الأحـد السـابع للصــوم ! * * * * * <> * * * * * عــيد الســعانين 2018.03.25


تتلى علينا اليوم القـراءات : زك9: 9-17 ؛ رم11: 13-24 ؛ 20: 29-21: 22

القـراءة : زكريا 9 : 9 – 17

زكريا النبي عاصر البدء ببناء الهيكل الجديد (سنة 520ق.م) على يد زُرُبَّابل (زك4: 8-9)، وأرشد البنّائين هو والنبي حجَّاي (عز6: 14)، ولا يظهرُ عند تدشينه (سنة 516ق.م). إنها فترة المخاض الجديد بعودة الشعب الى وطنه بعد سبعين سنة من المنفى في العراق. تختلط الأفراح بالأحزان والآمالُ بالخيبات. حياة جديدة تظهر في ظروف جديدة. كان المنفى نتيجةً حتميةً للتخَبُّطِ السياسي من جهة ومن أخرى للتمادي في تأليهِ الذات حتى صار بنو إسرائيل لا يعترفون بإلَهِهم ويعارضون علنًا وبتصميم شريعتَهُ. لقد توَّثنوا رغم الأحتفاظِ بجِلدِهم الأيملني المُزَّيَف. لقد كرَهَ اللهُ عبادتَهم الحرفية الفارغة من الروح. كرَهَ " ظلمَهُم للأرملةِ واليتيم وإهمالَهُم للغريبِ والمسكين ، وغدرَهُم لبعضِهم البعض، وزيغَهُم عن العدلِ ، وآبتعادَهم عن الرأفةِ والرحمَة. وبالأخَّص عنادَهم في تجاهُلِهِم المُعلنِ للأصغاءِ الى كلامِ الشريعةِ والأنبياء " (زك7: 8-12). وقد كلَّفَ اللهُ زكريا بأنْ يدعُوَ الشعبَ بآسمِه الى التوبة ،" إرجَعوا إلَيَّ، فأرجَعَ إليكم " (زك1: 3). ولما إعترفَ الشعبُ بذنْبِهِ وتابَ (زك1: 6) دعاهُ اللهُ وحَرَّضَه على العودةِ الى الوطن ،:" هَيَّا ، هَيَّا أُهرُبوا .. هَيَّا الى النجاةِ يا أهلَ أورشليم المقيمين في بابل. من يمَسُّكم يمَسُّ حدقةَ عينِه" (زك2: 6-8). وخَطَّ لهم الدربَ الذي يسلكونه :" كَلِّموا بعضُكُم بعضًا بالحَّق. أُقْضُوا في محاكِمِكم بالعدل ليَحُّلَ السلام. ولا تفَّكروا شَرًّا في قلوبِكم ، الواحدُ على الآخر. ولا تُحِّبوا يمينَ الزور" (زك8: 16-17). وهكذا فالشعبُ الذي صار يومًا، بسبب آثامِهِ وعنادِهِ في الشر،" لعنةً بين الأمم"، رحمَهُ الله وسيُصبحُ، هذه المرَّة بسبب سماعِه كلامَ الله وسلوكِهِ طريقَ البر، " بَرَكةً "(زك8: 13-14) تتـمَّناها الأمَمُ، و" يأتي شعوبٌ كثيرون وأُممٌ أقوياءُ لآستعطافِ الرَّبِ القدير وآلتماسِ وجهِهِ" (زك8: 22).

• إبتهجي يا صهيون !

