الأحـد الثـاني للصـوم ! * * * * *<:>* * * * * 2018.02.18


تتلى علينا اليوم القراءات : يش4: 15-24 ؛ رم6: 1-23 ؛ متى7: 15-27

القـراءة : ايشوع 4 : 15 – 24

يروي لنا النص خبر دخول بني إسرائيل أرض الميعاد بعبورهم نهر الأردن على اليبس مثلما عبروا على اليبس بحرالأحمر عند خروجهم من أرض العبودية. وعند قراءة الفصل التالي نكتشفُ أنَّ من عبروا الأردن لم يكونوا نفس الجيل الذي عبر بحرالأحمر. بل الذين ولدوا في برية سيناء فترة السنين الأربعين التي قضاها الشعبُ هناك إلى أن باد الجيل الذي تمَّردَ على الله (يش5: 4-7). وكأنَّ اللهَ يُصَّفي الشعبَ فيغسلُ خطاياه ليُطَّهرَه من كلِّ عاداتٍ وثنية يكون قد تبَّناها أو فسادٍ تمَرَّغَ بطينه في بلاد الغربة. لقد أعلنها الله له عندما طلب من ايشوع أن يختن بني إسرائيل الذين ولدوا في البرية، فـقال عنهم بأنه " نزعَ عنهم عار المصريين ".

• الدخول من الشرق !

يتمُّ دخولُ أرض كنعان من شرق نهر الأردن بآتّجاه الغرب. بينما كان المُتوَّقع، وهوأقصر الطرق، أن يُحاذوا البحر المتوسط عبورًا بغزّة. لكن خطَّة الله تختلفُ عن خطة البشر. حتى الخروج من مصر لم يتم بمحاذاة البحر. بل تاهوا في الصحراء جنوبًا حتى وصلوا بحر الأحمر. من جهة جنَّبهم الربُ المناطق المأهولة بالسكان لئلا يواجهوا مقاومتهم فيتراجعوا عن غيِّهم في التوَّجه نحو أرض"اللبن والعسل" (خر13: 17-18). ومن جهةٍ أخرى يختبرُ الشعبُ قساوة الحياة ويتعَّودُ على النضال من أجل الحياة. فالذين كانوا قد تعَّودوا على رفاهية الحياة في مصر وتذّمروا على موسى (خر14: 10-12؛ 16: 2-3؛ عدد11: 4-6) ، والذين حاولوا تبديد آمال الشعب ورَدّهم عن متابعة المسيرة نحو أرض الميعاد (عدد13: 31-33)، والذين تركوا عبادة الله، كانوا قد فسدوا فأصبحوا جيلاً أعوج وغير مؤمن (متى 17: 17)، الذي أبدى"غلاظة الرقبة وقساوة القلب" (خر32: 9)، كان يجب أن ينتهي ليقوم جيلٌ مؤمن فتح عينيه على وصايا العهد وعرف أنَّ حياته متوقفة على ثقته بالله.
إبراهيم أيضا دخل من شرق الأردن أرض كنعان وكله ايمان وثقة بالله. كان عندئذٍ وحده. أما اليوم فقد أصبح شعبًا مع كامل المقومات الأساسية. هكذا يُحَّققُ الشعبُ حلمَ أبيه مُلبيًّا دعوة الله، وليس تحقيقًا لرغبتِه الخاصَّة. إبراهيم أبو الأيمان سيوَّحدُ الشعبَ في إيمانه بالله. ستسكن الأسباط من جهتي النهر. وحتى لا يقسمَ النهرُ وحدَة الشعب سيعبرُ المحاربون من قبائل الشرق أولا (آية 12) ليحموا عبور الشعب في أغلبيته ويحميه من خلف محاربوا القبائل العابرة الى الغرب؛ ولا يعود الأولون الى موطنهم إلا بعدَ أن يكتملَ العبور بسلام ويستقّرَ الشعبُ في الضفةِ الغربية. مع الأستعداد لمواكبة مسيرة الشعب داخل العمق الفلسطيني وإغاثتهم عند أي خطر يتعَّرضُ له مستقبلاً. بقوة الله سيحافظون على وحدة كيانهم ويدافعون عنه.

