الأحـد الـرابع للقــيامة ! ******** <> ******** 2018.04.22

يومُ الـدعـواتِ الكهـنوتية والرهبانية


تتلى علينا اليوم القـراءات : أع8: 14-25 ؛ أف2: 1-7 ؛ يو16: 16-24

القـراءة : أعمال 8 : 14 - 25

حدثَ وأن مدحَ يسوعُ سامريين (لو17: 16) بل وسمَّى أحدَهم نموذجًا للأخلاق الكريمة (لو 10: 33). والآن نسمع بأنَّ أهلَ السامرة قبلوا البشارة بالمسيح. بعكس اليهودية التي لا فقط رفض القادة والمعلمون والشيوخ الأعتراف بيسوع مسيحًا ورَّبًا، بل وقاوموه وقتلوه محاولين الآن القضاءَ أيضًا على تلاميذه بالعنف والأرهاب. وقد لامهم بولس على رفضهم كلام الله و واجههم بنتيجة فعلهم :" إليكم أولا كان يجب أن يُبَّلغ كلام الله. فإلى الوثنيين نتوَّجه الآن لأنكم ترفضونه" (أع13: 16). وقد دام صراعُهم المستميتُ بلا هوادة ولا هدنة. أما السامرة فقد أبدت موقفًا أكثر وعيًا، مع العلم كان اليهود يحتقرونهم ولا يخالطونهم إذ يعتبرونهم وثنيين خطأة. وصَّى يسوع تلاميذَه، بعد قيامته، وكلَّفهم بتبشير العالم كله بدءًا من اليهودية ومرورًا بالسامرة. وها هي قد لَبَّت النداء و آمن كثيرٌ من أبنائها على أيدي الرسل.

• الرسل والروح االقدس !

قد نستغربُ لأولِّ وهلة أنَّ بطرس ويوحنا يذهبان الى السامرة لإعطاءِ سرِّ التثبيت في حين بَشَّرَهم فيلبس وعمَّدَهم (أع8: 12). بينما لمَّا عَمَّد بولس جماعة في أفسس ثبَّتهم أيضا (أع 19: 5-6). يبدو أولا أن هذا ليس فيلبس الرسول (متى10: 3)، بل الشماس الأنجيلي (أع6: 5) والذي سيأتي ذكره غيرمرَّةٍ في سفرالأعمال ويُدعى بـ" المُبَّشِر"(8: 26-40؛ 21: 8). و بالنتيجة ليست له صلاحيةُ التثبيت. وثانيًا إعطاءُ الروح القدس من صلاحية الأسقف. هذا ما يُلاحظه الشرقيون المهاجرون الى البلاد الغربية حيثُ يسودُ الطقس اللاتيني بأنَّ الأسقف هو الذي يُثبِّتُ المُعَمَّدين عندما يبلغون سنَّ الثانية عشرة. في حين درجَ في الكنائس الشرقية من البدء إعطاء الثبيت مع العماد على يد الكاهن. بينما بقيت الرسامات الكهنوتية حصرًا على الأسقف الذي له مِلءُ الكهنوت. فالأسقف وهو" الرسول" هو المُكَلَّف بـ"العبادةِ والتبشير" (أع 6: 4).

• بطرس ويوحـنا !

