جـمعـة الآلام 19/04/2019

عـــيد الخـــلاص


" لا تبكوا عليَّ .."
ولما ذهبت النسوة الى القبر لتحنيط يسوع سمعن الملاك يلومهن :
" لماذا تطلبن الحَّيَّ بين الأموات ". لماذا أنتن متعَّلقات بالألم؟. لماذا لا ترين غير الألم؟. لماذا سَدَّ الألم عليكن كلَّ المنافذ الأخرى للحياة ؟. أ لا يوجد شيء أبعدَ منه؟.
بل لقد رأى الأنجيل فعلا أبعد منه. نعم لألم يسوع أبعادٌ أخرى :

إنشَّق حجاب الهيكل

وآنفتح بذلك الطريق الى الله. سَدَّته خطيئة أبوينا وحُرمنا بذلك نعيم رفقة الله. موت المسيح فتح طريقنا الى الله من جديد.

الأرضُ تزلزلت

تزلزلت في البدء مرةً أولى وظهرت الحياة (تك1: 3)وكان نموذجُها آدم. وها هي تتزلزل مرَّةً أخرى لتُجَّدد حياة الخليقة كلها وبالأخص الأنسان ونموذجها يسوع المسيح.

القبور تفتحت

إنفتحت القبورُ وقام أبرارالعهد القديم ليتمتعوا برؤية الله وجهًا لوجه، كما في الفردوس. يقول مار بطرس" فآنطلق يسوع ( الى الجحيم) يبَّشر الأرواح السجينة .."(1بط3: 18-20). مات يسوع مع آدم ونوح وإبراهيم وموسى وايليا و داود واشعيا.. وقام وأقامهم مع كلَّ ابرارالعهد القديم وتمتعوا بالسعادةِ الكاملة. لم يُخلقُ الأنسان للشقاء والتعاسة بل للمجد والراحةِ والهناء.

رأى الأنجيل أبعد من الألم

لم يكن ألم يسوع هو نهاية المطاف، بل إنتصار القيامة كان النهاية. يقول المثل : وراء كل جبل سهلٌ، و بعد كل شِدَّةٍ أو ضيق إنفراج وراحة. فآلام يسوع تدعونا الى التطلع الى النهاية لا الى المسيرة وحدها. نتطلع الى النتيجة في إطار مصير الحياة.

آلام المسيح وقيامته دستور حياتنا.

نحن نعيش حياتنا و أحداثَها على ضوء الآلام والقيامة. نتذكر أنَّ كلَّ ضيق يقابله مجد. نحن تلاميذ يسوع. واجه يسوع الضيق والألم وحتى خطر الموت وتحَّداها كلَّها حتى آنتصر. ونحن أيضا نواجه تحَّدياتٍ ومضايقاتٍ و آلامًا وأمراضًا موجعة. نقلق كثيرًا. ونتشَّكى بمرارة. ونتذَّمرُ على الله و أحيانا بجهلٍ وبقسوة. لماذا دومًا أنا؟ لماذا أنا فقط؟.
- قلما نعتبر أنَّ تلك الآلام ليست النهاية. إنها مسيرة الحياة نتيجة الخطيئة.
- نادرًا ما نتطلع الى أبعد وننتظرالنتيجة. نرفض الواقع، ونريده حسب رغبتنا وراحتنا.
- وقليلا جدًّا نستذكرُ مواقفَ يسوع وتعليمه. بل نستمِرُّ نلوك آلامنا ونجتَّرُ معاناتنا،
- وقلما نفَّكر أن نتشَّبه بيسوع أو نصغي اليه.
مع أنَّ الروحَ القدس معنا : يُذَّكرُنا لا فقط بآلام يسوع بل أيضًا بسلوكه وتعليمه. ويعيننا على فهمِه ويساعدنا على تطبيقه.

يسوع نموذجنا في ألمه ومجده.

إن كانوا هكذا فعلوا بالعود الرطب فكم باليابس ؟. رفض يسوع الألم لذاته لكنه وثق بالآب أنَّه يؤولُ إلى خيرأعظم له ولغيره. رأى أبعد من ضيقه وألمه. لذا صبر.عرفَ أنَّ الآلام ستتكلل بالقيامة. وسبق فنوَّه إليها ودعاها " ساعة المجد". رأى أنَّ القيامة مرتبطة بالآلام، و لا يمكن فصلها عنها. درب الألم قاد يسوع الى الصليب، والصليب قاده الى القبر. لم يرَ الرسل والأصدقاء والتلاميذ غير ذلك. وكلهم نال منهم اليأس : لقد زال الحلم وآنتهى بحسابِهم كل شيء. لأنهم لم يروا غير قبر فيه ميت.

