الأحـد الثـالث للصـوم ! * * * **<>** * * * 2018.02.25


تتلى علينا اليوم القـراءات : يش5: 13-6: 5 ؛ رم7: 14-25 ؛ متى20: 17-28

القـراءة : ايشوع 5 : 13 - 6 : 5

لقد إستقَرَّ بنو إسرائيل في الضفة الغربية للأردن حتى إستَعَّدوا للفصح وتناولوه. وبدأت الطموحات في التوَّسع تدور في رأس القادة، والشعبُ بدأ يتذوقُ طعم قوت محاصيل الأرض الزراعية. لقد دخلوا كنعان مع الربيع. الزرعُ يقترب من أوان حصاده. الفواكه تنضج شيئًا فشيئًا كل فاكهة في موسمها. لقد توَّقفَ ظهور المَّن وجمعُه. إنه زمن قطف خيراتِ الأرض. لم يروا مثل هذا منذ أكثر من أربعين سنة. إنها حَّقًا أرضٌ تدُّرُ" اللبن و العسل". بدأ الشعبُ ينسى معاناتِه في البرية. إنتهى عهدُ بداوتِه. وأخذ يتذَّوَقُ طعمَ حياة " الحضر". بدأ يبني بيوتًا يستقّرُ فيها. بدأ يتكاثرُ. يحتاجُ الى أرض أوسع ومدن أكثر لينموَ فيها. وقبل ذلك عليهم أن يفرضوا وجودَهم ويُبرهنوا على أنهم قادرون على غزو الشعوب المستوطنة ليمتلكوا البلد ويكون لهم كيانٌ وآسمٌ بين الشعوب. عليهم أن يُظهروا أولا قُوَّتهم ويُبرهنوا على تفَّوقِهم لأنَّ إلههم يُعينُهم " يُحاربُ من أجلهم". ويزرعوا بذلك الرُعبَ و الهلَعَ في قلوب الناس فيهابوهم ويستسلموا لهم. فبدأوا بتطهير المناطق المُوَّزَعةِ عليهم لتثبيتِ حدودِهم والبدء بفلاحةِ الأرض والعيش الكريم.

• رؤية الملاك !

وبينما يتجوَّلُ ايشوع في البلاد ويستطلع حالها ويتقَّصى أخبار أهلها على يد جواسيس بعثهم الى المدن(يش6: 17و22؛ 7: 2) مُفكّرًا في تنطيم غزواتٍ سريعة ليستوليَ على البلاد كلها ، إذا بملاك الرَّب يتراءى له وبيده سيفٌ مسلولٌ مُستعِّدًا للمعركة. الملاك الذي طردَ آدمَ و آستَّلَ السيفَ في وجههِ حتى لا يعود الى الفردوس، وقف هنا قبالة ايشوع يعرضُ له عونه ليخدمَه ويساعده على تنفيذ ما قد نوى القيام به فيُوَّسعَ رقعةَ وطنِهِ. وقبل أن يُبَّلغَه رسالة الله يُذكِرُّه بآحترامِ قدسية الأرض، لأنه حيثُ وقف الملاكُ اللهُ نفسُه حاضرٌ، وسيُخاطبُ بنفسِه ايشوع. وكما قال الله لموسى قال الملاك لأيشوع" إخلع" نعليكَ ولا تُدّنس ما َقدَّسه الله بحضورِه. وبهذا يبدي إحترامه لقداسةِ الله. منذ أن أخطأ آدم لا يمكن للأنسان أن يحضرأمام الله إلا كعبدٍ يخضعُ له. أبراهيم وقع أمام الله ساجدًا له (تك17: 3)، وموسى سترَ وجهه خوفًا من الله (خر3: 6)، وايشوع أيضًا ينحني ويسجد لله. لقد تعَّودَ بنو إسرائيل على لقاء الرب، وآختبروا توجيهاتِه الأساسية لقادته. لأن الله هو الذي يُبادرُ الى اللقاء بهم ولا أحدَ يُعارضُ مشيئتَه. وعلى الشعب أن يحترم حضور الله بينه.
لم يَمُرَّ زمن طويل بعد على تسلم ايشوع قيادة الشعب. إنَّه بحاجة الى دعم الرب له ليحترمَه الشعبُ ويخضعَ لقيادتِه و يُنَّفِذَ أوامره. الرَّبُ يساند ايشوع فلا يتذمرون عليه ولا يخرجون عن طوعِه. حتى لا يخرجَ الشعبُ ولا المحاربون عن خارطةِ الطريق التي في تدابير الله. حتى قال عنه الكتاب: " كان الرب مع ايشوع وذاغ خبرُه في الأرضِ كلها " (يش6: 27). هكذا يسند الرب مختاريه الذين يسمعون كلامه ويتقَّيدون بتوجيهاتِه. يُباركُهم

• سقوط أول مدينة عصِّية !

