الأحـد الثالث للقـيامة ! ********<>******** 2018.04.15


تتلى علينا اليوم القـراءات : أع5: 33-42 ؛ أف1: 1-10 ؛ يو14: 1-7

القـراءة : أعمال 5 : 33 – 42

الرسل يُبَّشرون بالرب يسوع شاهدين له على حياته، أقواله، أفعاله ، آياته ولاسيما موته و قيامته. مُعترفين بأنه المسيحُ الموعودُ والمنتظر، وأنه ابنُ الله الحَّي غافرُ الخطيئة ومُخَّلصُ العالم. وقد أجروا بآسم يسوع شفاء مُخَّلع الهيكل الذي لم يكن قد وقف على رجليه منذ أكثر من أربعين سنة وهو الآن يقفز ويسير(أع3: 8-16). بدأ القادة يفقدون ثقة الشعب فيقلقون. وأخذ عدد المؤمنين بيسوع يزداد، والرسل يسحبون البساط من تحت أرجلهم. هيبتهم، سلطانهم، عقيدتهم كلها في خطر. إستاءَ الرؤساءُ وآحتدمَ غضبُهم عليهم، وباتوا لا يتحملون ظلَّهم. و الديرة لا تسعُ لتيارين متنافسين. إما أن يختفي الرسل من الساحة ويبطل التبشير بآسم يسوع الناصري، أو يتحَّملون النتيجة رغمًا عنهم ويواجهون زعزعة مستقبلهم الديني والأجتماعي. ليتهم لم يقتلوا يسوع. كان وضعهم معه، وهو حي، أفضلَ من الآن بكثير. لقد طغت الآن سمعتُه ولا يقوون على تشويهها بشيء.

• بـدءُ الصراع !

فآشتدَّت نقمتهم على الرسل فسجنوهم وعَذَّبوهم وهددوهم بالقتل ليتخَلَّصوا منهم ومن توبيخ الضمير. نهوهم عن التبشير لكن الرسل رفضوا الطاعة لهم وآستمروا في إعطاءِ الشهادة عن يسوع. ولم يُبدوا أيَّة مقاومةٍ عنيفة، ولا تشَّكوا من أحد و لا شَكوا حالهم لأحد. إنما صَلّوا فقط الى الرب ليحميَهم ويُوَّفقَ كرازَتَهم ،" يا رب...لقد تحالفوا على فتاك القدوس يسوع... أُنظر الى تهديداتهم وآمنحنا نحن عبيدك أن نُعلنَ كلمتك بكل جُرأة.." (أع4: 27-29). فتكاتف الرسل وتضامنوا في العمل، وكانوا" يجتمعون فيما بينهم بقلبٍ واحد"(أع5: 12)، ومثلهم في المحبة والأتحاد قادَ المؤمنين بيسوع أيضا الى التشَّبُهِ بهم فصاروا" قلبًا واحدًا و روحًا واحدةً " (أع4: 31). ولما رفضَ الرسلُ الأنصياعَ الى تهديد القادةِ ونهيهم عن التبشير إستشاط هؤلاء غيظا وعزموا على قتلهم.

• غمـلائيل !

هنا يتدَّخل فرّيسيٌ ومعَّلمٌ للشريعة، عند قدميه أخذ بولس العلمَ الصحيح (أع22: 3)، فينصَحُ القادة الأداريين بألا يُعمِيَهم الحقدُ فيتَهَّوروا في التصَرُّف فيتعَرَّضوا لحياة الرسل. دعاهم غملائيل الى الحكمة والأيمان. فطلب منهم أن يتركوا الرسل ولا يهتموا بهم كثيرًا. وبالمقابل أن يدعوا الأمر لله نفسِه في معاقبةِ مُخَّربي العقيدة ومقاومي الشريعة. وذكَّرَهم بالثوراتِ التي قامت وآدَّعى أصحابُها أنها من الله وتبغي إنقاذ الأمَّةِ والأيمان. منهم تودس الذي ثار وتبعه أربعمئة محارب وآنتهوا بالفشل والهلاك، وزال حتى أثرُهم. كذلك ثار يهوذا الجليلي وفشل و هلك. ونطق حرفيا بما يلي :" إنَّ ما يُبَّشرون به يزول إذا كان من عند البشر. أمَّا إذا كان من عند الله فلا يُمكنكم أن تزيلوه. وأخافُ ألا تصيروا أعداءَ الله". قبلوا بنصيحته فلم يقتلوهم، لكنهم لم يُمسِكوا عنهم سُمَّ حِقدهم إلا ونفثوه فيهم فجلدوهم ونهوهم عن التبشير بتهديد. ويقولُ لوقا : " فخرجَ الرسلُ فرحين، لأنَّ اللهَ وجدَهم أهلاً لقبول الإهانة من أجل اسمِ يسوع ". و آستمَّروا يُعَّلمون في الهيكل ويُبشرون بآسم يسوع.

