الأحـد الرابع للبشارة ! **************** 2018.12.23

عـيد مار يوسف البتـول

تتلى علينا اليوم القراءات : تك24: 50-67 ؛ أف5: 5-17 ؛ متى1: 18-25

الرسالة : أفسس 5 : 5 – 17

الأحد الأخير في الأستعداد لعيد ميلاد الله المُتجَّسِد، يسوع المسيح. وُلِدَ إبنًا للأنسان من لحمِه وحياتِه ليعودَ فيَّضُخَّه بالروح الألهي ويُحييهِ من جديد في حضرةِ الله. يريدُ الله أن يُولدَ في قلبِ وفكر كلِّ إنسانٍ فيولدُ الأنسان، بل يُخلَقُ، من جديد. إستغرَبَ نيقوديمُسُ خبرَ ولادة ثانية ولم يستوعبْ قولَ يسوع وفكَّر في إستحالةِ عودةِ الإنسان ثانيةً الى بطن أُمِّهِ. أمَّا قصدُ يسوع فكانَ أن تتجَدَّدَ طريقة حياة الأنسان وتعودَ إلى النموذج الذي خُلِقَ عليه. فيعودُ الى سلوك حياةٍ روحية إلهية، مادام هو نفخةٌ من روح الله. وأفضلُ آلإستعداد يكون تلبية رغبة المسيح و وتطبيقُ شريعتِه. مع المسيح يتركُ الأنسان حياة الجسد، سلوكه الشهواني الذي يُميتُ، ليحيا شريعة الروح فيسلك سبيل الروح الذي يُحيي ويُريح (رم8: 1-8 ). فالأستعدادُ الصادق للعيد يكون إذن تغييرٌ في السلوك، من إنساني غريزي الى إلهي روحي. و سيدَّلنا بولس على كيفية تحقيق ذلك.

لا يخدَعَّنَكم أحد !

أولُّ تعليم ليسوع وأهَّمُه ينقُلُه إلينا الرسول هو " لا تتبعوا". أنتم أحَّبائي يقول يسوع وأحرارٌ ولكم خصوصيتُكم : أنتم المُعَّمَدين بآسم المسيح " قد لبستُم المسيح". والمسيحُ حَرَّرَنا من كلِّ شكل للعبودية (غل5: 1). فيدعو الرسول المؤمن إلى عيش دعوتِه المسيحية بوعي وثبات (أف4: 1). نتبَّنى فكر المسيح (في2: 5؛ 1كور2: 16)، ونستمع إليه نابذين كلَّ رأيٍ مختلفٍ عنه أو مناهضٍ له. لسنا بعدُ من العالم وإنْ كنا نعيشُ فيه. أنتم مثلي أصبحتم أبناء الله، يقول يسوع، وتساميتُم في السلوك، فلا يليقُ بكم أن تزحفوا على الأرض. أنتم هياكلُ يسكُنها روحُ الله، الروحُ القدُس، وهيكلُ الله مقَّدَسٌ "فلا تخدًعوا أنفسَكم.. وتتصَّرفوا بمقاييس هذه الدُنيا "(1كور 3: 16-18). لقد أبغضَكم العالم لأنكم لستم منه (يو15: 19)، فلا تنخدعوا بأبنائِه. إيَّاكم أن يُضِّلَكم أحد ولا تُصغوا إلى إدّعاءاتِهم وإغراءاتِهم، ولا تقلقوا من شَّرِهم وطُغيانِهم (متى24: 4-14). هكذا ينقلُ الرسولُ تعليم المسيح ويزرعُ الثقةَ بهِ في المؤمنين ليحميهم من خداعِ العالم ومن دجلهِ. أهلٌ العالم يزولون ومبادئهم تنقرضُ أمَّا الله فوحدَه باقٍ وتعليمُه وحدَه ثابت ألى الأبد (مز102: 27-28). فلا ينخدع المؤمنون بأضاليل العالم ومنطقهِ السُفلي ولا يُشاركونه أباطيله. ولا يتسَّلطُ عليهم خوفٌ من قادةِ العالم ولا يقبلوا بتبعية أحد. حتى الله الخالق رفضَ أن يدعوَ المؤمنين به "عبيدًا". بل دعاهم أحَّباء (يو15: 15)، لأنهم أبناؤُه ومُتابعي أعمالِه و ورثةُ مجدِه (رم8: 14-17).

لا تكونوا شُركاءَ الأشرار !

