الأحــد الثالث للرسـل ! ** ** **<> ** ** ** 2018.06.03


تتلى علينا اليوم القراءات : إش1: 1-9 ؛ 1كور7: 1-7 ؛ لو10: 25-37

القـراءة : إشعيا 1 : 1 – 9

الله يتشَّكى بمرارةِ وأسًى من شعبه الناكر للجميل، الجاهل وغير المتبَّصر لواقع الحياة. لقد أغوته، مثل بقية الشعوب، خيراتُ العالم وأمجاده. و مع أنَّ أنيابَ الدهر قد نهشت لحمه حتى عظامِه ، إلا إنه لا يتَّعظ. لقد غزتُهم الأمراضُ وهرَستْهم، وذَرَّت الأوبئة قرونها في حقولِهم، وأصاب الدمارُ مدنهم ، وأتت الحروبُ فأضافت الطين بِلَّةً، حتى لولا " أنَّ الرَّبَ القدير تركَ لنا بقية من الناجين، لَصِرنا مثل سدوم وأشبهنا عامورة "(آية 9).

• رَبَّيتُهم ورفعـتُهم !

لماذا يتشَّكى الله بدلاً من أن يُعاقِبَهم ؟. ما كلَّ القادة البشر، ودساتيرُ كلَّ الشعوبِ والدول تدينُ مواطنيها المخالفين وتُخضعهم للمحاسبةِ والجزاء!. لماذا لا يفعلُ اللهُ مثلهم؟. بل ماذا فعلَ اللهُ لشعبِه حتى يتشَّكى من تصَّرفاتِه؟. أ ليسَ الناسُ تشتغل وتسعى وتحاربُ الزمن لتوَّفر قوتَها ، وتشقى وتتألم لتحميَ نفسَها ضدَّ الأشرار والظالمين، وتضمن حاجاتها وراحتها بعرق جبينها ؟. أينَ اللهُ من كلِّ هذه معركةِ الحياة الني خاضَها الأنسان ويخوضُها بذراعِه حتى يتشَّكى الله من تمَّرُدِ شعـبه عليه ؟.
لنسمع ما قاله الله :" البنون الذين ربَّيتُهم ورفعتُهم، تمَّردوا عليَّ ". بدءًا ليس اللهُ فقط " قائدَ شعبِه ، وشريعتُه دستورَ حياتِه" بل هو " أبٌ" للناس أجمعين، وبنوع فريد" للشعب المختار". وبهذه الصفة يَنعُت الشعب قائلا لموسى :" قُل لفرعون هذا ما قال الرَّب : إسرائيلُ إبني البكر" (خر4: 22). وعنه قال على فم هوشع:" يوم كان اسرائيلُ فتًى أحْبَبْـتُه، ومن مصرَ دعوتُ إبني" (هو11: 1). وذَكَّرَ موسى الشعبَ كيف أنَّ الله " حملَهم كما يحملُ الأبُ ولدَه وقادهم في تنَّقلهم "(تث1: 31). هذا الشعب لمَّا كان في الضيق، في مصر، قال عنه الله : " نظرتُ إلى معاناةِ شعبي.. وسمعتُ صراخَهم من ظلمِ مُسَّخريهم وعلمتُ بعذابِهم، فنزلتُ لأُنقِذَهم من أيدي المصرّيين..وأقودهم إلى أرضٍ رحبةٍ تدُّرُ لَـبَنًا وعسَلا" (خر3: 7-8). هذا الشعب كلَّما دعاه الله هربَ من وجهه (هو11: 2). بينما عاملهم اللهُ بمحبةٍ والدية وحنان كما يشهدُ النبي : " أنا الذي عَلَّمهم المشيَ وحملَهم على ذراعيهِ، لكنهم لم يعرفوا أني أنا أصلحتُ حالَهم. جذَبْتُهم إلَيَّ بحبال الرحمة وروابط المحَّبة، وكنتُ لهم كأبٍ يرفعُ طفلاً على ذراعيه، ويحنو عليهم و يُطعمُهم" (هو11: 3-4). ولأنه يتعاملُ معهم كأب ويدعوهم بنين و أما هم فيتصَّرفون كغرباء وجهلاء، لذا تشَّكى الله من إهمالهم، لا بل تناسيهم له، فقال:" الثورُ يعرفُ قانيَه والحمارُ معلَفَ صاحِبِه، أما بنو إسرائيل فلا يعرفون!. شعبي لا يفهمُ شيئًا .. تركوا الرَّبَ وآستهانوا بالله قدّوسِ إسرائيل، وإليه أداروا ظهورَهم". وثانيًا ليس الله فقط أبًا، لأنَّ آباءَ كثيرين أهملوا أولادَهم لقساوةِ قلوبهم، بل أبًا حنونًا ورحومًا لا يُقابلُ شرَّ أبنائِه وإهمالهم لأبيهم إنمَّا يتحَّداه برحمتِه الأولى وهي التي أوجدت الأنسان. و قبل أن توجِدَه وَفَّرت له أكثر من مستلزمات العيش وبُنى الحياة الأساسية، زوَّدته بما يُرَّيحُه ويُلَّطفُ أيامَه فلا يشعرُ بنقصٍ أو عيب. والشعبُ المختار تمَتَّعَ بآمتيازاتٍ لم يحلم بها غيرُه. أنقذه الله من جيش مصر فعَبَّرَه بحرَ الأحمر على اليبس في حين غرق فيه أعداؤُه (خر14: 15-31)، ونهر الأردن كذلك (يش3: 1-17). ومدةَّ أربعين سنة أقات الله شعبَه في برية سيناء فوَفَّرَ له الخبز واللحم، المَّن والسلوى (خر16: 4-5)، وكسر أمامهم أعداؤَهم فدخلوا فلسطين سالمين غانمين.

