جـمعـة الآلام 30/3/2018

عـــيد الخـــلاص


" لا تبكوا عليَّ .."
ولما ذهبت النسوة الىى القبر لتحنيط يسوع سمعن الملاك يلومهن : " لماذا تطلبن الحَّيَّ بين الأموات ". لماذا أنتن متعَّلقات بالألم؟. لماذا لا ترين غير الألم؟. لماذا سَدَّ الألم عليكن كلَّ المنافذ الأخرى للحياة ؟. أ لا يوجد شيء أبعدَ منه؟. بل لقد رأى الأنجيل فعلا أبعد منه. نعم لألم يسوع أبعادٌ أخرى: إنشَّق حجاب الهيكل، وآنفتح بذلك الطريق الى الله. سَدَّته خطيئة أبوينا وحُرمنا بذلك نعيم رفقة الله. موت المسيح فتح طريقنا الى الله من جديد. الأرضُ تزلزلت، في البدء مرةً أولى ونالت الحياة (تك1: 3). وها هي تتزلزل مرَّةً أخرى لتُجَّدد الخليقة كلها وبالأخص الأنسان. فآنفتحت القبور وقام أبرار العهد القديم ليتمتعوا برؤية الله وجهًا لوجه. يقول مار بطرس" فآنطلق يسوع ( الى الجحيم) يبَّشر الأرواح السجينة .."(1بط3: 18-20). مع يسوع قام آدم ونوح وإبراهيم وموسى وايليا و داود واشعيا ..وكلَّ ابرار العهد القديم وتمتعوا بالسعادةِ الكاملة.
لم يكن ألم يسوع هو نهاية المطاف، بل كان إنتصار القيامة هو النهاية. يقول المثل : وراء كل جبل سهلٌ، و بعد كل شِدَّةٍ أو ضيق إنفراج وراحة. فآلام يسوه تدعونا الى التطلع الى النهاية لا الى المسيرة وحدها بل الى النتيجة في إطار مصير الحياة. ونحن نعيش حياتنا و أحداثَنا على ضوء آلام المسيح وقيامته. لأننا نحن تلاميذ يسوع. واجه يسوع الضيق والألم وحتى خطر الموت وتحَّداها كلَّها حتى آنتصر. ونحن أيضا نواجه تحَّدياتٍ ومضايقاتٍ و آلامًا وأمراضًا موجعة. نقلق كثيرًا. ونتشَّكى بمرارة. ونتذَّمرُ على الله و أحيانا بقسوة. وقلما نعتبر أنَّ تلك الآلام ليست النهاية. نادرًا ما ننتظر النتيجة، وقليلا جدًّا نستذكرُ مواقفَ يسوع وتعليمه. بل نستمِرُّ نلوك آلامنا ونجتَّرُ معاناتنا، وقلما ننظر الى يسوع أو نصغي اليه.
مع أنَّ الروحَ القدس معنا : يُذَّكرُنا بكلام يسوع، ويعيننا على فهمِه ويساعدنا على تطبيقه لنأخذ درسًا من آلام يسوع. رفض يسوع الألم لذاته لكنه وثق بالآب أنَّه لخير أعظم من حياته الشخصية. رأى أبعد من ضيقه وألمه. لذا صبر. عرفَ أنَّ الآلام لا تكتمل إلا بالقيامة. وأنَّ القيامة مرتبطة بالآلام و لا يمكن فصلها عنها. درب الألم قاد يسوع الى الصليب، والصليب قاده الى القبر. ولم يرَ الرسل والأصدقاء والتلاميذ غير ذلك. وكلهم نال منهم اليأس : لقد زال الحلم وآنتهى بحسابِهم كل شيء. لأنهم لم يروا غير قبر فيه ميت. نسوا قول يسوع أنَّ موتَ حبةِ الحنطة المدفونة في قبر الأرض يقودها الى حياة جديدة أفضل إذ تحملُ مئات الحبات. وتلك المئات عشراتِ مئات تالية جديدة. كذلك ننسى نحن أن بيض العيد الملَّون يرمزُ الى قبر المسيح الذي منه خرجت حياة جديدة سعيدة لا أحد يقدر أن يُعَّكر صفاءَه. فالقبر يحتوي على أفضل الحياة. لم يُبالِ الرسل بنبوءة يسوع بقيامته. ألم الموت والقبر حجب عنهم كلَّ رؤية لحقيقة ما يجري. شخص واحد فقط ، لا غيرُه، تطلَّع الى أبعد ورأى ما لم يره غيرُه.
