الأحــد الأول للبشارة ! **************** 2018.12.02

تتلى علينا اليوم القـراءات : تك17: 1-27 ؛ اف5: 21-33 ؛ لو1: 1-25

الرسالة : افسس 5 : 21 – 33

نبدأُ بعون الله سنة طقسية جديدة. وبعد أنْ تأَملنا خلال السنة الطقسية الماضية في القراءة من العهد القديم، لكلِّ أحد، ننتقلُ هذه السنة الى التأمل في نصوص الرسائل، لنُسَّلطَ الضوءَ على الأيمان المسيحي المُعاش في عهد الرسل قبل أن تُدَّونَ أسفارُ الأناجيل المُقَّدَسَة التي تحوي تعليم يسوع المباشر. وهذا دليلٌ على أنَّ المسيحية تتكل على كلمة الله المُعاشَة قبل كلمتِه المُدَّونة أو المُعلَنَة، أي تنهَلُ من روح الشريعة الألهية وليس من حرفِها.

الرجال ونساؤُهم !

تتوَّجهُ السنة الطقسية إلى " الأنسان" الذي خلقه ذَكرًا وأُنثى والذي، بعد أن خسرَ الأُلفةَ مع الله برفضِه سماعَ كلامِه، دعاه الله في شخص إبراهيم المؤمن (القراءة الأولى) إلى تشكيل عائلة بشرية خاصَّة بِهِ، هو الله، تسمع كلامه وتُصبحُ شعبًا يُنيرُ لبقية الشعوب طريقَ الحياةِ الحَّقة، القائمة على العلاقة بالله، والهادفة الى تحقيقِ الراحةِ والهناء. والشعبُ برُّمَتِه تسودُه آدابُ وخُصوصياتُ العائلة الواحدة. وكما كان ابراهيمُ وشعبُه آيةً للآخرين هكذا يسُّنُ الرب يسوع، في العهد الجديد الذي ختَمه بدمِه، دمِ المحَّبة و الغُفران، دم التفاهم للأنسان والتعاون بين أفراد الأسرة المؤمنة بناءًا على ما مَيَّزها بهِ اللهُ منذ البدء لتكون رائدة العلاقة الصحيحة مع الله ومع الناس. وتلك المُقَّوِمات ستبرزُ في أخلاق العائلة المسيحية نموذَجًا لكل العوائل البشرية. وفيما يلي يُحَدِّثُنا مار بولس عن تلك الأخلاق أو العناصرِ الأساسية.

ليَخضَعْ بعضُكم لبعض !

العائلة مؤسسة. ولكل مؤسسةٍ نظامٌ ومسؤولٌ يقودُها لتسيرَ كلُّ الأمور وفقَ مُتطلبات حياتِها التكوينية والأيمانية، فتكون الحياة مريحةً هنيئة. ففي العائلة ربُّ الأسرة، قائدها وحاميها ، و مُنَّشِطها ومُنعِشُها. وليسَ النظام للمحاسبة والمعاتبة، ولا القائدُ للتحَّكم في المشاعرأوالمواهب بل للرعايةِ وتذليل المشَّقات والمُعَّوقات أمام العائلة. وفي هذه الرؤية الزوجية للحياة يدعو الرسول الزوجين إلى سلوك طريق الرب. لأنَّ الله وحدَه موجِدُ الحياة وراعيها الأصيل، لأنه هو الذي كَوَّنها فيعرف كيف تحَّققُ ذاتَها. وطريق الرب أن يخضعَ أي ينقادَ كلُّ زوجٍ الى الآخر لأنه جُزْءُه المُكَّمِلُ. ليس ولا واحدٌ منهما" إنسانًا كاملاً"، لا في فكره ولا في قلبه ولا في قدرتِه، بل كلاهما معًا يُشَّكلانِه كاملا ويعيشانِه. لهذا فالآنقيادُ/الخضوع يتطلبُ التفكيرَ والأهتمام بالآخر قبل الذات. و يتطلبُ الحوارَ والتفاهمَ قبل التشَّبثِ بالرأي الخاص. كما بتطلبُ أحيانًا البذلَ، بل حتى التضحية بالمشاعر الخاصَّة ، من أجل المصلحة المشتركة. هكذا فعل الله مع الأنسانية. لم ينتظر أن يتراجعَ الأنسان عن خطإِهِ فيتوب حتى يُعيدَه الى كرامتِه الأولى، بل بادر فتخَّلى هو عن مجدِه وتأنَّسَ ليُفهمَه عن جسامةِ عِصيانِه وسوءَ الكبرياءِ والعناد، وبالمقابل عن الخير العظيم الذي يجتنيه بطاعتِه له، فأطاعَ وتألم صابرًا على الحَّق " لخاطرعـيونِ من أحَّب "، أي الأنسان، ليُضفي عليه مجدَه الأول. ومـثله يجب أن يتعاملَ الزوجان المسيحيان الواحد تجاه الآخر لأنهما " مؤمنان بيسوع المسيح". لذا قال مار بولس" بحُّبِ المسيح "، أي لأنّهما يُحّبان الرَّبَ يسوع، الذي هو الأول في حبه لهما (1يو4: 10؛ رم5: 8)، والذي هكذا أوصى فشَرَّع أن يكون الحًّبُ علامةً مُمَّيِزة للمؤمنين به وأن يكون حُّبُه الألهي هوقياسًا لكل حُّبٍ وعلاقةٍ بشرية (يو13: 34-35).