بطرس ويوحنا يقومان بمهّمة التثبيت. لماذا هذان لا غيرهما؟. بطرس هو الذي أحَّبَ يسوعَ أكثر من سائر الرسل (يو21: 15)، وآختارَه الرب قائدًا للكنيسة بعده (متى16: 18-19)، مثل يشوع بن نون بعد موسى، وصَلَّى من أجل ثباتِه في الأيمان المستقيم (لو22: 32)، و ثَبَّته في منصبِه راعيًا للقطيع المؤمن به كلِه (يو21: 16-17). ويوحنا هو التلميذُ الذي أحَّبَه الرب أكثر من بقية التلاميذ (يو13: 23) والذي رافق وحدَه يسوع في آلامِه من القبض عليه وحتى دفنه، والذي وصل الأول الى القبر دون أن يدخل فيه لأنَّ ذلك كان من حق بطرس و من واجبه ليشهد بعده للعالم بما رأى، بينما يوحنا آمن (يو20: 3-8)، وهو الذي شهدَ بذلك و دَوَّن الخبر و" شهادته صادقة " لأنه لا يكذب (يو21: 24). ولكن بين بطرس ويوحنا شراكةُ وحدةٍ قديمة. كانا ، مع أخويهما أندراوس ويعقوب، شُركاء في صيد السمك من قبل معرفة يسوع (لو5: 7-10) ودعاهما يسوع معا لآتباعِه (متى4: 18 -21)، وكلفهما في إعداد الفصح له (لو22: 8). ربما كانا هما أيضا أرسلهما يسوع لجلب الأتان يوم السعانين (مر11: 1)، وهما اللذان كشفا التلميذَ الخائن (يو13: 23-24) ، و أسرعا الى القبر ليتأكدا من فراغ القبر ومصير جثمان يسوع (يو20: 3-4)، وتعَرَّفا قبل بقية الرسل على يسوع عند بحيرة طبرية (يو 21: 7).
أكثر من هذا كانا مع يعقوب أخي يوحنا الثلاثيَ المُؤتمنَ عليه وعُمداء الكنيسة (غل2: 9). كان بطرس يتميَّزُ بقيادة الكنيسة بمشورةِ يوحنا ويعقوب وبمعاونتهم. كما شاركوا الصيد بقيادة بطرس يشاركون رعاية الكنيسة بقيادته أيضا. وهذا الأختيار والتنسيب بدأ قبل موت يسوع وقيامته. كانوا الشهودَ المباشرين الوحيدين لإقامة إبنة يائير(مر5: 37)، والتجَّلي (مر9: 2)، ونزاع يسوع في البستان (مر14: 22). وهكذا سيبقون معا يُدَّبرون شؤون شعب الله :" مدُّوا إليَّ وإلى برنابا يمين الأتفاق على أن نتوَجَّه الى غير اليهود وهم الى اليهود"(غل 2: 9). لكن هذا الأتفاق وهذه الرعاية الثلاثية لا تنسخُ قيادة بطرس الفردية. ومجمع أورشليم يشهد بذلك أن بطرس يحسم كلَّ خلاف داخل الكنيسة (أع15: 7) لأنه يحُّلُ ويربط (متى16: 19)، مع بقاء العمل الجماعي شرطا أساسيا لتدبير شؤون الكنيسة (متى8: 18؛ غل2: 9). ولما إستشهدَ يعقوبُ بن زبدى (أع12: 2)، تسَلَّم منصبَه يعقوبُ أخُ الرب كما ذكره بولس في غل2: 9، وكما ذكره لوقا (أع12: 17؛ 15: 13). ومثله ستتواصلُ المناصبُ الخدمية بعد موت أصحابها ويتولى غيرُهم واجبهم وصلاحيتهم. وكما يبدو من سياق الأحداث فإنَّ الرَّبَ يسوع هو الذي نظم الخدمة والسلطة بين الرسل داخل الكنيسة مع إستمراريتها عبر الأجيال الى نهاية الزمن.

• وضعا أيديهما عليهم !

إنَّ وضع اليد تُشيرُ الى أمرين. الأول الى سيادة واضع اليد أو رافِعها فوق رأس أحدٍ و بالمقابل خضوع الآخر له والدخول في خدمته. والثاني الى إشراك الآخر بالنفوذ أو السلطة التي لواضع اليد. عن تخويل السلطة للآخرين نقرأُ في سفر العدد أنَّ موسى طلب الى الله ليوكل أحدًا يخلفُه في قيادة الشعب. قال له الرب:" خُذ يشوع بن نون ...و ضع يدَك عليه وأقِمه.. خلفًا لك، وآجعل عليه من مهابتِك... فعل موسى كما أمره الرب فأخذ يشوع .. و وضع يديه عليه وأقامه خلفًا له" (عدد27: 15-23). أعطى موسى أو عَبَّر إلى يشوع سلطانه الذي كان الله قد منحه إِيّاه. حتى في حالة الشر يُحَّملُ أو يوضعُ على رأس آخر فيتحَمَّلُ وزرَه ويدفع عنه الثمن. كان في العهد القديم يُحَّمِلُ الكاهنُ خطايا الشعب تيسًا، يضع يده على رأسِه، ويُرسلُه الى البرّية حيث ينقُلها و يُخَّلصُ الشعبَ من تبعيتها وعقابها (أح16: 5-22). وفي العهدِ الجديد حمل يسوع آثامَ الناس كلهم دافعًا عنها الثمن (اش53: 5)، ومُخَّلِصًا إيّاهم من عقوبة الهلاك (1بط2: 24 -25).
أما عن الطاعة وقبول التوكيل فلنا في إبراهيم مثالٌ على ذلك. كلَّفَ إبراهيم " كبير خَدمِ بيتِه و وكيل أملاكِه : ضع يدَكَ تحت فخذي. فأستحلفكَ بالربِ إلهِ السماءِ والأرض أن لا تأخذَ زوجةً لآبني من بنات الكنعانيين.." (تك24: 2-3). فوضعُ اليد تحت الفخذ رمزٌ للطاعة. أما عن قبول دفع الثمن عن شَّر الآخرين فيبقى مثالَنا الأفضلَ يسوعُ المسيح الذي قَـبِلَ الألم و الموت الكفاري عن البشر برضاه مُطيعًا بذلك السيادة الألهية :" إن أمكن يا أبي أن تعبُرَ عني هذه الكأس. ولكن لا كما أنا أريد ، بل كما أنتَ تريد" (متى26: 39)، لأنه " يجب أن تتمَّ الكتبُ المقدسة التي تقول إنَّ هذا ما يجب أن يحدُث " (متى26: 54). فإنَّ يسوع وضعَ نفسَه مقامَ الخادم وغسل أرجل التلاميذ مُعطيًا درسًا لتلاميذه فيقتدوا به على مَّر الأجيال (يو 13: 13-15). لقد قَرَّرَ اللهُ خلاص البشرية بفدائها التكفيري ، فأطاع يسوع المشيئة الألهية حتى الموت على الصليب (في2: 8). لأنه أتى" لا ليُخْدَمَ { ليأمُرَ} ، بل لِيَخدُمَ { ليطيعَ} " (متى20: 28)، لذا أحنى ظهرَه فوضَعهُ تحت فَخْذِ صليبِ خطايا البشر، خاضِعًا لمشيئة الله ومُكَّمِلا خدمة تيسِ الفداء { حمل الله } (يو1: 29).