• خرجوا فرحين !

عبارةٌ لا ترُّن بلذّة عند جميع الناس. وهل يفرح أحدٌ ويرتاح وهو يتألم ويتعَّذب؟. ولكن يبدو أنَّ الرسلَ كانوا فعلاً " مرتاحين ". نعم لقد سمعوا معلمهم يقول أنَّ الألم ليس النهاية ولا هو عقابٌ يُرسله الله. ورأوا معلمَهم يُجلَدُ ولا يتاَّوهُ. رأوه حاملا صليب الألم وهو يُعَّزي بهدوء من يبكون عليه. كان يرى المجد في نهاية الطريق. فرأى التلاميذ أيضا أن في نهاية درب جلدِهم ينتظرهم مجدٌ لا يوصف. ففرحوا أنَّ الله إختارَهم ليشبهوا إبنه يسوع في الشّدةِ والألم والضيق لكي يُشاركوه فكر ذلك المجد. إنه فخرٌ لهم وضمانٌ قلَّ نظيرُه. ألم يُكَّلفْهم الرب أن يتمثَّلوا به ويشهدوا له؟ إنها فرصتهم لفعل ذلك. ما عاينوه في يسوع من حُبٍّ وحنان، وحَّقٍ وآستقامة، وقدرةٍ وفاعلية جعلتهم ينصهرون فيه ويأبون أن ينفصلوا عنه لأيِّ سبب كان. بل لا توجد في الكون قـوَّةٌ أو شِدَّة تقدرأن تفصِلهم عن حُبِّ يسوع وآلأقتداءِ به (رم8: 38-39). لقد رأوا مجد معلمهم وهو ضمان مجدهم. في هذا المجد إنكسرت شوكة الألم، وفيه تبَّخرَ رُعبُ التهديدات.

• أ نطيعُكم أم نُطيعُ الله ؟

الحَّقُ لا يسودُ بالعنف بل باللطف والمحبة، والخيرُ لا يتحَقَّقْ بالأرهاب والأهانة. ولا يقدر الشَّرُ والعنفَ إيقافَ الحق والخير، أو منعه من الإنتشار. لأنَّ الحَّقَ والخيرهما الله ذاتُه. فالله الخالقُ السَّيد المطلق إستعملَ الحب والحق. في حين يستعمل الإنسان المخلوقُ والواهنُ الحقدَ والعنفَ والسوء. الله يجُّلُ المسكين ويرحم الخاطيء، أما الأنسان فيحتقرُ البار ويكسرُ البائس وينبذ البريء. فأَّيُهُما أولى بالطاعة :" الله أم الأنسان"؟. لقد إختبرَ الرسلُ "أنَّ الطاعة أفضلُ من الذبيحة" (1صم15: 22)، كما إختبروا أن تهديدات البشر" غيومٌ لا ماءٌ فيها تسوقُها الرياح.. ومثل أمواج البحر زَبَدُها عارُهم " (يهوذا12-13؛ 2بط2: 17). عرفوا أنَّ يسوعَ المسيح وحدَه يضمن الحَّقَ والحياة لأنه" وحدَه الطريقُ الى الآب " (يو14: 6)، وفيه يجمعُ اللهُ كلَّ شيء (أف1: 10)، وهذا يسوع المسيح عاينوه، رافقوه، آكلوه وتقاسموا معه الحُلو و المُّر، وشاهدوا صلبه وموته وقيامته، وقد أقامهم شهودًا على ذلك فلن يتخَّلوا عن الحقيقة ولا يتخَّلفوا عن أداء الواجب. لقد تعاقدوا معه على الموت والحياة وعلى الذُّل والمجد. وقد كان غملائيل مُحِّقًا أن ينصحَ بآحترام الرأي المقابل وقناعة كلِّ فرد، وبعدم فرض العقيدة الخاصّة على الآخرين بعنف، وعدم الدفاع عن حَّقِ الله فاللهُ قادرٌعلى الدفاع عن حقوقِه، وهو أولى بأن يحكم على فكر الناس وأفعالهم، وأنْ يُطاعَ أمرُه على حساب أمر البشر. وهذا أعظمٌ درس للأنسان أن يثقَ بالله ويحترمَ بني جِلدَتِه ولا يلوذَ بالأهانةِ والعنف والتعذيب للدفاع عن الحَّق. فالسكوت على الظلم والضيم أفضل من تدمير حياة الآخرين.

القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com