الأحد الخامس للقيـامة ! * * * * *<> * * * * * 2018.04.29

تـذكار مار أدّي رسول كنيسة المشرق


تتلى علينا اليوم القراءات : أع9: 1-19 ؛ عب10: 19-36 ؛ يو21: 1-14

القـراءة : أعمال 9 : 1 – 19

تقُّص علينا خبر إهتداء بولس على طريق دمشق. بولس مواطن طرسوسي (أع21: 39 ؛ 22: 3). إسمه العبري " شاول". و"بولس" اسمه الروماني كونه يتمتع بالجنسية الرومانية (أع16: 37؛ 22: 28). و قد ترَّبى عند" قدمي غملائيل" وهو"فرّيسيٌّ من مُعَّلمي الشريعة، يحترمُه الشعبُ كلُّه" (أع 5: 34؛ 22: 3). وبولس ايضًا فريّسي المذهب (أع23: 6)، و هو أكثرُ المذاهب تشَّدُدًا(أع26: 5)، مُضطهدٌ للكنيسة.

• لقد أساءَ كثيرًا الى قديسيك !

وكان إضطهاده عنيفًا يصُّب سُّمَ غيضه وعنفه بدون تمييز" يذهبُ من بيتٍ الى بيت ويُخرجُ منه الرجالَ والنساءَ ويُلقيهم في السجن" (أع8: 3)، مُضطهِدًا " كلَّ من يدعو بآسم الرب"، يعتقلهم و يقودهم الى رؤساء الكهنة الذين يأمرون بتعذيبهم أوحتى قتلهم. و بولس نفسُه يعترف بقساوة تصَّرِفه، فيقول: "كنتُ أدخلُ المجامع وأعتقلُ المؤمنين .. و أجلِدُهم". ثم يُتابع قولهُ " إضطهدتُ مذهبَ يسوع حتى الموت ، فآعتقلتُ الرجالَ و النساءَ و ألقيتُهم في السجون .. وأخذتُ رسائل الى دمشق لآعتقالِ من كان فيها مؤمنًا بهذا المذهب فأسوقه الى أورشليم لمعاقبَتِه" (أع22: 19، 4-5).
كان يعتبرُ إذن إضطهادَه دِفاعًا عن الأيمان ضدَّ من يتصَّورُهم جاحدين كافرين يستحَّقون العقاب. وبمحاسبتهم يحمي المؤمنين البسطاء لئلا ينخدعوا بالمُهَّرجينَ الجدد، ضامنًا بذلك إستقامة العقيدة المُهَّدَدة، وسيادتها بآسم الله نفسِه. هذا ما يُقِّرُ به بنفسِه :" كنتُ غيورًا على خدمةِ الله " (أع22: 3). وغيرُته هذه تدفعه حتى بعد إهتدائِه أن يُجاهد حتى ضدَّ المُبَّشرين المرائين المخادعين ليحمي نقاوة الأيمان وصفاء الأخلاق التي يقتضيها المذهب الجديد ، و أنه خدم قضية المسيح، فيقول :" أنا أفوقهم : في الجهاد جاهدتُ أكثرَ منهم، في دخول السجون قاسيتُ أكثر منهم، في الضربِ تحَّملتُه أكثرَ منهم بكثير وتعَّرضتُ للموتِ مِرارًا " (2كور11: 12-13، 23).

• لقد إخترتُه رسولاً يشهدُ لي !

هذا العدُّوُ الظالمُ والعنيف يختارُهُ يسوع رسولاً له. ورُّبَ قائل :" أ لم يتعَّلم الرَّبُ الدرسَ من خيانة يهوذا؟. من يضمن ألا يعودَ بولسُ من جديد الى مذهبه وقساوته الأولين، ويؤذي الكنيسة هذه المَّرة أكثر من الأول بعد أن يكون قد تعَّمقَ في فكرها وأسرارها، وعرفَ رجالَها ومسالكها؟. حتى حننيا إعترضَ على إختيار الرب: " أخبرني كثيرون كم أساءَ هذا الرجل الى قديسيك في أورشليم". ولم يُصَّدق المستمعون اليه أنَّ إنقلابه وآنتماءَه الى تلاميذ يسوع وتبشيرَه به صادقٌ. أ يتحَّولُ الذئبُ بهذه السرعة إلى حمل؟. حتى التلاميذ في أورشليم شكُّوا في الأمر:" ولمَّا وصل شاول ـ بعدَ إهتدائه وعماده ـ الى أورشليم حاولَ أن ينضَّمَ إلى التلاميذ، فكانوا يخافون منه ولا يُصَّدقون أنَّه تلميذ "(أع9: 26). مع ذلك يسوع صريحٌ في كلامه مع حننيا ومُصِّرٌ على إختيارِه ويسبقُ فيكشفُ له جزءًا من حياة شاول :" إخترته لي رسولاً يحملُ إسمي إلى الأمم والملوك وبني إسرائيل".
وفعلا سيقف بين أيدي ملوك ورؤساء وقادة عساكر ورؤساء كهنة ، وهو سجينٌ بسبب إيمانه ومُتَّهَمٌ بالشغب وزرع الفتن ، يقُّصُ خبرَ إهتدائه على طريق دمشق " شاهدًا ليسوع الناصري بما رأى وسمع منه" (أع22: 15). يتنقَّلُ في غرب تركيا، ثم في اليونان، من مدينة الى أخرى معلنًا لسامعيه عن أعمال يسوع وأقواله مُبَّينًا أنه المسيح إبن الله الحي المنتظر، ومُثَّبتًا ذلك بشواهد من الكتاب ، خاصَّةً عند لقائه مع جالياتٍ يهودية. أمَّا مع غير اليهود فكان يُشَّددُ على الرجاء الذي يبديه الناس بحياة و آلِهةٍ أفضل من التي خَيَّبت إلى الآن آمالَهم وطموحاتِهم الأنسانية.

