الأحـد السادس للصوم ! * * * * * <> * * * * * 2018.03.18


تتلى علينا اليوم القـراءات : يش21: 43-22: 9 ؛ رم14: 10-21 ؛ يو9: 39-10: 21

القـراءة : ايشوع 21 : 43 – 22 : 9

إستمَّر ايشوع في الأستيطان والأستولاء على الضفة الغربية للأردن، مدينة بعد آخرى، إلى أنْ تمَّ له الأستتباب والأستقرار في أرض الميعاد كلها. وربما كانت آخر معاركه ما يُقَّصُ علينا اليوم خبرَها. لقد إستعبدَ ايشوع أهل جبعون بعد أن إكتشفَ حيلتهم في الأستسلام له وطلبِ الأمان. ولم يخُنْ أحدُهما العهدَ المعقودَ بينهما. وأصبح هذا قوَّةً إضافية لبني إسرائيل إذ لا يَنشغِلُ محاربوهم بحاجات الحياة اليومية في توفير الماء والحطب. يتدَّربون عوض ذلك على القتال وهكذا يتكوَّن لليهود جيشٌ قوّيٌ بالرجال والأستعداد.
كانت لا تزالُ بعضُ المدن تحافظ على إستقلاليتها لكنها تتوَّقعُ هجومًا عليهم إباديًا لا تأمن عواقِبَه، بل تخافُ ألا تلحقَ بمصيرِ جيرانها. فتحالفت بينها في آخرأملٍ لأنقاذ حياتِها وذلك بكسر معقلِ جبعون وتحطيم القوة الضاربة فيها، ولاسيما بإشغالِ جزءٍ أقَّلَهُ من المحاربين بالحاجات اليومية، وحرمانهم من خدمة الجبعونيين، والتقليل من القُوَّةِ الضاربة. فجَهَّزوا حملة كبيرة وهاجموا جبعون وحاصروها. وهذه الحملة بالذات قصمت ظهرَ الأعداء أنفسهم إذ إنبرى لهم بنو إسرائيل، وكلُّهم إيمان بالله ولم يُخَّيبهم، حتى لا فقط دحروهم بل أبادوهم و آستملكوا بذلك كلَّ أرضَ كنعان التي سبق إبراهيم وعبد فيها الرَّب و وضعَ الحجر الأساس لشعبِ الله. ركَّزت قراءة اليوم على النتيجة النهائية بأنَّ بني إسرائيل أكملوا عملية إفراغ مناطقهم من وجود أقوامٍ لا يُؤتمنون إذ أظهروا لهم عِداءًا ورفضوا المعايشة السلمية. وبدأ شعبُ الله يتذَوَّقُ طعمَ الراحة. وعليه رجع محاربوا أسباط شرقي نهر الأردن الى ديارِهم. لفد حَقَّقَ الله ونَفَّذَ كلَّ ما كان قد وعدَ به "الآباء". لقد تكوَّنَ الشعبُ إذ له الآن جميعُ مقَّومات أُمَّةٍ مُتحَّضرة : له الأرض والناس ودستور وقيادة. ويتمَّيز عن جميع بقية الشعوب بإيمانه بالله الواحد الخالق والمُخَّلِص.

• يا شمسُ قِفي على جبعون !

كانت حربُ جبعون آخر وأهم، لأنها أشرس معركة خاضها ايشوع وثبَّتت المصير النهائي للشعب. نوَّهَتْ إليها فقط قراءَتُنا للأحد الماضي دون الأستمرار في التفاصيل. واليوم آنحصرت قراءَتنا في الإخبارعن إنتهاء معارك الأستيطان، وعن المُحَّصِلة الختامية في تأمين وجود الشعب وضمان إستقرارِه. أمَّا الآن فيبدأ وقتُ الأستتباب وتنظيمُ مسيرةِ الحياة الأجتماعية. ولكن من المفيد جِدًّا التوقفُ على هذه المعركة التي جرى فيها أعظم حدثٍ في التأريخ ، والتي رغم إستخفاف البعض بها وحتى نكرانها إلا إنَّ العالم ظلَّ تجاهها مشدوها ومُحتارًا إلى أن توَّصلُ العلمُ إلى حقيقة وقوعِها، ولكن بطريقةٍ لا يقوى على تفسيرها إلا إذا إعترف بالكتاب المقدس.