حبة الحنطة

نسوا قول يسوع أنَّ موتَ حبةِ الحنطة المدفونة في قبر الأرض يقودها الى حياة جديدة أفضل إذ تحملُ مئات الحبات. وتلك المئات عشراتِ مئات تالية جديدة. ونحن أيضا ننسى أن بيض العيد الملَّون يرمزُ الى قبر المسيح الذي منه خرجت حياة جديدة سعيدة، ولا أحد يقدر أن يُعَّكر صفاءَ مجد المسيح. فالقبر إحتوى على أفضل الحياة.
- لم يُبالِ الرسل بنبوءة يسوع بقيامته. ألم الموت حطَّمهم، والقبرُ حجب عنهم كلَّ رؤية
لحقيقة ما يجري. شخص واحد فقط ، لا غيرُه، تطلَّع الى أبعد ورأى ما لم يره غيرُه.

مريم واقفة تحت الصليب

إنها أمُّ يسوع المكلومة والمحترقة لألم وحيدها البار. ويقول عنها الأنجيل كانت واقفة تحت الصليب، ولم تغِب عن حواسِّها { كما تقول ترتيلة الألام لفيروز} رغم شِدَّة الألم الذي كان يعصرُ قلبها الوالدي. واقفة ربما لا تذرفُ غير الدمع. لأنها تُشغلُها رؤية أبعد. مريم مؤمنة و واثقة بوعود الله. تعرفُ أنَّ الألم والموت يؤولان الى حياة أفضل للبشرية جمعاء.
حملت في قلبها هَمَّ مصير الناس الخطأة. وعرفت أنَّ الخطيئة تتطلب تكفيرًا. ولا يتم التكفيرُ إلا بإراقة دم/ بتقريب ذبيحة. وعرفت أنَّ إبنها يُكَّفرُ عن خطيئة الإنسانية. تلك هي مشيئة الله. ويسوع أتى ليعمل بمشيئة الله {لا تكن مشيئتي بل مشيئتك}، وليذبح شهوة الناسوت بالتضحية بإرادته. ومريم نفسُها أطاعت دومًا مشيئة الله ، كخادمة له، فأطاعت على الجلجلة أيضًا لمشيئته، فقرَّبت إبنَها، مثل إبراهيم، ذبيحةً إبنها ومعه قربان قلبها وحبها وألمها.
· حواء أشركت زوجها آدم في المخالفة، أما مريم فتعَّلمت من إبنها الطاعة. ولما وافقت
أن تكون أمًّا للمسيح عرفت أنها ستشترك معه في الألم { وأنتِ سيجوز سيفٌ في قلبكِ }. لذا نراها واقفة كصخرةٍ تحت الصليب تتكَّسرُ على إيمانها وثقتها بالله أمواجُ عاصفة الشّرير الهوجاء. لم تغويها أمومتها لآبن الله. ولم يقوَ ابليس على تحطيم رجائها. آمنت أنَّ الصليب لم يكن هو النهاية، بل كان فقط آلة الفداء وسيعقبُه مجدُ القيامة. فآنتظرت فرح القيامة. والأيمان والرجاء قاداها الى الطمأنينة والصبر، وفي النتيجة الى الفرج.

الصليب محور الكون والحياة

الكون كله. الحياة كلها مرتبطة بحدث الصلب. مصير البشرية كله متوقفٌ على ما بعد
الصلب. ساعتَها لم يشعر الناس بعظمة الحدث. لم يفهموا عمق محبة الله وقُـوَّتها، ولا قدَّروا سعة إهتمام الله بهم. تماما مثل الطفل الذي لا يحُّسُ لا بعظمة تكوينه ولا بفرح ولادته.
كانت الآلام والصلب مرحلةَ مخاضٍ لولادةِ الخلاص والفداء بالقيامة.

خلقٌ جديد

والخلاص والفداء هي خلقٌ جديد و ولادة ثانية بقوة كلمة الله الحيَّة. ومثل كل ولادة بدأت بالألم والحزن والقلق والخوف. ومثل كل فداء إقتضت ذبيحة وقربانا تكفيريا. ومثلها يبدأ كل مشروع حيوي بالقلق والمخاطرة والرجاء. مثل: دراسة ، إيجاد عمل ، إقامة، بناء كنيسة، ثم ، مع الصبر، يتحَّقَقُ الحلم ويأتي الفرح والراحة.