• أداروا ظهرَهم إلَيَّ !

رغم كلِّ هذا الحُّبِ والتقدير والعناية والرحمة خان الشعب وعودَه المتكَّررة، ولم يلتزم بالعهد الذي عقدَه مع منقِذِه وراعيه. تمَرَّدَ " رجالُ يهوذا وسكان أورشليم ورجعوا الى ذنوبِ آبائهم الأولين الذين رفضوا أن يسمعوا لكلماتي، فآتَّبعوا آلِهةً أخرى ليعبدوها.. ونقضوا العهد الذي عاهدت به آباءَهم" (إر11: 9-10). ذّكرهم به الله كثيرًا ودعاهم الى التوبة والتراجع عن الشر:" أيديكم مملوءَة من الدماء، فآغتسلوا وتطَّهروا وأزيلوا شرَّأعمالكم من أمام عينَيَّ وكُفُّوا عن الأساءة. تعَّلموا الأحسان وآطلبوا العدلَ. أغيثوا المظلوم وآنصِفوا اليتيمَ وحاموا عن الأرملة "(اش1: 16-17). أما الشعبً فلم يتَّعظ بل " إستهانوا بالله قدّوسِ إسرائيل. وإليه أداروا ظهورَهم ". فماذا يُرتجى من شعبٍ هذه خصائلُه؟. وأيَّ إثمٍ فيهم يستأصلون؟. وعلى أيِّ وترٍ ينقرون؟: " أَ على الرأس وكُلُّه مريضٌ؟ أم على القلبِ وهو بأكمله سقيم؟ من أخمصِ القدمين إلى قمَّةِ الرأس لا صِحَّةَ فيكم، بل جروحٌ ورضوضٌ لا تُضمد..". إنهم لا فقط لا يتصَّرفون كأولاد بل ويتمَّرغون في وحل التمَّرُد على الله بآزدراءِ كلامه ويقولون : " لا نقدرُ. سنتبعُ أفكارَنا، ونسيرُ بحسبِ نيَّاتِ قلوبِنا الشّريرة" (إر18: 12). وزادوا في الجرمِ فظاعةً، وقالوا :" تعالوا نكيدُ للنبي مكيدةً .. تعالوا نتَّهمُه ولا نُصغي إلى كلمةٍ من كلماتِه " (إر18: 18). وكأنه إذا تخَّلصوا من النبي تخَّلصوا من الله نفسِه.

• لا يريدُ الله موتَ الخاطيء !

مع ذلك جاءَ في النص" أرضُكم خرابٌ ومدنكم محروقة بالنار وحقولكم يأكُلُ الغرباءُ غلالَها ". فهل هذا عقابٌ أنزله بهم الله؟. لا. يقول :" إذا بسطتم أيديكم للصلاة أحجبُ عيني عنكم. وإن أكثرتم من الدعاء لا أستمعُ لكم. لأنَّ أيديكم مملوءَةٌ من الدماء" (اش1: 15). الله يريدُ أن يتوبوا عن الشر والفساد ويسلكوا طريق الخير فيحيوا (حز18: 23). وأما الناس فيريدون أن يستمروا في الشر والظلم ولا يحاسبُهم الله عليه. يريدون أن يكونوا آلِهةً ، وأن يكون الله خادمًا يُلَّبي حاجاتهم ورغائبهم. وليس الخالق غبيًا مثل الناس ولا يقبل الشر مهما كان، إذ لا تغييرَ في جوهر الله القدوس ولا تتلوَّن أخلاقُه. وإذا تألم الأشرار فلأنهم لا يسمعون كلام الله ولأنَّ الشرَّ الذي في داخلهم هو الذي يُحرقهم. وإذا طلب الله من الخاطيء أن يتوب فحتى يقيَه نار الهلاك بها. وإذا لم يستجبْ الخاطيْ ورفضَ إرادة الله عندئذ يُهمله ويدعُه مع شَّرِه فيبتلعُه. كما فعل مع سدوم وعامورة. فلو وجدَ فيها عشرة فقط ممن يسمعون كلامه لأنقذ الله المدينة كلها. لم يكن فيها سوى أربعة فأرسلَ الله ملاكًا وأنقذهم (تك19: 14-16). وما زال صوتُ الله يُجلجلُ من خلال الكنيسة داعيًا الناس، ولاسيما المؤمنين، أن يتجَّنبوا سلوكَ طرقِ الشر، وألا يتزمتوا في أفكارهم ورغائبهم ولا يعبدوا أصنام الشهوة والثروةِ والجاه، بل يتواضعوا فيثقوا بكلام الله ويلتزموا به.


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com