لقد إقتربَ الخلاص: الآن لِمَسْبيي البشَر في بابل، وفي المستقبلِ البعيد للأسرى في جُبِّ الشَّرِ والفسادِ حيثُ سباهُم ابليس. ما يحدُثُ الآن رمزٌ لما سيفعَلُه اللهُ على يد إبنِهِ الحبيب عندما يُحَّررُ فكرَالأنسان ويُنَّقي قلبَه من الإثم والخطيئة. الآن يعودُ المسبيون الى وطنِهِم الأرضي. أما على يدِ المسيح فسيعودون الى فردوس الآبِ المفقود. مع المسيح ستتغَيَّرُ الأمورُ وستقومُ مملكةُ الحَّق والبرِّ الألهيَيْن على أرض البشر. ستتبَدَّلُ المفاهيمُ وستنقلبُ المقاييسُ. سارَ الشعبُ كثيرًا على دربِ أهلِ العالم وقادتِهِ وعاداتِهم ولاسيما تفضيلِهم حُبَّ : الظهورِ والأفتخار بالشهرة، والتمَتُّع ِ بالثروة على إتباع الحَّق والعدلِ والصرفِ على الآخرين ولاسيما على التمَّسكِ بالتوجيهات الدينية والأنظمة الشرعية. دخل اليومَ يسوعُ أورشليمَ دخولاً ملوكيا. وقد طبَّقَ عليهِ متى ما قرأناهُ في زكريا. يُذّكِرُ متى أورشليمَ بقول النبي ليقولَ لها وللعالم لقد تمَّ ما أوحى به اللهُ الى زكريا النبي، الذي قال عن لسان الله :" قولوا لآبنة صهيون ـ لأورشليم ـ هوذا ملكك يأتيكِ وديعًا، راكبًا على حمارٍ ، على جحشٍ ابنِ أتان " (متى21: 5؛ زك9:9). أكّد على أوضع حيوان، حمار ابن حمار، وليس حتى ابن حصان، أي بغل. الحمارُ حيوانٌ لحملِ الأثقال وليس للزينة. الحمارُ يقتنيه الفقراءُ وعامةُ الشعب البسطاء وليس القادةُ الذين يُفَّضلون ركوبَ الخيل والفُرُس. عرباتُ نقل الفقراء تسحبُها الحميرُ بينما الخيولُ هي التي تجُرُّعرباتِ الملوك. تُزَّيَنُ عرباتُ الملوك بالذهبِ والورودِ وأغلى موادِ الزينة أما الحمارُ الذي ركبه يسوع فقد طَهَّمتْهُ ملابسُ التلاميذ ، وعوض السجاداتِ التقليديةِ الثمينة التي تفرُشُ الطريق لقد إكتفى المواكبون ليسوع بفرش ملابسِهم وأغصان الأشجار. لقد تكَبَّرَ الأنسانُ منذ جَدِّهِ الأول وتمادَى في كبريائِه حتى أَّلَّـهَ نفسَه، أما يسوع فيتواضعُ ليقولَ للأنسان" كرامتك وعظمتك بقدر ما تكون جنديًا لخالقِك. أمَّا المخلوقاتُ والمصنوعاتُ فلا تُضفي عليكَ مجدًا بجانبِ المجدِ الذي تتباهى به كونُكَ صورةَ اللهِ وآبنَه. يُعلنُ يسوع عهدًا جديدًا للتفكير والتعبير.
إقتصر متى على نقل كلمةٍ واحدةٍ أرادَ أن يختصرَ بها كلَّ ما أوحى به اللهُ على لسان النبي. واللبيبُ من الأشارة يفهمُ. فمتى يُشيرُ فقط ليُحيلَ القاريءَ الكريمَ الى مُراجعَةِ المصدر الأصيل ليتعَمَّقَ بالمُعلَن عنه. هكذا قال زكريا :" إبتهجي يا بنت صهيون، وآهتفي يا بنتَ أورشليم. ها ملكُكِ يأتيكِ عادلاً مُخَلِّصًا وديعًا راكبًا على حمار، ..، يقضي على مركباتِ الحربِ في أفرايم ، والخيلِ وأقواسِ القِتالِ في أورشليم، ويتكلمُ مَلِكُكِ بالسلام للأمم، ويكون سُلطانُهُ .. إلى أقاصي الأرض "(زك9: 9-10). غَيَّرَ اللهُ وجهَ الحياة. رسمَ الوحيُ خطَّةَ اللهِ القادمَة وبدأ يُهَّييءُ لها مع آنتهاءِ السبي. المَلِكُ القادمُ الذي سيحكُمُ بآسم الله لن يستعملَ بعدُ العُنفَ والحربَ أداةً للسلطةِ والتفاهم بين البشر. سيشيعُ المَلِكُ ويتبنّى طريقَ " السِلم". وهذا السِلمُ سيتحَّققُ بتطبيق العدالة. والعدالةُ ترتكِزُ الى اللطفِ والوداعة. والوداعةُ تتطلبُ الدِعةَ والتواضُع. سوف لن يستعملَ المسيحُ " المَلِكُ الأبدي" لا حربًا ولا الآلةَ الحربية لمقاومةِ أعدائِه و مناوئيه. بل سيمنعُ في مملكته إستعمالَ العنفِ،" لا تقاوموا الشَّر بشر". وسيدعو الى الصبروتحَّمل الضيق، والى الرحمةِ والغفران . فالمَلِكُ الموعودُ والمنتَظَرُ، إبنُ داود، والذي لا إنقضاءَ لمُلكِه، والذي يسودُ جميعَ الشعوبِ ، يكون مسالمًا ويكون مُلكُه إلَـهيًا لا بشريا. لن تكون قوَّةُ عظمَتِهِ في العنفِ والسيطرةِ ، بل في المحبَّةِ والخدمة. لن يرفعَ يدَهُ للضربِ بل يمُدُّها للمصافحةِ والتضامن مع الكل.
هذا هو العهدُ الجديد الذي يُهَّييءُ الله الأنسانَ لهُ ليبرمَه معه. نقلَ اللهُ إبراهيمَ من وطنِهِ الى أرض كنعان ليبرمَ معه عهدًا بالختانة. ثم نقلَ اللهُ شعبَه من أرض العبودية فعقدَ معه في بريةِ سيناء العهدَ بالفِصحِ والوصايا. وها هو الآن ينقُلُه من منفاهُ ويُعيدُه الى أرض الميعاد عاقدًا معه عهدَ السلام بضحيةِ الطاعةِ والدم. بدَمِه سيفدي المسيحُ المَلِكُ، طاعةً لله، الأبرارَ الذين أسَرَهم ابليسُ بصَّكِ دين آدم. أمَّا بئرُ عدو الأنسان فلا ماءٌ فيهِ يُحيي ويُنعِش. أما دمُ الصليب فكُلُّهُ حياةٌ وراحةٌ وفرَح. بئرُ ابليسَ حِقدٌ وحزنٌ وأسًى ومرارة. أما صليبُ المسيح فهو دليل حُبٍّ عظيم وغفرانٍ كريم. هذا ما بيَّنه يسوع بدخولِهِ الملوكي الى أورشليم بتواضُعِهِ وبساطتِه، إنَّما بإعجازِه الذي فَعَّلهُ الروحُ في الأطفال. بدأ اللهُ يُفَّعِلُ مملكتَه على الأرض. إنتظرَها اليهودُ ألفَ سنةٍ ولما ظهَرَ المَلِكُ المُنتظَرُ، المسيح، لم يعترفوا به لأنه لم يَخضَعْ لفكرِهم وعقليتِهم ونظامِهم وأنانيتِهم و عُنصريتِهم. أما اللهُ فأسَّسَ مُلكَهُ على الحُبِّ والعدلِ والمساواةِ والغفرانِ والوداعةِ والسـلام.

القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com