الأحـد عــيد القــيامة ! * * * * *<>* * * * * 2018.04.01


تتلى علينا اليوم القـراءات : اش60: 1-7 ؛ رم5: 20 – 6: 14 ؛ يو20: 1-18

القـراءة : اشعيا 60 : 1 – 7

" قومي آستنيري ، فقد وافى نورُك، وضياءُ الرَّب أشرق عليكِ ". هكذا حَفَّز النبي القُدسَ أن تستفيقَ على ما يجري حولَها. لقد بدأ بنو إسرائيل بالعودة من سبي بابل وتعمير مدنهم و لاسيما إعادة بناء الهيكل. وقرأنا في الأحد الماضي في زكريا النبي عن تلميحه بقرب تحقيق وعد الله بإرسال الملك المخلص لأنهاء تيَّتم الأنسان وبعده عن المشاركة في حياة الله . والمخَّلص الموعود سيُعيد إلى الأنسان كرامته ويُحّررُه من سلطان الشر. فبدأت تهيئة الأذهان والقلوب. وسبق اشعيا فألمحَ الى ذلك، وعَرَّفَ الملك المسيح بـ" نورالرَّب". والنور عند يوحنا الأنجيلي هو " الحياة ". وحياة الله هي نور وجود الكون وما فيه من كائنات. (يو 1: 4). وهكذا تكون نبوءة اشعيا تشير الى " الكلمة الألهي الذي هو نور الحَّق" (يو1: 9)، فتستمتع المدينة بالمسيح الآتي بالحياة بعد شقاء السبي.

• قال الله :" ليكن النور" ! تك 1: 3

هكذا عَبَّر الكاتبُ المُلهَم عن الحياة التي أعطاها للكون وللزمن الذي باشر مسيرته إستعدادًا لخدمة قمة الكائنات ألا هو الأنسان. وقد شَبَّه الوحيُ الحياة منذ البدء بالنور لأنَّ النور حلوٌ ولطيفٌ ومريحٌ ومُطَمئنٌ ومُعين للكائنات إذ على ضوئِه تتمَيَّز دربَها ويُسَّهلُ لها الحركة و العمل من أجل إدامة الحياة. وهذا النور/ الحياة جاءَ من الله. إنه جزءٌ من حياة الله نفسِه. هو الوجود الحَيُّ أساس كل حركة ونُـمُّوٍ. وإذا غاب هذا النور إنتهى الوجودُ نفسُه.
فهذا النور روحِيٌّ أزليٌ موجود قبل أن يعرفه البشر ويُحِّسوا به. جسَّدَه اللهُ في شكل محسوس ملموس في بعض أجزائه، ينمو ويشُّع الى أن يتحَّولَ بدوره، في النهاية، الى شكل روحاني ، أو بالحري يستعيدُ في الله وجودَه الفكري الأزلي. وهكذا يختم الوحي إلهامه بالإخبار عن سماءٍ جديدة وأرضٍ جديدةٍ (رؤ21: 1) وأورشليم جديدة حيث يزول الظلام " لأنَّ الرَبَّ الأله يكون نورَهم" (رؤ22: 5). وما رأه اشعيا وتحَدَّث عنه رأه يوحنا بعد ثمانية قرون و وصفه كالآتي :" لمْ أرَ هيكلاً في المدينة، لأنَّ الرَبَّ .. هيكلُها والمدينة لا تحتاجُ الى نور الشمس والقمر لأنَّ مجدَ الله يُنيرُها والحملُ هو مصباحُها. ستمشي الأممُ في نورِها ، ويحملُ ملوكُ الأرض مجدَهم إليها" (رؤ21: 22-24). كلُ مجد البشر وكل نور مخلوق سيزول أمام مجد الله ونوره. وسيتم ذلك شيئًا فشيئًا. يشرقُ نور الرب ومجده أولا على مدينته وشعبِه، الذين عرفوا الله ومسيحَه، ثم يشملُ كلَّ الأبرار الذين" أسماءُهم مكتوبة في كتاب الحياة" (رؤ21: 27). أكد اشعيا ذلك :" أنا أكون نورك الأبدي " (اش60: 19). وأعاد يسوع المسيحُ القول فأعلن أنه هو "نور الحياة". وقد قالها صراحةً " أنا نور العالم. من يتبعني لا يمشي في الظلام، بل يكون له نورُ الحياة " (يو8: 12). أي تكون حياته صحيحة وسهلة ومريحة. يشرقُ نور المسيح على مدينة الله ويعرف العالم أن لا حياة له، لا راحة ولا مجد ولا وقار، بدون المسيح. ستعترف الشعوبُ بأنَّ نور حياتها مُزَّيَفٌ وقاصر وأنها بحاجة الى المسيح فستلجأُ الى نورِه.