إنها أمُّ يسوع المكلومة والمحترقة لألم وحيدها البار. ويقول عنها الأنجيل كانت واقفة تحت الصليب، يعصر الألم قلبها الوالدي، لكنها لا تذرفُ حتى ولا الدمع. لأنها تُشغلُها رؤية أبعد . مريم مؤمنة و واثقة بوعود الله. تعرفُ أنَّ الألم والموت يؤول الى حياة أفضل للبشرية حمعاء. كانت تقَّربُ ذبيحة ابنها التكفيرية وتقَرِّب معها قربان قلبها وحبها. فوقفت كصخرةٍ تحت الصليب تتكَّسرُ على إيمانها وثقتها بالله أمواجُ عاصفة الشّرير الهوجاء. لم يقوَ ابليس على تحطيم رجائها. آمنت أنَّ الصليب لم يكن هو النهاية بل إنتظرت فرح القيامة. فالأيمان وحدَه قادها الى الطمأنينة والصبر، وفي النتيجة الى الفرج.
الكون كله. الحياة كلها مرتبطة بحدث الصلب. مصير البشرية كله متوقفٌ على ما بعد الصلب. ساعتَها لم يشعر الناس بعظمة الحدث. لم يفهموا عمق محبة الله وقُـوَّتها، ولا قدَّروا سعة إهتمام الله بهم. تماما مثل الطفل الذي لا يحُّسُ لا بعظمة تكوينه ولا بفرح ولادته. كانت الآلام والصلب مرحلةً الى عملية الخلاص والفداء بالقيامة. والخلاص والفداء هي خلقٌ جديد و ولادة ثانية بقوة كلمة الله الحيَّة. ومثل كل ولادة بدأت بالألم والحزن والقلق والخوف. ومثل كل فداء إقتضت ذبيحة وقربانا تكفيريا. ومثلها يبدأ كل مشروع حيوي بالقلق والمخاطرة. دراسة ، إيجاد عمل ، إقامة، بناء كنيسة. أتذكرُ يوم وافقت البلدية على تخصيص أرض هذه الكنيسة لنا وجرى الأحتفال بـ" الحفر الأول" سنة 2010 كان البعض يقول :" عيش كديش .. شبعنا من المواعيد". وعند وضع الحجر الأساس في 17/12/2016 قال غيرهم :" من يدري كم عشرات سنين أخرى سننتظر. هذا إذا قام البناء أصلا !!". وها نحن الآن نقيم فيه عبادتنا منذ 8/12/2017. مرَرنا بمراحل صعبة ، وأحيانًا مُخَّيبة، لكنها إنتهت بحلاوة الأنجاز والراحة والفرح. لأنَّ من بنى الكنيسة هي مشيئة الله، ومن دفع المؤمنين الى التبرع كانت مريم العذراء. النتيجة كانت تمجيد الله و راحة المؤمنين.
الصلب والقبر والألم كانت لأجلنا لنفهمَ الحياة بعمق. لقد تألم المسيح لأجلنا حتى لا نتعَذَّبَ نحن. بل نتمتع بالراحة والهناء. مات المسيح حتى نحيا نحن بكرامة ومجد. لقد أعادَ الأبنَ الضال إلى حضن الله وأسكنه جنَّته التي فقدها حينا. عاد الأنسان الى خانة الله ليتمتع براحته. حياتنا مرتبطة بحياة الله : وجودنا منه، ومصيرنا إليه. بدأنا حياتنا مع جدنا الأول بالخطيئة فلفنا الضيق والألم ، لأننا خسرنا إمياز صداقة الله. لكن الله لم يفقد حُبَّه لنا. وقرر أن " يُخَّلِصَنا " فينقذنا من ورطتنا. قرر أن" يفديَنا " فيدفعَ ديننا و"يشترينا " من ابليس غاوينا. فما الآلام والصلب سوى سلوك هذا الدرب ، درب الطاعة لمشيئة الله. وآستعادة حرية التفاعل مع مشروع الله للأنسان. ولتحقيق ذلك :" كان يجب لآبن الأنسان أن يتألم أولا ثم يدخل الى مجده"، فينال حَّقَ ممارسة القضاء على الكون كله. هذا الحَّقُ حُرّرَنا نحن البشر من الأنزلاقِ إلى حفرةِ الكذب والدجل. الحَّق أنار دربنا الى الأحساس بمحبة الله والثقة برحمته الأبوية. والحُّب غفر لنا ، على الصليب ، إثمنا