• توَّقفت المياه أم جَفَّتْ ؟

" مياه الأردن توَّقفت أمام تابوت عهد الرب عند عبوره" (آية7). ولما صعدوا الى اليابسة "رجعت مياه الأردن الى موضعها وجرت كما كانت من قبلُ" (آية18). هكذا وصفَ النصُّ مرور الشعب عبر النهر. ثم أضاف "على اليبس عبر بنو إسرائيل نهر الأردن، لأنَّ الرَّبَ إلهَكم جَفَّفَ المياهَ قدامنا فعبرنا. كما صنع بالبحر الأحمر الذي جَفَّفَه أمامنا حتى عبرنا" (آية 22و 23). تشابهٌ ثانٍ بما حدث عند الخروج من مصر. حتى هناك يدور الكلام عن إنشقاق البحر وتوقف جريان المياه وعن "ريح شرقية عاصفةٍ ..أيبست ما بين مياهه فآنشَّقت المياه.. والماءُ لهم سورٌ عن يمينهم وعن يسارِهم" (خر14: 21-22). إنها حياة متواصلة لمسيرةٍ واحدة في الجوهر: الله يقود الأنسان. ولكن هناك أمرًا آخرَ مهمًّا جِدًّا يجب الوقوف عليه. هذا الأختلاف الظاهر بالكلمات يدُّلُ بالمعنى على نفس الحقيقة. إنه يدُّلُ فقط على وجود تيارين في كتابة " سفر التوراة". أي إنَّ الذي حرَّرَ التوراة كان له مصدران أو تقليدان كهنوتيان حفظا أخبار الشعب فدمجهما ببعضهما. وحفاظًاعلى خصوصية كل واحد منهما نقل الكاتب النصَّ بشكلين , وأحيانًا مختلفين بالأسلوب أو الألفاظ. وهذا الأمر واضحٌ كليًا في الأنجيل عندما ينقلُ كلُّ انجيلي بعباراتٍ وتفاصيل مختلفة عن بقية الأنجيليين في سرد نفس الحدث أو الخطاب. فهنا إذا توَّقفت المياه عن الجريان يبدو قاع النهر أو البحر يابسًا. لا يجُفُّ النهرُ بل يتوقف جريانه لفترة ثم يستأنفُ جريانه ، طبعًا بأمر الله، ليسمح للشعب أن يعبرَ بسهولة. المهم هو أنَّ هذا يتم ، بأيِّ شكل كان، بأمر الهي ولأجل خدمة الأنسان الذي يُحّبُهُ الله ويعتني به. وبالتالي أن يعترفَ الأنسان بعظمة الله وقدرته الجبارة على كل شيء وعنايته.
فالله لا يُعاقبُ أحدًا بذنبِ غيرِه. وقد إعترضَ عليها في حزقيال النبي فقال:" حَيٌّ أنا، يقول السَّيدُ الرب، لن تُرَّددوا بعدَ الآن : الآباءُ أكلوا الحِصرمَ وأسنانُ البنين ضَرِسَت.. جميعُ النفوسُ هي لي. نفسُ الأبِ ونفسُ الأبن. كلتاهما لي. النفسُ التي تخطَأُ هي وحدَها تموت.. الأبنُ لا يحملُ إثمَ أبيه، والأبُ لا يحملُ إثمَ إبنِه.. أدينُ كلَّ واحدٍ منكم بحسبِ أفعالِهِ" (حز 18: 1-2، 19-20، 30). ولكن تداعيات الخير أو الشر في المرء تُؤَّثرُ على من حواليه من أقرباء. هكذا بسبب خطيئة آدم ، الأب الأصل، تألمت الأنسانية كلها. وكذلك بسبب بِرِّ آدم الثاني ، موت يسوع المسيح الكفَّاري ، نالت الأنسانية الخلاص. لأنَّ بينهما وبين الأنسانية رابطة دمٍ وحب، بُنُّـوةٍ وأُخُّـوة.

• الجلجـال !

تحَّدثَ النص أيضا عن الحجارة التي أُخِذَتْ من قاع النهر وأُقيمت نُصبًا تذكاريًا للحدث في " الجلجال". يبدو أنه موقعٌ غير مأهول بالسكان. وفي نفس موقع العبور وإقامةِ النصب يلي خبرُ ختانة الشعب الذين ولدوا بعد الخروج من مصر، أي فترة السكن كالبدو في الخيام في برية سيناء. عُرفَ المكانُ بـ"هاعرلوت، أي تلَّة الختان"، ثم سُمِّيَ "الجلجال ". وفسَّرها الكتاب بأنَّ الله قال عن ذلك" اليومَ نزعتُ عارالمصريين عنكم. فدُعيَ المكان < الجلجال> " (يش5: 9). لقد طهَّرَ اللهُ شعبه من رجاسات مصر الوثنية، ليكون دخوله أرض الميعاد نقيًا ومُقَّدَسًا. كما عزل اللهُ إبراهيمَ عن قومِه لوثنيته الدنسة هكذا يَستقبلُ الله شعبَه في كنعان ويرفعه الى حالة إبراهيم النقية. ولاسيما يُذكره بعلامةِ عهده الذي أبرمه مع إبراهيم ليكون الشعبُ مُلكًا خاصًّا بهِ، يكون هو وحدَه إلَـهَهُ. والختانة أصبحت علامة هذا العهد (تك17: 7-12). لقد عاد الشعب الى وطن إبراهيم وسيرثُ مُلكَه، ومطلوبُ منه أن يسلكَ مثله في قداسة السيرة، " أُسلُك أمامي وكن كامِلاً" (تك 17: 1).

• تكون لكم عــلامة !

إنَّ النصبَ التذكاري الذي أمر اللهُ ايشوعَ بإقامته هو أيضا " علامة". علامة جبروت الله وعنايته. علامة طيبه الأبوي وعنايته للشعب ومعجزاته هي كتابٌ يحكي ماذا فعل الله لهم وكيف خلَّصهم من العبودية وأعادهم الى بلد أجدادهم شعبًا مُكَّونا ومُزّوَّدًا بكل مستلزماتِ سيادته وحضارته. وبالنتيجة يتقي الشعبُ اللهَ مدَّة حياتِه وللأبد. وعلامة عظمته وجبروته حتى " تعلم جميع شعوبِ الأرض، لاسيما المجاورة لبني إسرائيل ، أنَّ يد الرب قديرة " فيهابونه ويحترمون شعبَه ولا يُحاولوا أذيتَه.


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com