• سأُريهِ كم يتألم من أجل اسمي !

ستتوتر العلاقة فترةً بين بولس وأهل كورنثية. سيُعَّيرونه بعدم فصاحته وسينافسُه في التبشير رسُلٌ غيرُه وأهل كورنثية يتباهون بهم ليستفزوا بولس ويُقَّللوا من شأنه ، ولرُّبما أيضًا للحَّدِ من حرصِه للتنديد بحكمتهم ، وآعتداده العلني الكبير بغيرته وتفانيه الشخصي حيث يقول :" لا أظُّنُ أني أقَّلُ شأنًا من أولئك الرسل العظام". ثم يتكلم عن جهاده وحبسِه وضربِه أكثر من بقية الرسل الذين يفتخرُ بهم الكورنثيون و يُسَّميهم بولس بـ" الكَذَّابين" ، ويقولُ : " تعَرَّضتُ للموتِ مِرارًا .. جلدني اليهود خمس مرات .. وضربني الرومانيون بالعصّي ثلاث مرّات .. و رجمني الناسُ مرَّة ، وآنكسرت بي السفينة ثلاث مرات ، وقضيتُ نهارًا وليلةً في عرض البحر.. وفي أسفاري تعَّرضتُ لخطر الأنهار واللصوص .. و واجهتُ أخطارًا من اليهود و غيرهم .. في المدن، من الأخوة الكذّابين .. وعانيتُ التعَبَ و الكَّدَ والسهر والجوع والعطشَ والصوم الكثير والبردَ والعُريَ" (2كور11: 5 و 23-29).
ولا يتشَّكى منها بولس بل يفتخر بآلامه ويعتبرها قُوَّة له قائلا :" فأنا أرضى بما أحتملُ من أكون قَـوِّيًا "(2كور12: 10). إنَّ رؤيا طريق دمشق صعقت بولس وغَيَّرتُه بشكل كأنها خلقته من جديد وفي ثوب مختلف. هو الذي كان يتباهى بمعتقده ويفتخر بقوة شريعتِه المُرعبة ويجوب شوارع المدينة مُرعِبًا ومُعَّذبًا ومُهينًا " أتباع يسوع الناصري" الذي إعتبرَه دُميًة فبرَكها تلاميذ يسوع حتى يُدَّمروا شريعته اليهودية، سقط على طريق دمشق مرعوبًا أعمًى لا حول له ولا قوة ضد يسوع. لقد صعقه يسوع وغلبَه وبرهنَ له أنَّه هو الحَّقُ الذي يتمناه فكرُه وتشتاقُ إليه روحه، وليست شريعة موسى. إستسلمَ بولس وفتح نافذة حياتهِ لأشعة نور المسيح وتركها تتغلغل إلى أعماقِ نفسِه. فبلورت أفكارَه وعجَّنت روحَه وصاغته من جديد مندفعًا أكثر من الأول، إنَّما هذه المرة مع الحق، لا كما كان يتصَّورُه من قَبْلُ، بل كما أوحى به الله وجَسَّدَه يسوع في حياتِه. لقد ذابت حياته في المسيح فصرخ " حياتي هي المسيح. مع المسيح صُلبتُ، فما أنا أحيا بعدُ، بل المسيحُ يحيا فيَّ . وإذا كنتُ أحيا الآنَ في الجسد فحياتي هي في الأيمان بآبن الله الذي أحَّبني وضَحَّى بنفسِه من أجلي" (غل2: 20).


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com