فالصليب فتح عيوننا على محبة الله التي تفوق كلَّ حد. نشُّك أحيانا بمحبة الله لنا. قال الكتاب أن المسيح أحبنا الى الغاية. وما من حُبٍّ أعظم من حُبِّ من يبذل نفسَه عن أحِّبائِه. وقد مات الله فعلا لأنه أحَّبنا بدون قياس. أنتم الآباء وألأمهات هل أذيتم يوما أولادكم لأنهم أهانوكم أو أذوكم، أو بطلتم من أن تُحِّبوهم؟. ويسوع أحبَّ الذين إزدروا به، وسخروا منه وبصقوا عليه وضربوه وجَرَّحوه وأهانوه، وغفر لهم !!. الصليب نوَّر أذهاننا فرأينا قدرة الله التي تفوق كلَّ قدرة وطاقة بشرية. لما كان الله قادرا على إفنائِنا ترحم علينا وغفر لنا وعلَّمنا أن القوة ليست في الذراع والسيف بل في اللسان والكلمة اللطيفة. الصليب بيَّنَ للأنسان كم إنه عزيزٌ وغالٍ على قلب الله حتى فداه بحياته! الصليب أظهر كم أن الطاعة لله مثمرة ومفيدة. بعدم طاعة أبوينا الأولين خسرنا حريتنا وكرامتنا ومصيرنا. أما بطاعة يسوع وقبوله الموت في أقسى الآلام فآستعددنا كرامتنا و تعلمنا كيف نُحَّول الآلام الى نعمةٍ وبركة. تعلمنا أن نحمل أثقال بعضنا البعض ولاسيما تخفيف آلام المبتلين منا من ذوي الحاجات الخّاصة. تعَّلمنا أن نحمل بصمت وراحة نفس ضيقاتنا ومعاناتنا ومظالمنا دون تذمر أو تشَّكٍ. الصليب أظهر كم أنَّ الحُّبَ ناجحٌ في علاج أمراض البشرية ومشاكلها. الصليب أظهر كم أنَّ الرجاءَ والثقة بالله هي طريق معالجة الضيق والألم. لأنَّ الصليب تحَّولَ الى علم النصر وإلى إكليل الغار. وعلَّمنا أن نحيا مع الآخرين ومن أجلهم. علمنا أننا صُلِبنا معه عن العالم، ورغم أنه أخرجنا بالصلبيب عن روح العالم وعن آتباعِه، إلا إنه زرعنا في العالم ، لا لنعدُوَ منه الشرَّ والفساد، بل لنُطَّعِمه نحن بروح الله و نشهد أمامه ليسوع عندما نُجَّسدُ حياته فينا ونطَّبقُ تعليمه في سلوكنا اليومي. عالمنا اليوم مليءٌ بالمشاكل والصعوبات والآلام والمعاناة. ودواؤها الناجع يوجد عند أقدام الصليب. إنه الحب والتقدير والجاوب مع مشيئة الله. هذا الحب الذي ينبع من الأيمان بقوة الصليب المتجلية في الصبر على الظلم والضيم والضيق. لا نتوقف إذن عند الألم بل نتابع المسيرة ونتطَّلع الى النتيجة، بآتكلنا على الله كما فعل المسيح. ولم يُخَّيبه الله بل إستجاب له. وقبول صلبان حياتنا بطواعية وحملها بهدوء وراحةِ البال. وقد سبق ونبَّهنا أننا ما دمنا تلاميذه فلا مفَرَّ من عِداء العالم وأهله لنا، ومطاردتنا و معارضتنا و حتى إضطهادنا. لكن ذلك يؤول الى فخرنا. لأننا نتشَّبه في ذلك بيسوع نفسه ، بل ونشترك في حياته. ويرى الرسول ضرورة التشَّبُه أولا بآلام يسوع كي نتأَّهلَ لمشاركة مجد قيامته (في3: 10-11). وهذا لن يصعب علينا إذا واجهنا صلباننا وحملناها بقدرة الله. (2كور4: 7-12). ذلك " لأنَّ الشدة الخفيفة العابرة تُعِّدُ لنا قدرًا فائقًا أبديًا من المجد. فإننا لا نهدفُ الى ما يُرى ، بل الى ما لا يُرى" ، فلن نصبو أونطلب أمجاد الدنيا . لأنَّ " الذي يُرى هو الى حين. أما ما لا يُرى فهو للأبد" (2كور4: 17-18).

القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com