الأحــد الأول للميــلاد ! ************** 2018.12.30

عيد تقدمة يسوع في الهيكل

للعلم : هذا العيد تحتفلُ به روما ـ الكنيسة اللاتينية ـ في 2 شباط من كل سنة، بعد 40 يومًا من ولادة يسوع، وحسب نظام الأعياد المعمول به عندهم. وقد تبَّنته الكنائس الشرقية لنفس اليوم رغم إختلافِه مع نظام الأعياد المُتبَّنَى في كل كنيسة حسب روح ليترجيتها. بعدَ المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني 1962-1965م إستعادت أغلب الكنائس تقويمها القديم الخاص. ومنها الكنيسة الكلدانية. وكانت تحتفل به سابقًا في أحدِ أَحَدَي الميلاد الواقعين بين عيدي الميلاد والدنح. وعندما يقع أحدٌ واحد يُعَّيد فيه هذا العيد ، أما تذكار قتل أطفال بيت لحم فيُعَّيد في 27/ ك1. وبسبب الأحتفاظ بعيد الختانة الدخيل يوم 1/ 1 رأس السنة، وإذا وقع يومَ أحد، ويكون الأحدَ الوحيد بين العيدين فيضطرب الوضعُ. وليت الرئاسة الكنسية تدمج عيدي الختانة والتقدمة معًا لآنهاء إشكال التعييد.


تتلى علينا اليوم القراءات : تك21: 1-21 ؛ غل4: 18-5: 1 ؛ متى2: 1-12

الرسالة : غلاطية 4 : 18 ــ 5 : 1

نعت بولس أهل غلاطية المُتنَّصرين من اليهودية بـ " الأغبياء". لأنهم بعدما عرفوا المسيح وقبلوه وتبعوه حَنُّـوا إلى تقاليدهم المسلكية القديمة مثل الختان فعادوا يعتقدون بقيمة حرفية الشريعة دون الأيمان. وقام كالعادة تلاميذُ مُزَّوَرون يُشَّجعون على ذلك، لا غيرَةً على الحَّق، ولا رغبةً في خلاص أولئكَ، بل مُنافسَةً مع بولس، إذ غاروا من نجاحِه، و لاسيمَّا بهدف صّدِّهم عنه وإبعادِهم، وبالتالي كسبِهم إلى جانبِهم والتمَّتُع بمجد تبعيتِهم لهم. يتألمُ بولس لا للأهانة التي يتلَّقاها كأنه معَّلمٌ فاشل بآتبّاعهم غيرَه. بل لأنه يشعرُ بالخطر المُحدقِ بهم. يُحِّسُ بولس أنَّ منافسيهِ " يُثيرون البلبلة محاولين تغييرَ بشارة المسيح " (غل 1: 7). عليه ماذا سيكونُ مصيرُهم إذا بدأوا يستثقلون التعليم الحَّق؟. لابُدَّ وأنَّهم سينتهون بإهمال المسيح أيضًا وتركه؟. بينما يُجاهدُ بولس لأن يسْمُوا في الروح وفي أعمال الأيمان إلى أن يعكسوا بحياتِهم صورة المسيح نفسِه. سبق فدعاهم إلى أن يقتدوا به في السلوك (غل 4: 12). وبيَّن لهم ذلك عندما علَّمَهم أنه جعلَ من نفسِه مُخالِفًا للشريعة ليحيا لله. و يقول: " مع المسيح صُلبتُ. فما أنا أحيا بعدُ، بل المسيحُ يحيا فيَّ. وإنْ كنت الآن أحيا في الجسد لكنَّ حياتي هي في الأيمان بآبنِ الله الذي أحَّبني وضَحَّى بنفسِه من أجلي .." (غل2: 18-21). لقد كَدَّ بولس كثيرًا في بناء أيمان الجماعة فيصعبُ عليه أن يرى الجماعة تنقلبُ فجأةً على المبادئ والأتّجاه.

سارة وهاجر !