ويبدو أنَّ ظهور الملاك تزامن مع تطَّلع ايشوع وطمعهَ في الأستيلاء على مدينة إريحا التي إنغلقت في وجهه. يبدو أن ايشوع كان يُفَّكرُ في خطّةٍ لآقتحامِها ولم يكن يجد. هنا يتدخل الله ليقولَ له: بفكرك وقوتك لن تفتحَ المدينة أبدًا ولن تحَّقق مأرَبَك.لأنَّ ما تنويه ليس من شأنِكَ. فالمدينة وثنية وترفُضُني أنا إلَهًا لها. أنا سأفتحُها أمامك وأعَّلمُكَ كيفَ تقتحمُها، لا بالسيف ولا بالحيلة، بل بالأيمان. ليبدوَ مجدي ويفهموا أني لستُ فقط إلَهَكم بل إلَهَهم أيضا، وعليهم أيضا أن يسمعوا كلامي. ثم يُوخي إليه الله بأنْ يطوفوا حول المدينة ستة أيام وتابوت العهد يتوسطهم. وفي اليوم السابع ينفخ الكهنة بالبوق كما كانوا يفعلون في إحتفالاتهم الدينية في اليوبيل (أح25: 8-13)، وفي بوق الهتاف عند قيام الحرب (عدد10: 1-10).
فالتابوت رمز حضور الله، والكهنة خُدَّامُه، وهُتافُ الأيمان رمز سِلاحِهِ، كل هذا دليلُ لا فقط حضور الله معهم بل وأيضًا فعلُه من أجلِهم :" فإذا خرجتم الى حربٍ في أرضِكم على عدُّوٍ يضايقكم فآهتفوا بالأبواق وسأذكركم أنا الرَّبُ إِلَهُكم وأُخَّلِصُكم من أعدائكم " (عدد10: 9). يُذَّكرُ اللهُ ايشوعَ والشعب بما وعدَهم به من رحمةٍ، وبما يصنعُه لهم من"عظائم" (لو1: 49)، عندما يتكلون عليه ويعملون بآسمِه، لأنه قُدّوسٌ وقدير. وحتى لا يطمعوا بالمال والنساء فلا ينحرفوا عن الحق، ولكي يبقٌوا واعين أنَّ حتى الحربَ ليست لأجلهم بل لأجل الله ليعودَ البشرُ تحت خيمتِه مؤمنين به، محّبين له، سامعين كلامَه و متَّمتعين بالراحةِ في حضرتِه. يريد الله أن يفهمَ الناسُ بأنَّ كلَّ ما في الكون هو من صنع الله ومُلكٌ له. من ضمنِهم الأنسان الذي هو،على الأرضِ، غريبٌ يُقيمُ عندَ الله (أح25: 23). فأريحا وغيرُها هي، بكل ما فيها من بشر وحيوان ومقتنيات، مُلكٌ لله فلا يطمع بها الناسُ ويتوَّثنوا من جديد فيستبيحوا حلالَها، بل تُحرَق فـتُباد "مُحرقَةً لله " (أح1: 1-17). ولهذا سيأمرُ ايشوع المحاربين :" لتكن المدينة بكلِّ ما فيها مُحَّرَمةً عليكم إِكرامًا للرَّب .." (يش6 : 17). وسيكون إقتحام المدينة درسًا في الأيمان للشعب، وللشعوب المستوطنة في الأرضِ درسًا في جهالةِ فكرهم وفساد أخلاقهم إذ يعبدون ما يصنعون بأنفسهم عوض عبادة الله الواحد الحق خالق الكون وكل الكائنات، وخالقِهم بالذات. سيكون درسًا لكل الأجيال بأنَّ اللهَ الخالقَ قادرٌ على كل شيء ولا يحتاجُ الى سلاحٍ أو حيلةٍ لمحو أعدائِه، بل تكفيه كلمة ينطق بها ليزولَ كلُّ ما أوُجدَه أيضا بكلمة.

القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com