غاليلو إسمٌ أشهرُ من نارٍ على عَلَم. إشتهر بأكتشافِه حقيقة دوران الأرض حول الشمس الثابتة بعكس ما إعتقدته الأجيال السالفة وما أعلنته من شروق الشمس وغيابِها. وبالتالي عُرفت مشاكله مع الكنيسة التي إعترضت على إدّعائِه هذا بناءًا على ما جاء أعلاه من قول لايشوع :" يا شمسُ قِفي على جبعون. وعلى وادي ايلون أُثبُتْ يا قمرُ. فتوَّقفت الشمسُ و ثبتَ القمرُ إلى أن إنتقمَ الشعبُ من أعدائِهم. وذلك مكتوبٌ في كتابِ ياشر. توَّقفت الشمسُ في أعلى السماء، ولم تغِبْ مدَّةَ يومٍ كامل "! (يش10: 12-13). ويشهدُ بذلك كتابُ ايشوع بن سيراخ فيقول :" أما توَّقفت الشمسُ عن المسير على يد ايشوع وصارَ النهار بطول نهارين، حين حاصرَه الأعداءُ من كل جهة ؟ دعا العَّليَ القدير فآستجابَ له "(سيراخ 46: 4). ويُتابعُ ابن سيراخ :" كان يُحاربُ من أجل الرَّب ويُطيعُه. والرَّبُ قديرٌ على كلِّ شيء" (سيراخ46: 6). وخبرُ إطالةِ النهار هذا ليس فريدًا من نوعِه. بل لحقَه في تاريخ شعبِ الله حدثٌ مشابهٌ له على عهدِ إشعيا النبي إستجابةً للملك حِزَقْيا دلالةً على شفائِه :" وقال حِزَقيا لِإِشَعْيا :" ما العلامةُ أنَّ الرَّبَ سيشفيني، فأَصعَدَ بعدَ غدٍ الى هيكل الرَّب؟. فقال إِشَعْيا: هذه هي العلامةُ أنَّ الرَّبَ يُحَّقِقُ ما قاله. ما تختارُ : أنْ يتقَدَّمَ الظِّلُ عشرَ درجاتٍ أمْ يرجعُ عشرَ درجات ؟. فأجابَ:"... دَعْهُ يرجعُ عشرِ درجات. فصَّلى إشعيا الى الرب فتراجعَ الظِلُّ الى الوراء عشرَ درجات على الدرج الذي بناهُ الملك آحاز" (2مل20: 1-11). ويقول اشعيا :" يقولُ لك الرَّب .. سمعتُ صلاتَكَ ورأيتُ دموعَكَ، وها أنا أُطيلُ أيامكَ خمسَ عشرةَ سنةً، و أُنقذُكَ من يدِ ملك آشور.. والعلامة .." (اش38: 4-8، 21-22). هذا هو الخبر. ويُرَّكزُ على وجود ضيقٍ بل خطر على حياة أفرادٍ يؤمنون بالله ويُرضونه بأفعالِهم، ويلجأون إليه بالدعاء ليُحَقِّقَ أُمنيتهم التي تخدمُ الحَّقَ وتُمَّجدُه تعالى. لكن العُلماء من بعدِ غاليلو يرفضون حتى أن يقرأُوا هذه النصوص لأنهم مُلحِدون لا يُؤمنون بالله. ولكنَّ الحَّقَ لا ينتظرُ تأييد البشر. ليسَ الله مُضطَرًّا أنْ يُبَّددَ شكوكَ كل الناس، في كلِّ الأجيال. لو آمنوا بالله وثقوا أيضا به فيُصَّدقون عندئذ ما يُخبرُ عنه. مع ذلك طلعت قبل حوالي عشر أو خمسَ عشرة سنة، صُحفُ الصين على العالم تنقلُ خبرًا مفادُه أنَّ علماء جيولوجيا إكتشفوا أنَّ تأثير أشعة الشمس على الأرض يُشير الى أنَّها تركت آثارًا بأنَّ في وقتٍ ما من التأريخ لم تغبِ الشمس كالمعتاد بل طال النهارُ ضُعفين دون غروب. أشار نصُّ ايشوع بأنَّه طالَ يومًا كاملا. في حين قال نصُّ ابن سيراخ " نهارين". النهارُ يعني مبدئيًا " إثنتي عشرة " ساعة. بينما اليومُ يعني " أربعٌ وعشرون ساعة". لا خلاف بينهما ما دامَ اليوم يساوي نهارين. أما الخبرُ الذي نشره علماء الصين فكان يدورُ حولَ يومين، إى ثمانٍ وأربعين ساعةً". ولا جدال في الخبر ما دام هناك أيضًا " عشر درجات" حزقيا الملك. لا ندري كم ساعةً كانت تساوي تلك الدرجات، ولا الى كم درج كان يُقسمُ ظلُّ النهار. وربما حدثَ تأخير في الغروب في مكان آخر من الكون.
سيُبَّررُ الكتاب بعد مئات السنين موقف ايشوع. حاول الملك شاول (1030. 1000ق.م)، بعد حوالي مائتي سنة، أن يُبيدَ كلَّ الجبعونيين (2صم21: 3-14). لم يرضَ الله عن ذلك و لم يهدأ غضبُه على شاول ونسلِه إلا بعدَ أن دفعوا ثمن تلك الجريمة. اما ايشوع فسبقَ وبَرَّرَ موقفَه قائلا: " علينا أن نُبقيَ على حياتِهم، فلا يكون علينا غضبٌ من الرَّب لليمين التي حلفناها لهم "(آية20). إحترم ايشوع حلفَه بآسم الله وتقَّيدَ به إكرامًا للآسم القدّوس. لكنه لم يُساوِهم بشعبِه. بل حكم عليهم بعبوديةٍ مُؤَّبَدة وأمرَهم بخدمة بيت الله، حيثُ يقامُ بمشيئته تعالى، وتزويد الشعب والهيكل بالحطب والماء بآستمرار. وقد جاءَ ذكرُ هؤلاء "العبيد "، ومنهم خُدّام الهيكل، عند العودةِ من سبي بابل سنة 538ق.م وعددهم " سبعة آلاف وثلاث مئة وسبعةٌ وثلاثون، ولهم مئتان من المغَّنين والمغنيات " (عزرا 2: 43-65).
المُهَّم أنَّ هذا قد حدث. أما أن تكون الشمسُ قد توقفت عن الغروبِ ونحن نعرف اليوم أنَّ الأرضَ هي التي تتحَّرك فهذا لا يُشَّكلُ لا إحراجًا ولا مُبَّررًا للأدّعاء ببطلان الأيمان أو أسطورة الكتاب المقدس. يكفي أن نفهم رؤية الناس، في ذلك الزمان، عن حركةِ الكون من جهة. ومن أخرى لغة التعبير عندهم. لا زلنا الى اليوم نقولُ " تُشرقُ الشمسُ وتغيب". مع أنه ليست الشمسَ تدور حول الأرض. وإذا كان ايشوع يرى مثلنا، بالعين المجرَّدة، أنَّ الشمس هي تتحرَّك فما الضيرُ وأين الخطأ إن قال " توقفي يا شمسُ وتوقف يا قمرُ" وهو يطلبُ من الله أن يوَقِفَ الحركةَ الكونية فيبقى ضوءُ الشمس ساطعًا حتى يستطيع أن يُتابع ويُنهيَ معركتَه. لا يهم ما الذي يتوقف الشمس أم الأرض بل المقصودُ أن تتوقف حركة الكون. والدليل أنه طلب توقف الشمس والقمر. لأنَّ كليهما يبدوان في حركة، ولكليهما تأثير على الحياة على الأرض. لمَّا نظَّم يوليوس قيصر، سنة 46 ق.م.