الأحـد الثاني للقـيامة ! * * * * *<>* * * * * 2018.04.08

عـيد الرحمــة الألهـــية


تتلى علينا اليوم القراءات : اش55: 4-13 ؛ كو1: 1-20 ؛ يو20: 19-31

القـراءة : اشعيا 55 : 4 - 13

بعد مقَّدمةٍ عن المسيح، المرموز إليه بشخص داود، بأنه يُقيمُه الله " رقيبًا للأمم" و" قائدًا روحيًا" عليهم بحيث يدعو جميع الشعوب وتتبعُهُ حتى الأمم التي لا تعرفُهُ، يعودُ فيتطَّرقُ النبي الى الخيرات التي سيُوَّفرُها الله ويُكَّثرُها للشعبِ بعدَ عودته من السبي الى أرض الوطن. ليس الشعبُ دومًا مُقتنعًا و واثقًا بكلام الله و وعودِه، لا لأنَّ الله غيرُ قادر على ذلك. بل لقد برهن على أنه قادرٌعلى كلِّ شيء. إنما لأنَّ الناسَ يريدون أن تسيرَ الأمورُ كما هم يُفَكِّرونها أو هم مُتعَّوِدون عليها، لاسيما لأنَّ الأمم المجاورة تسلك كذلك.

• ليست أفكاري وطرُقي مثل أفكاركم وطرقكم !

هنا يتدَّخلُ الله ويريدُ أن يفهَمَ الناسُ أنَّ الله ليسَ بشرًا ليخضع مثلهم للحواس. لا ينحازُ الله مثلهم إلى الرغبات الحسية لأنه لا حِسٌ فيه ولا شر. وبينما يجهلُ الناسُ الحقيقةَ والمستقبَلَ ويبغون أنانيتهم لا فقط يعرفُ اللهُ كلَّ شيء، وأنه هو ألِفُ الوجودِ وياؤُه (اش44: 6)، بل و أنه يهتم بكل البشر ويريدُ خيرَهم. يريدُ الناسُ من الله أن ينزلَ إلى مستواهم. ويتعاملَ على ضوء الرغبات والملذّات الحسية. والناسُ قد حادوا عن طريق الحَّق والعدل وجهلوا الصِدقَ والأستقامة. فيفضحُ الله سلوكهم قائلا :" أعمالكم أعمال الإثم، وأفعالُ أيديكم ظُلمٌ. أفكاركم أفكارُ الأثم، وفي مسيركم خرابٌ وهدمٌ. طريقُ السلام لا تعرفونه... جعلتم سُبُلكم مُعوَّجة " (اش59: 6-9). يريدُ الناسُ أنْ يغُضَّ الله الطرفَ عنهم، بل وأن يُعينهم على فسادِ سيرتِهم. وهذه هي مأساة البشر الأزلية رغبتهم في أن يلتويَ اللهُ معهم. يرتاحون الى إلَـهٍ يتخَلَّقُ بأخلاقهم. ومار بولس يقول " تخَّلقوا بأخلاق الله " (في2: 5)

• وأنا أعطيتكم ما تقتدون به ! يو13: 15

وبعكس الناس يدعوهم اللهُ الى التعَّلمِ منه والأرتفاع إلى مستواه هو. الأنسان جزءٌ من الله ، من روحه. وجودُه صورةٌ من وجود الله وحياتِه. عليه من المفروض، وهذا ما يريدُه الله، أن يسلك الناس في المحبة والإخاء ويمارسوا العدل والرحمة ويتجَنَّبوا الشَرَّ. هذا ما أوضحه المسيح ودعت اليه الكنيسة منذ نشأتها. فهذا بطرس يؤكدُ بأنَّ اللهَ " جعل من نفسِه قدوة ليسيرَ الناسُ على خطاه" (1بط2: 21). وهذا بولس لا يني من حَثِّ الناس على الأقتداءِ بالله (اف5: 1). وإذ لا يرون الله بعين الجسد لا يترَّدَدُ في أن يُقَّدمَ لهم نفسَه نموذجًا يُقتدَى به لأنه يقتدي هو بالله قائلا :" إقتدوا بي، كما أنا أقتدي بالمسيح "(1كور11: 1؛ 1كور4: 16؛1طيم1: 16 ؛ في3: 17 ؛ و4: 9). إلَـهُ العهد القديم هو نفسُه في العهد الجديد. كذلك الناس. حاولَ القادة اليهود أن يُخضعوا المسيح لآرائهم ورغباتِهم، ورفضوا أن يرتفعوا الى مستواه، فنبذهم يسوع. البشر مدعوون أن يتصَرَّفوا كـ" آلهة "!، ونموذجهم اللهُ نفسُه، لكنهم يريدون إلَـهًا يُملون عليه شروطهم، ويقتدي هو بهم.