• إلى جهَّنمَ أنت وماَلُك !

هذه الخدمة وهذا النظام من وضعٍ إلهي. وليس في مقدور البشر أن يقتنوه ويمارسوه إلا إذا دعا الله واحدُا وخَوَّله" الخدمة والقوة لأدائها " بواسطة السلطة الكنيسة التي أقامها بنفسِه و زَوَّدها بسلطانِه. لا مالُ الدنيا ولا سلطانُها يقدرُ أن يوَّفر لأحد هذا الأمر. فلمَّا سعى سمعانُ إلى الحصول عليه بالمال والرشوة (آية 19) ردَّه بطرس خائبًا وحَذَّرَه من مغَّبة كذا تصَّرف. فإنه طريقُ الهلاك المباشر. الله يدعو ويأمر والكنيسة بآسمه تُمَّدِدُ سلطانها الألهي بوضع اليد ودون مقابل. لأنَّ الكنيسة نفسَها تخضع لمشيئة الله ولسلطانِه. وقد سُمِّيَت خطيئة نيل المنصب الكهنوتي عن طريق" الرشوة" بـ " السيمونية " تيَّمُنًا بسمعانَ خبَرِنا. و هذه إشارةٌ إلى أنَّ البشر لا يخضعون دومًا لشريعة الله ونظامِه. لكن من يفعل ذلك حتى لو أفلح ظاهريًا وبشريًا إلا إنَّ الله يرفضُه كلّيا ويرذلُ " الراشيَ والمرتشي" أبَديًا.

هذه هي الكنيسة وتلك هي خدمتُها الكهنوتية. حركاتٌ وإشاراتٌ ورموزٌ كُلُّها تصُّبُ في خانةِ العمل الألهي لأجل خلاص الأنسان، بدءًا من العهد القديم وآكتمالا بالجديد، وآمتدادًا للأجيال الأنسانية حتى نهاية العالم. يتقَّيدُ بها الأنسان لأجل تحقيق مشيئة الله ومُخَّطَطِه. ولا يجوز عليها أو يُخالفُها حتى لا تُفرَغَ من قوَّةِ فاعليتِها. الله يعملُ من خلال الأنسان ، والأنسان يعملُ عملَ الله. ويعملُه بموجب الخُطَّةِ التي رسمها له الله نفسُه. ولا ينحاز عن تلك الخطة إنمَّا يؤَّديها بدِّقةٍ وآهتمام حتى تبرزَ يدُ الله من خلال يد الأنسان المدعو لتلك الخدمة. وأدّى الرسلُ هذه الخدمة بأمانةٍ وإخلاص متفاعلين مع مشيئة الله.

• أما أنت فتعالَ آتبَعني ! يو21: 22

هؤلاء هم رسلُ الكنيسة، وهذا هو الكهنوتُ والحياةُ الرهبانية أو المُكَّرَسة. و تحتفلُ الكنيسة في هذا الأحد، الرابع للقيامة، بيوم الدعوات الكهنوتية والرهبانية أي بالذين كَّرَسوا حياتهم لله مُلَّبين دعوته في خدمةِ أبنائه المُشَّتَتين في الأرض. تصَّلي الكنيسة من أجلهم و تطلب أيضا من الرب أن يُكَّثر أعدادَ رسله ليكتفوا حاجة العالم. وتُلِحُّ على الشباب الذين يسمعون نداءَ الرب أن يستجيبوا له بسخاء. وليس أسمى من أن يكونوا رسلَ الله، أي رسلَ الحياةِ والراحةِ والهناء. كما وتُشَّجعُ الأُسرةَ المسيحية ان تُصبحَ حديقةً تنمو فيها الدعوة.


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com