الأحـد الرابع للصـوم ! * * * * *<>* * * * * 2018.03.04


تتلى علينا اليوم القـراءات : يش6: 27-7: 15 ؛ رم8: 12- 27 ؛ متى21: 23-32

القـراءة : ايشوع 6 : 27 – 7 : 15

أثناء إحتلال مدينة أريحا " خالفَ بنو إسرائيل العهد مع الرب"، وسرقَ أحدُهم ما حَرَّمَه الله عليهم من ذهب وفضَّةٍ وثيابٍ فاخرةٍ وخَبَّـأَها عنده ودفنها تحت أرض خيمَتِه. لقد إشتهاها و طمع بها فأخذَها ظَانًّا أنَّ أحدًا لن يعرفَ بذلك. لم يعرفْ أنَّ اللهَ لا يَخفى عنه شيء بل إِنَّه " يعرفُ حتى ما في فكرالأنسان" (يو1: 47-49؛ 2: 25؛ 16: 29-30). لكن ايشوعَ لم يعلمْ بذلك. علِم فقط عندما خسرَ المعركة أمام مدينة عاي. تأكدَ ايشوع من معركة أريحا أنَّ اللهَ معه، وأنَّ شعوبَ المنطقة بدأت تعملُ حسابَ بني إسرائيل وتتهَّيأُ لمواجهته. فآستمَّرَإستعمال أسلوبِ التجسس أولا ثم المباغتة. فبعَثَ عددًا من الجواسيس يستطلعون حالة الشعب وقُوَّة دفاعاتِه الحربية. وحسبَ تقريرالمرسَلين عن مدينة عاي أرسلَ قُوَّة كانت كافية لأحراز النصر بسهولة. لكنَّها لا فقط فشلت بل أعطت ضحايا كثيرة وآنهزمت قبلَ أن تُدَّمرَ. مزَّق ايشوعُ ثيابَه للخبر. لقد عرفَ أنَّ الله لم يُساعِدْهم هذه المَرَّة، إن لم يكن قد خذلهم. لكنه لم يعرفْ لمــاذا؟ أَ لمْ يتعَّهد الله معهم أن يُنضِرَهم على أعدائهم؟ بل أَ ليسَ جميعُ أعدائهم أعداءَ الله إذ تركوه وصنعوا لأنفسهم أصنامًا يعبدونها ؟. أَ لمْ يعِدهم عونا في القضاءِ على الأصنام وعُبَّادِها؟. لقد شعر ايشوع بمرارة الخيبة تتآكَلُه. لم يكن بوسعه سوى أن يرتميَ تحت أقدام الله يلفظ حزنه ويُداوي ألمَه بالتشَّكي الأليم ،: " ليتَنا متنا شرقَ الأردن". ويُبدي إنكسارَه أمام الله بذَّرِ التراب، هو و شيوخ الشعب، على رؤوسِهم علامة اليأسِ أمام تلقيهم تلك الضربة الموجعة. فخسارتُهم تلك كانت فادحة تكادُ تفتحُ الطريقَ لإبادتهم من الوجود، :" سيُحيط بنا سكان هذه المناطق و يمحون إسمَنا من الأرض ".

• سَلَّمتنا الى ...ليُـبيـدونـا !

إنه إتّهامُ الله بالغضب وتشَّكٍ مشابه للذي رفعه موسى أمام الله عندما أخطأوا في البرية، فقال:" لماذا إشتدَّ عضبُك على شعبِك... ألا يقول المصريون.. أخرجهم ليقتلهم في الجبال ويفنيهم عن وجه الأرض"؟ (خر32: 11-12). لقد أحسَّ ايشوع أنَّ بعضًا من شعبه خالفَ العهدَ فأخطأ ضدَّ الله إذ أهانه بعدم إحترام عهده. لكن العقابَ وقع دون تمييز على عموم الشعب. موسى تعاقد مع الله إمَّا أن يغفرَ للبريئين من الشعب أو يُسقطَ العهد ويتخَّلى موسى عن قيادة الشعب (خر32: 32). أما مع ايشوع فهو الله الذي يُطالبُ بتطهير الشعب بإزالةِ الحرام من بينهم أو بإسقاطِ العهد فيُهملهم الله ويُفنيهم أعداؤُهم.

من جهـة الله !

إنَّ الله متمَّسِكٌ بقداسةِ شعبِه. لأنه لا يمكن أن يتنازل اللهُ عن قداستِه الشخصية المطبوعةِ في صورته الأنسانية. إنَّ بنودَ العهد تقوم على أسس هذه القداسة. فهذه القداسة هي التي تضمن عون الله وحمايته. وهذا هو إعتراضُ الله، :" خطِئَ بنو إسرائيل وخالفوا عهدي". ومطالبتُه هي أن يُصلحوا الحال أو يتنازلَ هوعنهم ويُسَّلمَهم الى غضب أعدائهم. فالله لا يُرغمُ أحدًا على محَّبته وصداقته والسماع له. وبنفس القياس ليس مُضطَرًّا أن يحمي ويُغيثَ من يكرَهُه أو يرفُضُه. إنه يحترمُ حُرّية الأنسان فيترُكه لحُكم نفسٍهِ. ومستعِّدٌ أن يسامح الخاطئ التائب. لكنه لن ينحَّطَ الى مستوى شرِّ الأنسان وفسادِه فيقبلُه. يحترمُ الله كلمته الحَّق. فمن يخالفُ عهدَ الله مع البشر هو" ملعونٌ من الرب"، إذ يتخَّلى الرب بدوره عنه.

