عـيد المـيلاد المجــيد ! **************** 2018.12.25

تتلى علينا اليوم القراءات : اش7: 10-16؛ 9: 1-7 ؛ غل3: 15-4: 6 ؛ لو2: 1-20

الرسالة : غلاطية 3 : 15 ــ 4 : 6

تشَّبثَ اليهودُ بالشريعة، حتى إتَّهمَ الفريسيون والقادة الدينيين يسوعَ أَّنه لا يرعى شريعة السبت (يو9: 16) بل يُخالفُها (يو5: 18). بل كانوا يعتبرون مخالفتها تهمةً تستحَّقُ الموت (يو19: 7). وسعوا في تنفيذِها حرفيًا لأنهم إعتقدوا أنَّ خلاصَهم يتّمُ بأعمالِ الشريعة، وأنَّ المسيح المُنتظَر يأتي ليُعَّممَ الإلتزامَ بحذافيرِها على كلِّ البشر. وقد رَدَّ عليهم يسوع بأنَّ ما يُعَّلمونه "من المذاهب ليس سوى أحكامٍ بشرية"، لأنهم في الواقع أهملوا شريعةَ الله الأصيلة وآدَّعوا بآلتزامهم بشريعة موسى وشيوخِهم (متى15: 3-9). وترَّسخت هذه العقلية" الحرفية " بذهنِ اليهود.

الخلاصُ بوعدِ الله لا بالشريعة !

وعدَ اللهُ ابراهيمَ بالخلاص على يدِ واحدٍ من نسلِه عن طريق إبنِه اسحق وسيُقيم معه عهدًا أبَديًا (تك17: 18-19). والشريعة جاءَت مُتأَخِّرَةً ولا قوَّة لها لتغيير وعدِ الله هذا. إنَّ نِعمَ الله وخيراتِه مرنبطة بهذا الوعد. أمَّا الشريعة فأُضيفَت على يد موسى لتسندَ رجاءَ الشعبِ ومسيرته إلى أن يأتي المُخَّلِص. كانت مُؤَّدِبَتَنا الى أن يأتي المسيح وبمجيئِه تبطل. وإذا جاءَ تتبَّررُ الأنسانية بالأيمان به. لو كانت الشريعة تُبَّررُ وتُخَّلِص لما كانت الحاجة الى مُخَّلِص آخر. وسوف يُؤَّكدُ يسوع أنَّ الخلاصَ بالأيمان به والعماد بآسمه، ومن لم يؤمنْ به سيُدان (مر16: 16). لم يربط الله خلاصَ البشر بالشريعة بل بالأبن الذي وعدَه للأبوين الأولين (تك3: 15)، وبالعهد الذي أبرمه من أجله مع إبراهيم (تك17: 6)، وجدَّدَه بعدَه مع داود (2صم 7: 12-13). هذا الأبن سيأتي من نسلِ إبراهيم. هذا ما سيفتتحُ به متى إنجيله قائلاً :" نسبُ يسوع المسيح إبن داود إبن إبراهيم. فإبراهيم ولد اسحق. وإسحق ولدَ ... ويعقوب ولد يوسفَ زوجَ مريم والدةِ يسوع " (متى1: 1-16). وفي يوم ميلاد يسوع بَشَّرَ الملائكةُ الرعاة قائلين : " اليوم وُلدَ لكم مُخَّلِصٌ في مدينةِ داود، وهوالمسيحُ الرَّب" (لو2: 11). ويسوعُ نفسُه أكَّدَ للفرّيسيين وللكتبة أنَّهم ليسوا هم أولاد إبراهيم لأنهم لم يعرفوا الله ، أمَّا هو" فرأى ابراهيمُ يومَه وفرح "(يو8: 22-40، و56). لأنَّ يسوع عرفَ الله مثل إبراهيم وآعترفَ بفضلِه و وَثِقَ به أنه يُكَّملُ ما وعد:" أشكرك يا أبي لأنَّكَ إستجبتَ لي. وأنا أعرفُ أنَّكَ تستجيبُ لي في كلِّ حين" (يو11: 41-42).

نحن أبناءُ الله و ورثتُه !

