولا أن نبذل ونضَّحي وأن نستغل ونُذِّل. فلا يمكن أن نوَّفقَّ بين الأيمان الصادق بالمسيح وبتعليمه، وبين أصنامِ الوثنية وآحتفالاتها الدينية. وللشيطان اليوم في الحياة الأجتماعية أصنامٌ مختلفة لا تُحصى !.

كلُّ شيءٍ حلال، وأنا لي ضميري ... !

ولكن الأكل بذاته، إذا تقَّدس أو لم يتقَّدس، لا يبني ولا يهدم، إنَّه غذاءٌ للجسد. ما يُضفي عليه خصوصيةً قدسية هو الأيمان وما الأيمان يُجريه عليه أو به. والمؤمن لا يعتبرُ الصنم شيئًا ، والأكلُ بالنسبة إليه أمرٌ طبيعي. وكلُّ مواده خلقها الله. فهو إذا أكلَ منه في آحتفال ديني أو لدى صديق ويشكرُ الله على نعمته، فهل هناك خطأٌ؟. مار بولس يقول "لا"، "كلوا مما يُقَّدمُ لكم ولا تسألوا عن شيئءٍ توَّرُعًا ". حتى جسد المسيح إذا تناولتُه بعدم إيمان، أو بعدم إحترام وبلا مبالاة فماذا ينفعني؟.
مع ذلك ، أكلُ القربان مثل أكل ذبائح الأوثان يتّمُ علنًا وبمشاركة آخرين. وقد لا يملك جميعُ الحاضرين من الأيمان ثقافةً عالية ومُنَّورة. ربما يتواجدُ بينهم بعضٌ من ذوي الأيمان المُقَّلَدِ السطحي والضمير الضبابي الشَّكاك ولا يتحَّملون المشاركة بطعام الأحتفالات غير المسيحية. وإذا عاينوا غيرهم من كنيستهم يشتركون بالأحتفالات الوثنية ويتقاسمون طعامهم يتشَّككون و ينتقدون. هنا لمار بولس موقف جريءْ. إذا سمعتَ من يقول" هذا طعامٌ للآلهة "، لغير المسيح، فذلك يعني أنه يعتبرُ تناول الطعام في ذلك الظرف يُعتبَرُ إعترافًا وإيمانًا بغيرالمسيح . وعندئذ يقول " لا تأكلوا منها لأجل من أخبركم". وعبارته الشهيرة الأقوى قاطبَة يكتبها لأهل روما :" إذا أحزنت أخاكَ بتناول طعام، فلستَ تسلُك سبيل المحَّبة. فلا تُعَّرِضَنَّ للهلاك بطعامكَ من مات المسيح لأجله. ولا تُعَّرضوا كرامتكم لحديث السوء " (رم14: 15-16). هل يُعقل أن يموت المسيح ليُخَّلص، والمسيحي يُمَّوتُ غيرَه لأجل راحتِه؟. كان هذا بسبب ضمير الغير لا بسبب نجاسة ذلك الطعام. وعن الطعام نفسه قال: " إني عالمٌ علمَ اليقين، من الرب يسوع، أن لا شيءَ نجسٌ في حَدِّ ذاتِه" (رم14:14). ولهذا قال بأنَّ كلَّ شيءِ حلالٌ للأنسان ما دام قد أبدَعَه الله، ولكن ليس كلُّ شيء نافعًا وبنَّاءًا. ويجب إعتبار بناء المجتمع البشري أهَّمَ من الحياة الخاصّة، فقال:" لا يسعيَّنَ أحدٌ الى مصلحتِه، بل إلى مصلحةِ غيرِه ". وقد إستشهدَ بولس لأنَّه رفضَ أن يُؤَّله القيصر أو يشترك في الأحتفالات الدينية الوثنية من أجل طعام وشراب. لم يطلب حياته بل حياة العالم بالأيمان بالمسيح.

إذا أكلتم أو شربتم ... !

يختم بولس رسالته بتوصيتاتٍ تُجَّسدُ ما علَّمه :" إعملوا كلَّ شيء لمجدِ الله "، وتجَنَّبْوا ما لا يرضى عنه ؛ ومَيّزوا ما هو الحَّق وما هي مشيئة الله من أحاديث الناس وتقاليدهم ؛ " لا تكونوا حجرة عثرةٍ " فتُشَّككوا أيًّا كان :" يهودًا أو وثنيين أو مسيحيين" ؛ ليكن سلوككم دومًا إيجابيًا يهدفُ إلى بناء المجتمع روحيًا ومنطقيًا ؛ " إجتهدوا في إرضاء الناس"، أي كونوا لطفاءَ معهم وآخدموهم ، إنما " لا تشتركوا بالخطيئة مع أحد " (1طيم 5: 22) ؛ وأخيرًا : " إسعوا إلى خير الكثرةِ من الناس لينالوا الخلاص "، ولا تكونوا أنانيين تبغون راحتكم فقط.


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com