الصلب والقبر والألم كانت لأجلنا

لماذا ؟ لنفهمَ نحن الحياة بعمق. لقد تألم المسيح لأجلنا حتى لا نتعَذَّبَ نحن. بل نتمتع بالراحة والهناء. مات المسيح حتى نحيا نحن بكرامة ومجد. لقد أعادَ الأبنَ الضال إلى حضن الله وأسكنه جنَّته التي فقدها حينا. عاد الأنسان الى خانة الله ليتمتع براحته. حياتنا مرتبطة بحياة الله : وجودنا منه، ومصيرنا إليه. بدأنا حياتنا مع جدنا الأول بالخطيئة فلفنا الضيق والألم ، لأننا خسرنا إمتياز صداقة الله. لكن الله لم يفقد حُبَّه لنا. وقرر أن " يُخَّلِصَنا " فينقذنا من ورطتنا. قرر أن" يفديَنا " فيدفعَ ديننا و"يشترينا " من ابليس غاوينا.

درب الثقة بالله والخضوع لمشيئته

فما الآلام والصلب سوى سلوك درب الثقة بالله وطاعة مشيئته. وآستعادة حرية التفاعل مع مشروعِه للأنسان. :" كان يجب لآبن الأنسان أن يتألم أولا ثم يدخل الى مجده". بعد دفع الدَين يرفعُ الأنسان رأسَه ويقف في حضرة الله. ويستعيدُ حَّقَ ممارسة السيادةِ على الكون كله. هذا الحَّقُ حُرّرَنا نحن البشر من الأنزلاقِ إلى حفرةِ الكذب والدجل. الحَّق أنار دربنا الى الأحساس بمحبة الله والثقة برحمته الأبوية. وبأنَّه يُحِّبُنا وغفر لنا زلَّتنا.

الصليب علامة أعظم محَّبة

فالصليب فتح عيوننا على محبة الله التي تفوق كلَّ حد. هكذا قال بولس :" كلمة الصليب عند الهالكين جهالة، وأمَّا عندنا نحن المُخَّلَصين فهي قمَّة حكمته وقدرته ومحبته". الله لم ينتقم من الأنسان. لم يُذله ولا تخَّلى عنه. بل أحَّبه. نشُّك أحيانا بمحبة الله لنا. قال الكتاب أن المسيح أحبنا الى الغاية. وما من حُبٍّ أعظم من حُبِّ من يبذل نفسَه عن أحِّبائِه. وقد مات الله فعلا ، مُثَّبتًا القول بالفعل،َلأنه أحَّبنا بدون قياس. أنتم الآباء وألأمهات هل تنتقمون من أولادكم؟ هل تريدون لهم سوءًا أو أذية؟. هل أذيتم يوما أولادكم لأنهم أهانوكم أو أذوكم، أو بطلتم من أن تُحِّبوهم؟. ومن زرع في قلب الوالدين هذه المحبة وهذه الرحمة، غير الله؟. ويسوع أحبَّ حتى الذين إزدروا به، وسخروا منه وبصقوا عليه وضربوه وجَرَّحوه وأهانوه، وغفر لهم، وهم الذين عّلقوه على الصليب !!. الصليب نوَّر أذهاننا فرأينا قدرة الله التي تفوق كلَّ قدرة وطاقة بشرية. لما كان الله قادرا على إفنائِنا ترحم علينا وغفر لنا وعلَّمنا أن القوة ليست في الذراع والسيف بل في اللسان والكلمة اللطيفة. الصليب بيَّنَ للأنسان كم إنه عزيزٌ وغالٍ على قلب الله حتى فداه بحياته!
الصليب أظهر كم أن الطاعة لله مثمرة ومفيدة. بعدم طاعة أبوينا الأولين خسرنا حريتنا وكرامتنا ومصيرنا. أما بطاعة يسوع وقبوله الموت في أقسى الآلام فآسترجعنا كرامتنا و تعلمنا كيف نُحَّول الآلام الى نعمةٍ وبركة. تعلمنا أن نحمل أثقال بعضنا البعض ولاسيما تخفيف آلام المبتلين منا من ذوي الحاجات الخّاصة. تعَّلمنا أن نحمل بصمت وراحة نفس ضيقاتنا ومعاناتنا ومظالمنا دون تذمر أو تشَّكٍ. الصليب أظهر كم أنَّ الحُّبَ ناجحٌ في علاج أمراض البشرية ومشاكلها. الصليب أظهر كم أنَّ الرجاءَ والثقة بالله هي طريق معالجة الضيق والألم.
لأنَّ الصليب تحَّولَ الى علم النصر وإلى إكليل الغار. وعلَّمنا أن نحيا مع الآخرين ومن أجلهم. علمنا أننا صُلِبنا عليه مع المسيح عن العالم. وأخرجَنا عن دائرة منطق العالم وأدخَلّنا الى دائرة منطق الله. ولكن رغم أن المسيح أخرجنا بالصلبيب عن روح العالم وعن فكرِ آتباعِه، إلا إنه زرعنا في العالم ، لا لنعدُوَ منه الشرَّ والفساد، بل لنُطَّعِمه نحن بروح الله و نشهد أمامه ليسوع عندما نُجَّسدُ حياته فينا ونطَّبقُ تعليمه في سلوكنا اليومي، فنكون نورًا يُضيءُ له دربَ الخلاص.