فميلادُ يسوع تمَّ حسب وعد الله لا بمطلبٍ من الشريعة. لأنَّه " المسيحُ إبنُ الله الحَّي، الآتي إلى العالم"(متى 16: 16؛ يو1: 34؛ 11: 27)، كما وعدَ لآبائِنا ابراهيمَ ونسلِه للأبد"(لو1: 55). ومن آمنَ به من البشر، وسيُؤمن، أُعطى لهم أيضًا أن يكونوا أبناءَ الله، لأنَّهم وُلدوا من كلام الله الحَّي (يو1: 12؛ 1بط1: 23). يُشَّدِدُ مار بولس على هذه الحقيقة، فيقول : " فدانا المسيح حتى نصيرَ نحنُ أبناءَ الله. والدليلُ على أنَّكم أبناؤُه هو أنَّه أرسَلَ روحَ إبنِه { يسوع} إلى قلوبنا هاتِفًا < أبَّا ، يا أبانا >. فما أنتَ بعدَ الآن عبدٌ، بل إبنٌ. وإذا كنتَ إبنًا فأنتَ وارثٌ بفضلِ الله " (غل4: 7؛ رم8: 14-17). فميلادُ يسوعَ في الناسوت وقبولُه أنْ يُصبحَ " إبنَ الأنسان" ما هو إلا طريقٌ لميلاد المؤمنين به في اللاهوت وتمَّتُعُهم بـ" بُنُّوةِ" الله الأبدية. فعيدُ ميلاد يسوع ينبغي أن يكون عيدَ ميلادِ في النعمة لكل مؤمن به ومُحِّبٍ له. فنُعَّيدُ لا بمظاهر الأزياءِ وفواخِرِ الأطعمة، حتى ولا بزينةِ الدار، بل لتكن هذه كُلُّها رمزًا و إشارةً إلى فرحِ القلب الطاهر و البريء، وإلى زينةِ إضاءَةِ الأيمان الصادق والفَعَّال.

و وُلِدَ من امرأة !

وآنتهى نصُّ الرسالة بالعبارةِ الشهيرة :" ولمَّا تمَّ الزمان، أرسَلَ اللهُ إبنَه مولودًا لآمرأَة ". لقد سار بولسُ على خُطى يسوع في تسميةِ أُمِّهِ " مريم". دعاها يسوع في بدءِ رسالتِه وفي ختامها " يا آمرأة" (يو2: 4؛ و19: 26). مريم ليست فقط أُمَّا ليسوع. إنها أكثر من ذلك. و لها في تجَّسُدِه ورسالتِه دورٌ مُهِّم تُؤَّديه تعاونًا معه وتسهيلاً لمهمَّتِه في فداءِ البشر. إنها المرأة التي أعطاها أُمًّا لآبنه لتُعينَه في تمديدِ الحياةِ الألهية بين الناس. كما أعطى اللهُ حَوّاءَ " مُعينةً " لآدم لتُنجبَ معه أبناءَ أحياءَ لله. وكما هو أخٌ لنا في الناسوت أصبحنا نحن إخوتَه في بُنُّوةِ الله وميراثِه، هكذا كما كانت مريم الإمرأة التي ولدته لحياتِنا هي الأمٌّ التي تبَّنتنا و تُعيننا لتُدخلنا إلى دائرة الحياة الألهية بالأيمان والرجاء والمحَّبة. فبولسُ الذي يُسَّمي المرأةَ " مجدَ زوجها وهو رأسَها " (1كور11: 3-7)، يُقِّرُ ويُلفتُ النطرَ الى دورها الحقيقي في مملكة الله. إنها تشتركُ في فعل الله الفدائي بتهيئة القلوبِ وإنارةِ الضمائر وتسهيل درب الأيمان بيسوع المسيح. فكما تمَّ الزمان حتى يتجَّسدَ إبنُ الله كذلك تمَّ الزمان وآنَ الأوان للمرأةِ ألا تعيشَ على هامش ملكوت الله. وكما هي في المسيح متساوية مع الرجل(غل3: 28) وشريكته في ميراث الخلاص (1بط 3: 7)، كذلك تشملها مُهِمَّةُ أداءُ رسالة المسيح، مثل الرجل، والتعريف به والشهادة له على حياتِه فقيامتِه (يو20: 17-18 ؛ مر16: 15؛ أع 1: 8). ليست المرأةُ لا خادمةً ولا تابعة بل هي مؤمنة إبنة لله تساهمُ في بناء مملكةِ أبيها على الأرض وتتمَّتع بخيراتِه في السماء. لذا نلاحظُ أنَّ بولس يُعطي أهميةً كبيرة للمرأة في النشاط الرسولي ويُحَّيي فيمدَحُ اللواتي برزن منهن لاسيما المتعاونات معه (رم16: 3-15).


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com