الأحــد السابع للقـيامة ! ** ** ***<>*** ** ** 2018.05.13


تتلى علينا اليوم القـراءات : أع1: 15-26 ؛ في1: 27- 2: 11 ؛ مر16: 14-20

القـراءة : أعمال 1 : 15 – 26

تقُّصُ علينا خبرَ أول عملية إنتخاب تجري في الكنيسة منذ تأسيسها. لا بل أوَّلُ قرار وفعل أجرته الكنيسة كان " ممارسة الديمقراطية" مع أنها مؤَّسسةٌ " تيوقراطية "، أي تُؤمنُ بأنَّ كلَّ سُلطةٍ على الأرض آتيةٌ من الله وليست مُقامة من البشر. هذا ما يقوله رسل المسيح الذي" هو رأسُ كلِّ رئاسةٍ روحانيةٍ ، وسلطة" (كو2: 10). وسُطان المسيح، ابن الأنسان، من الله مباشرة :" رفعه الله فوق كل رئاسةٍ وسلطان وقوَّةٍ وسيادة، وفوق كلِّ اسمٍ يُسَّمى .." (اف1: 21). لقد أعطى الله " الأبنَ سلطة القضاءِ كلها" (يو5: 22). ويسوع نفسه يعترفُ بذلك :" لقد نلتُ كلَّ سلطان في السماءِ والأرض " (متى28: 19). ويسوع نفسُه خضع لسلطان البشر الذي هو من الله، فيقول لبيلاطس :" ما كان لك عليَّ سلطة لولا أنَّكَ نلتَها من الله" (يو19: 11). وآقتداءًا بالمسيح يسألُ رئيس الكنيسة المؤمنين أن يخضعوا للسلطة المدنية لأنها جزءٌ من النظام الكوني لتمشية الأمورالزمنية، ويقول:" إخضعوا، إكرامًا للرَّبِ، لكل سلطةٍ بشرية : للملك لأنه الحاكمُ الأعلى، وللحكام فهم مُفَوَّضون منه لمعاقبة الأشرار ومكافأةِ الأبرار .. إتَّقوا الله ، أكرموا الملك" (1بط2: 13-17).

• ليأخذ وظيفَتَه آخر ! مز109: 8

تقَّيُّدًا بهذا الأيمان وآتّباعًا لتوجيهات المعلم بعد القيامة يُمارس بطرس سُلطانه الألهي فيدعو الكنيسة ، وهي في ذلك اليوم مُكَوَّنة من مائة وعشرين مؤمنًا، ولا يُكَّونُّ الرسل منهم سوى الجذر التربيعي أي أحد عشر{11×11= 121}، الى إختيار بديل ليهوذا الذي سقط من عهده وصارت داره خرابًا (مز69: 26)!. كان بوسع بطرس أن يُمارسَ سلطانه على الكنيسة ، فيحًّلَ ويربط بقراره الشخصي (متى16: 19)، ويُّعين الرسول البديل ليهوذا فيدعو تلميذًا من التلاميذ الأثنين وسبعين (لو10: 1) لينضَمَّ الى مصاف الرسل كما دعا يسوع التلاميذ (متى4 : 18-22؛ يو1: 40-51)، وكما سبقَ موسى وعيَّنَ قُضاةً إختارهم لوحدِه من بين الشعب (خر18: 24-26). أما بطرس فمؤمن بأن الله هو الذي يدعو رسُلا جُدُدًا. لكنه مؤمن أيضًا أنَّ الكنيسة ليست القيادة فقط بل كل المؤمنين بالمسيح فيستعملُ أيضا سلطة الكنيسة الجماعية فيشرك في قراره الرسل الآخرين و الممكن حتى من باقي أبنائها، وكانوا يومئذ قليلين تسهل عليهم عملية المشاركة. ويضع الشروط التي يجب أن تتوفَّرَ في البديل : أن يعرف المسيح حَقًّا، علميًا وأخلاقيًا، وأن يؤَّديَ الشهادة لهُ.