صُلبان العالم

عالمنا اليوم مليءٌ بالمشاكل والصعوبات والآلام والمعاناة. هل نقتدي ببنات أورشليم ونندب حظَّنا ، أو نيأسُ مثل الرسل فنختفي عن أنظار المسيح، لنتجَّنبَ المشاكل؟. صُلبان الحياة لن تنتهي. العالمُ وأتباعُه يستمرون فيرفضون الحق ويضطهدونه. شهدت العقودٌ الأخيرة موجة العنف والأضطهاد ضد المسيحيين. لم تكن بداية القرن الحادي والعشرين مُشَّرفة. وربما لن تكون العقود القادمة أفضل منها. وإن لم يكن الأضطهاد بالسيف فسيكون بالفكر. مأساة العقود الماضية خَيَّبت آمال مسيحيين كثيرين. ولكن لا ننسى أننا ما زلنا في زمن المسيرة. ولنتذكر أنَّ القيامة آتية لا محالة..
مآسي البشرية تُثبتُ صلابة مقاومة الصليب لإعصارالشَّر. وتؤكدُ أنَّ الدواء الناجع يوجد عند أقدام الصليب. إنه الحب مع التضحية والرجاء والتجاوب مع مشيئة الله. هذا الحب الذي ينبع من الأيمان بقوة الصليب المتجلية في الصبر على الظلم والضيم والضيق.
لا نتوقف إذن عند الألم، بل لـنتابع المسيرة ونتطَّلع الى النتيجة، بآتكالنا على الله كما فعل المسيح. وكما لم يُخَّيبه الله بل إستجاب له، هكذا لن يُخَّيبَنا الله ما دُمنا نعانقُ صلبان حياتنا بطواعية ونحملها بهدوء وراحةِ البال. سبق يسوع ونبَّهنا أننا ما دمنا تلاميذه فلا مفَرَّ من عِداء العالم وأهله لنا، ومطاردتنا و معارضتنا و حتى إضطهادنا. لكن ذلك يؤول الى فخرنا. لأننا نتشَّبه بذلك بيسوع نفسه ، بل ونشترك في حياته.
ويرى الرسول ضرورة التشَّبُه أولا بآلام يسوع كي نتأَّهلَ لمشاركة مجد قيامته (في3: 10-11). وهذا لن يصعب علينا إذا واجهنا صلباننا وحملناها بقدرة الله. (2كور4: 7-12). ذلك " لأنَّ الشدة الخفيفة العابرة تُعِّدُ لنا قدرًا فائقًا أبديًا من المجد. فإننا لا نهدفُ الى ما يُرى ـ مجد العالم ـ، بل الى ما لا يُرى" ـ مجد الله ـ كما عاينه الرسل على جبل طابور يوم تجَّلى الربُ أمامهم. لذا شجَّعنا الرسول ألا نصبو أونطلب أمجاد الدنيا، بل مجد الله لأنَّ " الذي يُرى هو الى حين. أما ما لا يُرى فهو للأبد" (2كور4: 17-18).
سنتشَّبه بالمسيح إذا شاركنا حياته، تقاسمناها معه في حُلوها ومرّها، وحملنا أثقال غيرنا وصلبانهم كما فعل يسوع معنا، ولم نتوقف على سلبيات الحياة ولم نسمح لها أن تسحقنا بل تطلعنا دوما إلى نور القيامة وتمسَّكنا به، ولاسيما إذا عشنا حياتنا لله ولخدمة الآخرين، متجرِّدين عن ذواتنا وحاملين صلباننا مثل يسوع ومعه، فمتنا عن الجسد وعن العالم، لنقومَ ممَّجَدين مع المسيح.


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com