• ضياءُ الرب أشرق عليكِ !

إن كان نور الحياة الزمنية أشرق في بداية الحياة الزمنية في الكون فها هو الآن نور الحياة الأزلية/الأبدية ، نور الحياة الألهية الروحية يشرق على الأنسانية بمجيء المسيح ، ويعلنُ بالقيامة نصرَه على ظلام الشر والفساد. فالقيامة إنتصار نور الحق والبر، وآنتشار الراحة والبهجة. وهذه قيمٌ روحية لا علاقة لها بالحركة والنمو. فأولى المسيح القيم الروحية مكانة أسمى وأهمية أفضل. حتى قال :" إكنزوا لكم كنوزا في السماء" (متى6: 20). فالقيامة أثبتت أنَّ الخلاص هو أعظم الكنوز. فيوم القيامة أعظم عيد. وإذ قال عنه المزمور"هذا هو اليوم الذي صنعه الرب" (مز117: 24)، قال عنه النبي :" يسود الظلام الكثيف حواليكِ، أما عليكِ أنتِ فيشرقُ الرب، وفوقكِ يتراءى مجدُه" (آية 2). الشعوب الوثنية السائرة في طريق العالم يُغَّطي عليها ظلامُ الشَّر. أما الذين آمنوا بالله فالرَّبُ يُنَّورُ لهم درب الحق والبر، ويحميهم من سوء الأشرار. هكذا فعل مع شعبِه عندما أخرجه من مصر، أضاءَ طريقه ليلا بعمودٍ من نار وحماه نهارًا بعمود من سحاب (عدد14: 14). وهكذا فعل يسوع مع لصّ اليمين، لما تاب وطلب الرحمة، فوعده بخير الخلاص، الملكوت. أضاءَ نورُ الرب في حياته وأشرقَ مجده عليه للأبد. وهذا النور الألهي الذي أحيا وأراح كان المسيح ، الأله المتجسد، الذي أخبر عنه إشعيا ، كما تحَّدث عنه زكريا ، وكما حَدَّد دانيال زمن مجيئه، لقد حضر بين البشر. ونصرُه المجيد بقيامته ثَبَّتَ سلطانه الكوني.

• أنتم نـور العالم !

وبنور الله يتحَّولُ الأنسان المُؤمن أيضًا الى " نور". " أنتم نورُ العالم " يقول الرب يسوع لتلاميذه. أصبح المؤمن بالمسيح " مسيحا آخر". " حياتي هي المسيح.. فلست بعدُ أنا الحَّي. بل المسيحُ يحيا فيَّ " (غل2: 20). لأنَّ المؤمن يُصلبُ بالمعمودية مع المسيح ويموت عن نفسِه ليحيا مع المسيح وله. ومن صُلبَ مع المسيح يقوم أيضا معه، فيُصبح معه ومثله "نورًا " (رم6: 3-6)، لأنَّ "الربَّ جعلَ النور يُشرقُ في قلوبِنا " (2كور4: 6). هكذا أصبحنا نورًا للآخرين لاسيما للذين لم يعرفوا المسيح بعدُ. فما دام لنا النور لنسْلكْ على ضوئِه (اف5: 8). وما دمنا نحن نورًا لا نسمح أن ينطفئ ضوءُه فينا فلا نتحول الى ظلام (لو11: 35). تقول لنا الكنيسة اليوم :" قوموا إستنيروا " بقيامة المسيح ، ولا تدعوا ظلام العالم يخفي نوركم. سيروا في نور الله حتى " يُضئَ إيمانُكم قـدام الناس ، فيروا أعمالكم الصالحة ، و يُمَّجدوا أباكم السماوي " (متى5: 16). العالم حوالينا يكتنفه الظلام ويتخَبَّط فيه. والمؤمنون المُطَّعَمون فيه مدعوون أن يتحَّركوا فيه من الداخل ويُشيروا الى طريق الحَّق، ويسلكوا سبيل البِر ليتعَّلمَ أهلُ العالم منهم كيف يسلكون بطهارة السيرة. ليس المؤمن بالمسيح مُتفَّرجًا بل وقودًا يُحرقُ الشَّر من الداخل ويدفعُ عجلة الأنسانية إلى قداسةِ السيرة وهــناء المصير.

القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com