وثاني تحذير للرسول في رسالةِ اليوم هو ألا يشترك المؤمنون في شَّرِ أبناءِ العالم وفسادِهم. الشراكةُ أمرٌ خطير. يتحَّملُ الشريكُ وزرَ المخالف للحَّق أو نعمة المُنقاد له. فالشراكة مقاسمة الحياة في حلوِها ومُرِّها، في مجدها وذُّلِها. نتقاسمُ مع شريكِنا نتائج أعمالِنا المشترَكة. نشاركُ المسيح آلامَه، إذا سلكنا طريق المسيح، فطبَّقنا تعاليمَه، وقبلنا من أجلِه الضيقَ والإهانة وحتى الإضطهاد أو الموت ، لنتقاسمَ معه بعده مجدَه و نعيمَه (في3: 10؛ 1بط4: 13). أمَّـا الذي يرفُضُ آدابَ المسيح ويسلكُ طريق الفساد،"كالفسق والزنى والفجور أي أعمال الظلام الباطلة .. فلا ميراثَ له في ملكوت المسيح والله .." وعليه " لا تليقُ بالقدّيسين" والأولى بالمسيحي أن يفضَحَها و يبتعدَ عن أصحابها لا أن يتبَعَها (2طيم3: 1-6). تطبيقًا لهذا المبدأ رفضَ بولس أن يشتركَ بمخالفة بطرس للمحبة الأخوية في أنطاكية ولامه لومًا شديدًا (غل2: 11-14). ثم وَّصى بعدَه تلميذَه طيمثاوس بألا يشتركَ في خطيئةِ غيرِه (1طيم5: 22 ). كما وصَّى أهلَ كورنثية بألا يشتركوا في " مآدب ذبيحية للوثنيين" لأنها ، كما قال:" هي ذبائحُ للشياطين لا لله. وأنا لا أريدُ أن تكونوا شركاءَ الشياطين " (1كور10: 20-21). يُؤَّيدُ يوحنا هذا الموقف ، ويقول :" من تطاولَ وما ثبتَ على تعليم المسيح .. هذا مُضَّللٌ ومسيحٌ دَجَّال.. وإذا جاءَكم أحدٌ بغير هذا التعليم فلا تقبلوهُ عندَكم ولا تقولوا له: < السلامُ عليكَ>!. من سَلَّمَ عليه شارَكه في أعمالِه السَّيئة " (2 يو1: 9-11). لا يريدُ الرب أن نسايرَ الناس بل أنْ نسايره فنتعَّلم ونعمل ما يرضيه مثل يسوع (يو8: 29)، ونضمنُ راحَتنا ومجدَنا مدى الأبد.

أنتـم أبناءِ النور !

وما يُرضي الله هو ألا نخجلَ من أعمالِنا. بل أن نكون على مستوى ما خلقَنا عليه وما دعانا إليه. خلقنا قدّيسين وأقامَنا " في المسيح للأعمال الصالحة التي أعَّدَها لنا مِن قبْلُ لنسلُكَ فيها" (أف2: 10). يريدُ لنا أن نكون " نورًا لهداية الأمم وخلاصًا للأرض كلها " (اش49: 6) كما هوالمسيح نفسُه (لو2: 32). قال يسوع عن نفسِه أنَّه " نور العالم" (يو9: 5)، وأنه جاء يشهدُ للحق (يو18: 37) فيُضيءُ" للجالسين في الظلام وفي ظلال الموت" (لو1: 79). لم يعمل يسوع في الظلام أو الخفية. عمل كلَّ شيء في النور ليراه الناس ويسمعوه (يو18: 30-31). وعن تلاميذه أيضًا قال أنَّهم نورُ العالم ومِلحُه (متى5: 13-16). وعلى التلميذ الذي عقدَ مع يسوع عهدًا أن يقتديَ به ويتوَّشحَ صورتَه ألا يسمحَ أن ينطفيءَ فيه نور الحق أو يتفهَ ملحُ القداسة. معذورٌ ربما من لم يعرف المسيح. أما تلميذُه فلا عُذرَ له أن يتجاهلَ أخلاقَ المسيح ويتبع أخلاق العالم. هكذا قال بولس لأهل أفسس أنهم كانوا، قبلَ إهتدائِهم الى المسيح، ظلامًا. لكنهم الآن وقد عرفوه فقد تنَّوروا به فيجدرُ بهم أن يُظهروا أعمال النور الذي فيهم. وأعمال النور وثمارُه هي" الصلاح والتقوى والحَّق". ومن سلكَ فيها كان إبنًا للنور، فيُرضي الرب ويحافِظُ على نورِه.

سيروا سيرة أبناءِ النور !

وآستعدادًا للإحتفال بالعيد بشكل مُفرِح ومٌريح تدعو الكنيسة أبناءَها الى التأمل في نصائح الرسول التي تُمَّثلُ تعليمَ المسيح، والتقَّيُد بها. وتعَّلُمُ الدرس من بولس نفسِه إذ جعله الرب مثالا للمؤمنين فيقتدوا به (1طيم1: 13-16). لأنَّ بولس يُؤَّكدُ بأنَّه " لم يتلَّقَ بشارتَه ولا أخذها من إنسان، بل عن وحيٍ من يسوع المسيح نفسِه" (غل1: 11-12). ولما عرف بولس يسوع وتتلمذ له إنقلبَ من مُضطهِدٍ الى مُبَّشر، ومن " مُجَّدفٍ شتَّامٍ " الى نموذجٍ للآداب الحميدة، حتى تحوَّلت حياتُه الى صورةٍ لحياة المسيح فقال: "لستُ أنا الذي يحيا، بل المسيحُ يحيا فيَّ" (غل2: 20). فلمْ يُخَّيبْ نداءَ رَّبِهِ بل قَدَّسَ نفسَه وسلك درب الرب في قداسةِ الحَّق والبر فطلب بدالة من المؤمنين أن يقتدوا به كما يقتدي هو بالمسيح (1كور10: 31- 11: 1) . هكذا فعل يسوع وطلب. قال في صلاته الأخيرة " أقَّدسُ نفسي من أجلهم" (يو17: 19)، ولما غسل أرجل التلاميذ قال في وصِّيَتِه الأخيرة "جعلتُ لكم من نفسي قدوة" (يو13: 15). وهكذا ينبغي لتلميذ المسيح أن يقتدي بالمسيح وليس بأبناء العالم فيجعل من نفسِه بدورِه قدوةً للآخرين. وإذا إستعَّدَ تلاميذ يسوع المسيح بهذا الروح يقدرون أن يشعروا يوم العيد أنهم في ضوءِ " نور" المسيح ، و يقولوا : " لم يولد يسوع في مغارة معزولة مظلمة وجامدة، بل في بيتٍ مأهولٍ مُنَّوَرٍ بالأيمان وقلوبٍ يُضرِمُها فيُنعِشُها الحُّبُ الصادق لله".


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com