، التقويم الزمني إعتقدَ العلماءُ أن دورانَ الشمسِ حول الأرض، حسب المفهوم العام، يتم في ثلاث مئة وخمسة وستين يومًا وستَ ساعات. وعليه قرر سنة كبيسة كل أربع سنين ذلك بإضافة اليوم السادس والستين. وبعد ألف وست مئة سنة، أي سنة 1580م، إكتشف العلماءُ بأنَّ ذلك الحساب الفلكي خاطيءٌ. لأنَّ مدة دورة كاملة للسنة تتم في ثلاث مئة وخمسة وستين يومًا وخمس ساعاتٍ وثمان وأربعين دقيقة و حوالي تسع وأربعين ثانية، وعليه نُظِّمَ تقويم جديد. ولكن لا أحد نكرَ وجودَ يوليوس قيصر أو إدَّعى بأنَّ عملَه أسطورةٌ. لم يكن في وسع علماء ذلك الزمان أن يعرفوا الأمور بالدقة التي نتمَّكن عليها نحن اليوم. ومن يدري ربما بعد آلاف سنين آخرى تنكشف للبشر أُمور تجعلُ أناس تلك العصور يضحون منا على بساطة علومنا. ليست الحكمة أن نحكم على من سبقونا بآلاف السنين بعقليتنا وإمكاناتنا العلمية العصرية. بل العلم الصحيح والحكمة الحقيقية أن نفتخر بإيمان الذين، مثل إبراهيم وموسى وايشوع وايليا واليشع وبطرس وبولس، حققوا مُعجزاتٍ بإمكاناتهم البسيطة ولكن بإيمانهم العظيم بالله حتى أصبحوا قادرين ، كما قال الرسول، على كلِّ شيء بالذي يُقَّويهم (في4: 13) ، حتى على إقامة الموتى (1مل17: 17-24؛ 2مل4: 32-37؛ أع9: 36-42؛ 20: 7-12). البشر طلبوا وعملوا على استقامة نياتهم، ونقاوةِ قلوبِهم، ولاسيما عدالةِ قضيتِهم. وآمنوا بأنَّ الله ليسَ سَيّدًا طاغيًا بل خالقًا حكيمًا وأبًا مُحّبًا رحومًا وغافِرًا. وهذا الأب له علاقة بحياة أبنائِه البشر، يحنو اليهم ويحُّنُ عليهم. ومع كل جيل يتصَّرفُ بالشكل الذي يصون الحَّقَ ويُنَّمي المحبة ، وينشر بذلك السلام والراحة والهناء. ومن لا يعترف بالله ويرفض كلامه الحَّق يتندَّم لأنه يحرمُ ذاته من هذه الخيرات. كوَّن الله من إبراهيم ونسله الذين سمعوا كلامه شعبًا يرفعُ رأسه أعلى من رؤوس كل أمم العالم. وليس اليوم شعبُ الله فقط أبناءُ إبراهيم بالجسد، بل من هم أبناؤُه بالأيمان. لأن الله إختار ابر اهيم لأيمانه لا لجسده. وطلب من نسله أن يؤمن مثل أبيه إبراهيم ويسمع كلامه ويكون كاملا. ومن أمن به من نسله وسمع كلامه "أُعطي لهم أن يكونوا أبناء الله " (يو1: 12)، وأن يشتركوا بخيراته فيعملوا معجزات أعظم من التي فعلها هو بنفسه (يو14: 12)، أو فعلها ايشوع وغيره من رجالِ الله العُظماء. فبطرس وبولس وكلُّ القديسين هم رجال الله الذين أيدَّهم الربُ بالآيات ليُؤمن العالمُ على يدِهم ويتنَّور بإيمانهم.

القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com