• يوسف أم متّيــاس ؟

هكذا مارس بطرس سلطانه الفردي والجماعي، لوحده ومع رفاقه في المهّمة. ويبدو أن الروح القدس نفسه قاد العملية : التيوقراطية والديمقراطية "، فأوحى إلى بطرس أن يختار بديلا ليهوذا فدعا إليها، وأن يُجريَ ذلك بطريقة الأنتخاب ليُشاركَ رفاقَه في أداءِ مهّمته في قيادة الكنيسة. كما أوحى الروح نفسُه الى الحاضرين أن ينقسم ولاؤُهم إلى إثنين، ولا يتفقوا من البدء على مُرَّشح واحد حتى يُجرَ إقتراع ويظهرَ من هو الذي إختارَه الله. ولما ظهرت النتيجة بإنتخاب متيّاس لم يعترض أحد بقدر ما وثقوا بقيادة الله الخفية وآرتاحوا أنهم قاموا بعمل إلهي وبدأوا يمارسون رسالتهم بشكل صحيح كمعاونين لله.
وما تزالُ الكنيسة الى يومنا تمارسُ رسالتها بدعوةٍ وتخويلٍ من الله، وبواسطة مسؤولين { رسل} يختارهم الله فيدعوهم، وتكشفُ الكنيسة دعوتهم وتقيمهم حُكامًا على نفسِها، من قمَّة السلطة المتمَّثلة بالبابا، الرئيس الأعلى للكنيسة، والبطاركة الرؤساء المحليين وإلى الأساقفة والكهنة. وكلُّ ما تغَّير هو أنَّ إنتشار الكنيسة في أقطار العالم وتكاثرَ عدد المؤمنين حتى فاقَ البليون مؤمنًا لا يسمح لأنَّ تجتمع الكنيسة كلها لأجراء عملية إقتراعٍ مماثلة. فالروح القدس الذي قادَ العملية الأولى ما زال يقود الكنيسة عبر الأجيال والأمصار ويرشِدُها الى الحَّقِ كلِّه فتستغِلَّ الأمكانيات المتوفرَّة لتؤديَ رسالتها.
والأمكانيات ترتبطُ لاسيما بطريقة ممارسة السلطة فرديًا وجماعيًا. وقد سبقَ فهَيَّأ الروح لذلك نموذجًا تمَّ في حلِّ أولِ خلاف ذَرَّ قرنَه من عهد الرسل بين جماعةِ الرسل والتلاميذ أنفسهم بخصوص الختانة أم المعمودية. ونعرفُ كيف مورست السلطة بين الفردية والجماعية. أما جماعة الرسل والتلاميذ المختلفين بينهم فبيَّنوا آراءَهم وقناعاتِهم وجوهر الخلاف بينهم ، و عندئذ حسمَ سلطانُ الحَلِّ والربط ، سلطان بطرس الفرد فقال: " تعرفون أنَّ الله إختارَني من بينكم .. من فمي يسمع الناسُ كلام البشارة ويؤمنوا " (أع15: 7)، بين وجهتي النظر وقرَّرَ بقوةِ الروح القدس ما هو الحَّق الذي يجب إتباعُه. وأُعلنَ القرار بآسم الروح القدس وكلِّ التلاميذ الحاضرين :" فالروحُ القدس ونحن رأينا .." (أع15: 38). وهكذا ستفعلُ الكنيسة عبر الأجيال. وآخرُ فعل رسمي مهم كان المجمع الفاتيكاني الثاني الذي ختمه البابا سنة 1965م هكذا :" كلَّ ما وردَ في هذا المجمع ، جملة ً وتفصيلاً، وقد حاز رضى أباء المجمع المُقَّدَس، ونحن ، بمقتضى السلطة الرسولية التي عهدَ بها إلينا المسيح، بالأتحاد مع الآباء الأجّلاء، نقبلُه، و نُثَّبِتُه، ونُقِرُّه بالروح القدس. وما تحَدَّدَ هكذا بطريقةٍ جماعية، نأمرُ بإعلانِه لمجدِ الله ".

• في تلك الأيــام !

كما في تلك الأيام كذلك في أيامنا وإلى نهايةِ العالم ستسيرُ الكنيسة على نفس الخُطى. تُمَّيَزُ بين الأدوار وتوَّحدًها مع بعضِها. قيادة الكنيسة هي بيد الله يُجريها الروح القدس. ولله نائبٌ على الأرض يرعى شؤون الكنيسة ويُدَّبرُ أمورَها الزمنية ويضمن الحَّق في رسالة المسيح لخلاص العالم. كلَّفه الله بأن يحلَّ ويربط ويرعى قطيع المسيح. ويُؤَّدي دوره بإرشاد الروح القدس، فمن فمه يعرفُ العالم حقيقةَ المسيح ويؤمن، ويحُّل الخلافات داخل الكنيسةِ نفسِها. و في أداءِ دوره وممارسةِ سلطانِه يتصَّرفُ كالخادم، لأنَّ السلطة في الكنيسة هي الخدمة والبذل . عليه يستشيرُ ويبحثُ ويتبادل الآراء والخبرات ويتعاملُ مع الأساقفة أقرانِه كمع إخوة و رفاق ومعاونين، وليس كغرباء أو موظفين عنده. أمَّا الجماعة فعليها أن تُبديَ آراءَها وتشاركَ في مسيرة الكنيسة، ولاسيما بتنفيذ ما رآهُ القادة "حَقًّا و واجبًا ". هذا النظام لا يحتقرُ أحدًا. ليست التيوقراطية عبئًا وإهانة للأنسان، ولا تقَّللُ من قيمته ودوره، ما دام الأنسان خليقة الله وهو يريدُ خيرَه. والديمقراطية ليست بالتزَّمت في الموقفِ الشخصي ونكران الروحي والألهي الخفي عن أنظارنا. الله روح. والأنسان مجبولٌ بالمادة، لكنه صورة الله. الله يعرف كلَّ شيء ويقدر على كل شيء، أما الأنسان فلا يقدر إلا إذا إتكَّلَ على الله فأعانه عليه. والله قريبٌ من الأنسان ليرشده ويعينه. يفعل ذلك للبشرية عن طريق الكنيسة وللأفراد عن طريق خضوعها للكنيسة وآتباع إرشاداتها. فالروح الألهي القُدّوس هو يُعَّلمُ ويُفهمُ ويُرشِد. هكذا قال الرب للكنيسة /الرسل :" إذهبوا الى العالم : تلمذوا .. وعمدوا .. وعَلِّموا .. وأنا معكم طول الأيام " (متى28: 19-20).


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com