من جهة الشعب !

نستغربُ عادةً عندما نسمع أو نعاين عقابًا ينزل بأسرةٍ أو شعبٍ مع أن الخطأة منهم قليلون و ربما واحدٌ فقط. لا نهضم العقوبات الجماعية. في حين لا نستغرب بل نُبَّرر بركة شعب أو عائلة رغم قداسة عضو واحد فيها. نريد أن نشملَ كثيرين في بركة الواحد و نرفض أن نشمل ، بنفس القياس، عقاب كثيرين في خطيئة واحد. مع أنَّ الله لم يدن أبدًا إلا المخالفين. ولكن أولئك المخالفين مرتبطون بغيرهم إما بقرابة الدم أو برباط المواطنة الأجتماعية. خالفَ واحدٌ من المحاربين. المحاربون خسروا بسببه المعركة. وكان لعقاب تلك الخطيئة مردودٌ حتمي على المجموعة. نتيجة الخطيئة الحتمية هي الألم والضيق والشقاء. ومن يبقى في الخطيئة ويتمَّسك بها يتخلى عنه الله فيتعَّذب هو ومن يرتبط به أو يتضامن معه. لأنهم في هذه الحالة يشَّكلون شخصًا أو جسمًا واحدًا الذي فيه تتفاعل كلُّ الأعضاء مع بعضها ، كما يقول مار بولس، :" إذا تألمَ عضوُ تألمت معه جميعُ الأعضاء. وإذا أُكرِمَ عضوٌ فرحتْ معه سائرُ الأعضاء" (1كور12: 26). وبهذا القياس تتضامن حتى البشرية برمتها. وبولس نفسُه يؤَّكدُ ذلك عن تضامن جميع الناس مع خطيئة آدم وحواء، وأيضا تضامنهم في الفداء مع يسوع المسيح (رم5: 12، 15، 17).
هذا من جهة. ومن أخرى، وكما عرفنا في الأحد الماضي، فإنَّ الله يُطالبُ الشعبَ الأيمان به، ويستجيبُ له على أساس الأيمان. والأيمان ليس إعلان فكرةٍ، بل هو تبَّني موففٍ حيوي في السلوك اليومي. الأيمان ليس فقط أن نطلبَ من الله بل أيضا أن نصغي إليه ونسمع له و نستجيبُ لمُتطلباتِه ونتمسَّك بالعهد الذي قطعناه على أنفسِنا. وفي خبر ايشوع ستظهر بعده الحقيقة وهي أنَّ محاربًا واحدًا لم يلتزم إيمانه بل خالف عهد الله. و بسببه خسر الجيشُ ستة وثلاثين محاربًا. لأنَّ الله بدوره لم يُشَّغل العهد ولم يتقيد به ، وخسر الشعبُ كله بذلك حمايةَ اللهِ وعونَه. لم يدنِ اللهُ الشعبَ كُلَّه. ولا ألقى اللوم على كل الشعب. كما هو قادرٌ أن يُمَّيز أو يكشفَ المخالف حتى لو كان بين ملايين من أمثالِه. إنما الخطرُ أن يتسَّربَ الفسادُ الى الشعبِ كله بسبب خطيئة واحد. إنها قاعدة " العدوى" التي ما أن تصيبَ نفرًا من الأسرة أو المدينة حتى تسري الى بقية السكان فتعُّمُ المجتمعَ كلَّه. فالشرُ والفسادُ "عدوى" تنتقل بسهولة الى الآخرين إن لم تعالج حالاً بالدواء و الوقاية. والدواءُ هو عزلُ الخاطئ المريض عن الجماعة ومعالجتُه أو التخلي عنه لتتآكَلَه خطيئته إنْ لم يتُبْ. هذا هو ما طلبه الله من ايشوع أن" يتطَّهروا " أو يتقَّدسوا بإزالةِ فسادِ مخالفةِ العهد من الشعب. إنه يذَّكرُهم بالعهد ويدعوهم الى التمسك به. ليعودَ الله من جديد الى حمايتهم وتغليبِهم على أعدائهم. يجب هذا التمييز بين ما يدينه الله ويتخَّلى عن الأعتناء به، وبين ما أو مَن يقعُ مردودُ أفعالِه على غيره. أهَمَّ ما نتعَّلمُه هوالمحافظة على عهد القداسةِ مع الله. وتلك القداسة تظهرُ بأنواع متعَّددة ومختلفة، أبرزها التقَّيد بوصاياه وتوجيهاتِه، وتُبنى كُلُّها على أساس الحَّق والمحَّبة.

القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com