• كلمتي لا ترجع فارغةً إليَّ !

لا يُمكن أن يتوَّهم الله حتى يتراجع كالبشر عن كلامه أو يُغَيرَ أمرَه. بما أنه الخالق القدير، و والعارف الحكيم، والأبُ المُحِّب فهو لا يمكن أن يصدرَ عنه غير الصواب البَنّاء، ولا يمكن للخليقة إلا أن تتجاوبَ معه وتُنَّفذ أمرَه. كلامُه مُطاع، ومشيئتُه تتحَقَّق. وبدِقَّـةٍ حسب خطته المرسومة. ليست كلمة الله ناقصة حتى يرذلها الناس. ليست جائرة حتى يهابها الناس. ليست ملتوية حتى يُقاومها الناس. ليست ضعيفة حتى يزدريها الناس. ليست أنانية نفعية حتى ينبذَها النلس. إذا نطق الله فهو يعرفُ ماذا يريدُ، ولماذا يريدُ، وكيف يتفاعلُ نطقه مع كائناتِه. وقدَّم النبيُّ نموذجًا ُسَّهلُ فهم قول الرب. المطر والثلج. ينزلان من السماء ولا يعودان اليه. ولا ينمحيان. بل تمتصُّهما الأرض فيُرويانها. ثم يُنبتان زرعًا، فيُنَّمـيانه الى أن يُعطيَ الثمار المطلوبة منه. هكذا مشيئة الله تعملُ ما شاءَ الله أن تعملَه. لا كما يريده أو يتوقعه البشر بل كما يشاؤُه الله لأنه أدرى بمصلحة الأنسان. لمَّا أخبر الله موسى عن إخراج بني إسرائيل من مصر حَقَّقَ كلامه ، وتوالت الأحداث بشكل مُنَّظمٍ تخلله ضيقٌ وشدَّة ، خوفٌ ورُعبٌ ورجاءٌ وفرح. الكون والناسُ والعناصرُ كلُّها نفذَّت كلام الله. تشابكت الآمالُ بالخيبات وتعاقب اليأسُ والرجاء. لم يفهم الشعبُ خطَّةَ الله. تذمَرَّ أحيانًا، شطَّ عن الأيمان أحيانًا أُخرى. لم يقتنع دومًا بأنَّ ما وُعِدَ به يتحَقَّق. ربما تخَيَّلَ نجاته بشكل آخر. ربما شَكَّ بأنَّ اللهَ قادرٌ على تنفيذ وعدِه. لكن الخلاص تمَّ فعلاً، وبقدرةٍ فائقة لم تخطر ببال أحد. لو لم تستجب الطبيعة والكائنات لأمر الله لزالت من الوجود. أما يبست التينة التي لم تُوَّفر ثمرًا ليسوع حالا بعد لعنها ؟(متى21: 19).
ليس كلام الله مثل كلام البشر ليفشل في تحقيق ما يريد. كلام الله هو خلقٌ بحيث قال الله " كن" فكان. إنما لا تظهر دومًا بهذا الشكل البدائي. كلام الله تخطيط لتحقيق هدف مشروع الخليقة بشكل عام. يظهر فقط عند حدوث "معجزة" ما بتدخله المباشر. يدفع البشر الى العمل ويسمح حتى بأخطائهم ليحمي حريتهم لكنه في الأخير تتحول الأحداث الى ما يريده الله. هكذا سمح لأولاد يعقوب أن يبيعوا أخاهم يوسف وأن يعاني يوسف متاعب وضيقات حتى اوصله الى عرش مصر لينقذ حياة نواة شعب الله ويبني هذا الشعب في مصر فتنفتح عيونه وأذهانه على الحضارة والأدارة والتنظيم فيكون جاهزًا لتكوين دولةٍ خاصة به ويعيش في كنف الله مستقلا عن إلحاد العالم ومساوئه. لم تفشل كلمة الله بل تحَقَّق ما أراده. وقال يوسف لأخوته بأنَّ الله قاد الأحداث هكذا ليتحقق هذا الخير. ومن خلال هذا الشعب، والذي يُكَّملُه ويُمَدِّدُه ، سيُعيدُ الله الأنسان الى الفردوس الذي فقدَه فيتمتع بخيرات الله الأبدية. هكذا بينما يفكر البشر ويُدبروا شؤونهم من أجل الحياة الزمنية وبتفضيل ذواتهم على الآخرين، يفكرُ الله ويُدَّبر أمر البشرية جمعاء ومن أجل الراحة الأبدية. وبينما تفشل كلمة الأنسان ويعجز أمام أشياء كثيرة كالمرض والكوارث الطبيعية تعمل كلمة الله وتُحَّقق مشيئته لأن كلمته هي الوجود والقدرة والحياة. يقول الرب :" كلامي روحٌ وحــياة " (يو6: 63).

القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com