وتبعًا لخلفية المتنَّصرين الكتابية يحاول بولس أن يُقنعهم من الكتاب بأنَّ تعليمَه وفكرَه هو الصحيح. وأبو الأيمان الصحيح هو إبراهيم الذي يفتخرون بالأنتسابِ إليه ويَدَّعون بُنُّـوَتَه ومع ذلك يخالفون أعماله (يو8: 32-40). وقصَّةُ إبراهيم وزوجته سارة العاقر معروفة. الله يعدُه بآبنٍ منها حتى يلدَ بعدَه من نسلِه المسيح المخَّلص الموعود (غل3: 16). فتلجأُ سارة الى خادمتها هاجر وتدفعها الى حضن إبراهيم لتلدَ لها إبنًا حسب شريعة حمورابي. ويولدُ إسماعيل. يعتبره إبراهيم النسل الوارث لآسمه ولميراثه. لكن اللهَ يرفضُه لأنه إبنٌ حسبَ الشريعة البشرية التي تقود الى اللعنة فهو لا موعودٌ ولا مُبَّررٌ لدى الله (غل3: 9-14). إنه رمزُعبودية الشريعة ولعنتها. والمسيح خَلَّصنا منها إذ قبل اللعنة على نفسِه(غل3: 13). أمَّا ابنُ الله الموعود فهو إسحق إبن سارة الحُرَّة، وهي رمزٌ للحرية التي ضمنها المسيح لنا. تبقى هاجر ونسلها رمز عبودية سيناء، في حين تُصبح سارة وآبنها رمزَ حرية أورشليم السماوية (رؤ21: 2-4). والمؤمنون بالمسيح أحرارٌ من قيود الشريعةِ وحرفيتها. إنهم أبناءُ الوعد مثل اسحق. فالمسيح إذن هو مقياسُ الأيمان والسلوك، لا الشريعة. وسيقولُ بولس :" فالذين منكم يطلبون أن يتبَّرَروا بالشريعة يقطعون كلَّ صِلةٍ لهم بالمسيح ويسقطون عن النعمة. أمَّا نحن، فننتظرُ على رجاءِ أن يُبَّررَنا اللهُ بالأيمان بقدرةِ الروح. ففي المسيح يسوع لا الختانُ ولا عدَمُه ينفعُ شيئًا، بل الأيمان الفاعل بالمحبة (غل5: 4-6).

كذلك هي الحالُ اليوم !

قصَّة إسماعيل واسحق تحملُ رمزًا ثانيًا. تقول بأنَّ إسماعيل، ابنَ الأمة، ابن إبراهيم بالجسد بدأَ يلعبُ مع، أي يعتدي فيضطهدُ، كما فسَّرَها بولس، اسحق إبن الله بالموعد(تك21: 9-13 ). وما دام للحُرَّة إبنُها من حشاها لا يحُّق لآبن الأمة أن يرثَ والدَه بالجسد. فطُرِدَ من البيت حسبَ الشريعة. فشَبَّه الرسولُ تلك الحالة بالتي كانت قائمة في أيامه أي مُعاناةُ أبناءِ الله من نسل إبراهيم الحُّر أي من الأيمان بالمسيح، الأضطهادَ من أبناء الأمة ، نسل إبراهيم العبد.و لا يزالُ ذلك الأضطهاد ضد المؤمنين بالمسيح قائمًا إلى يومنا الحاضر، بعدَ عشرينَ قرنًا !. ولن يتوقفَ حتى النهاية. يرفضُ الجسدُ أن يتوالمَ مع الروح. الله روحٌ وكذلك أبناء الوعد. ينزع الجسد الى الزوال ، الموت. فهو تمَرُّدٌ على الله وعلى أبناء الروح. وهو بالتالي خطرٌ يُضايقُ الروح. فيجبُ الحذرُ من أعمال الجسد وآلأحتماءُ بالله لصيانةِ الحياة. الجسد لخدمة الروح وليس لقيادتِها. لذا نبَّه الرسول أنه كما طُرِدَ إبنُ الجسد يجب على أبناء الروح أن يتخَّلوا عن " سبيل الجسد الى سلوك سبيل الروح ..الذي فيه الحياة " (رم8: 5-12). وآضطهادُ الجسد يستمِرُّ يُضايقُ الروح حتى تُمَّيز الروحُ سُمُّوَها فلا تنزلقَ بدورها الى ما يُميت. الأضطهادُ مُؤَّقت. أمَّا حُرّيةُ أبناء الوعد فكنزٌ لا يُقَّدر، ومُضايقاتُ أبناء الجسد لن تطولَ كثيرًا، و" الطوبى لمن يصبرُ ، مثل اسحق، الى النهاية فيغلب" (متى10: 22؛ 24: 13؛ رؤ2: 26). لن ينتهي الصراعُ بين الزائل و الدائم، بين ما للجسد وما للروح. ولن يكون لهما شركة في الحياة الأبدية، إلاّ إذا تحَّولَ الفاسدُ، جسدُ اللحم والدم، الى عدم الفساد، الى صورة المسيح (1كور15: 49-53). يُنهي بولس كلامه بأنْ نتمَسَّكَ بالحرية التي حررنا بها المسيح من قيود الجسد ومن حرف أعمال الشريعة. وقد أكَّد الرب يسوع أنَّ علاقتنا مع الله لا تُبنى على تطبيق قوانين الشريعة بقدر ما تتأسَّسُ تلك العلاقة، وسمَّاها " عبادته "، على" الروح والحَّق" (يو4: 23). أمَّا الشريعة فقد أعادَ الرب اليها رونقها الروحي وقُوَّتها الأيمانية. فـكلُّ شريعةٍ بلا إيمان طبلٌ ينفخُ أو صُنجٌ يرُّنُ (1كور13: 1). وكلُّ فعل بلا ايمان مَيْتٌ (يع2: 17). وكلُّ إيمان بلا محبَّة مَظهرٌ لا ينفع (1كور13: 1-3). أمَّا ما ينفعُ ويبني الحياة فهو، كما سبقَ فقال بولس الرسول، " الأيمان الذي يعملُ بمحبة " ، سالكًا سبيل الروح.


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com