أيَّتُها النساء إِخضَعنَ لأزواجكن !

وبعد وضع الأُسس الأيمانية للزواج يـأتي الرسول الى عيش تلك المباديْ أو القِيَم في الحياةِ اليومية. فالنظام يُقيمُ رأسًا يقودُ العائلة ويحميها. فكما يُحَّركُ الرأسُ، بالعقل الذي فيه، جميع أعضاء الجسم وتستجيبُ لتوجيهاتِه، هكذا عقل الأسرة المُدَّبر أو المُحَّرك هو" الرجل". لا بفضل من عندهِ بل بتنظيمٍ إلهي حباه به القُدرةَ الخاصَّة على ذلك، فكَّلفَه بهذا الواجب. لذا قال الرسول:" الرجل رأسُ المرأة". هذا لا يُقَّلل لا من قيمة الزوجة ولا من دورها في تدبير شأن العائلة. لأنها بالتالي هي القلب المُحيي. فالرجل لبُعدِ نظرهِ وعُمقِه وسِعةِ صبره وتفَّوقِ قدرتِه يُنَّظمُ الفعل داخل الأسرة، على ضوءِ الحَّق وبشكلٍ غيرعاطفي، ليسودَ فيها السلامُ والأمان فيتحَّققَ حِلمُها بالراحة، ولتبنيَ الأسرة الكونية الشاملة. الأنسان كلُّه، بجزْءَيه الذكر والأنثى ، صورة الله. لكنَّ كلَّ جُزءٍ يُمَّثلُ جزءًا من عمل الله. الذكر/الرجل في الفكر والقيادة، والأنثى/ المرأة في الحُّبِ والتدبير. ولكي يتمَّ تنسيقٌ فعَّال بين الدورين لزمَ أن يتقَّيدَ كلًّ واحدٍ بالدور المُناط بهِ ولا يتفاضلَ فينتقل إلى أداء دور غيرِه فيَنهملَ أو ينقُصَ كلّيًا دورُه، فتتأذى الأسرة من جَرّاءِ ذلك. وقد ألمحَ الكتابُ إلى هذا في قصَّةِ الخلق أنَّ المرأة أُخِذت من الإمريء (1كور11: 7-10)، وبسبب تصَّرف المرأة القيادي ، الغيرالمسؤول والخاطيْ وآتّباعِها عاطفتها الشهوانية (تك2: 21-3: 16)، وُكلت إليها مهمَّة إحتضان الحياة بالحمل والأنجاب ليحتفظ الرجل بدورالقيادة وحماية الحياة وتوفير حاجاتها. وبسبب هذا النظام طلب الرسول من الزوجة أن تخضع لزوجها " في كلِّ شيء"، لا عقابًا بل محَّبةً. وعاد الرسول فأعطى للزوجين مثالا يقتدون به، إنَّه المسيح الذي يرأسُ الكنيسة، جماعة المؤمنين به، والكنيسة التي تخضع له عن حُّبٍ وتقدير. لأنَّه هو مُخَّلصَها، مسؤولٌ عنها ويعتني بها. ليس للمرأةِ غيرُ زوجِها، الذي صارت معه واحدًا، تعتمدُ عليه يُرشِدُها الى الحَّق و يسنُدُها في شِدَّتِها وحاجتها. زوجٌها هو جُزءُها المُكَّمل، وبدونه لا كيانٌ لها ولا حياةٌ إنسانية. فعليه تستند وليس على أهلها، ومعه تعيشُ حياتَها الأنسانية وليس مع غيره، كائنًا من كان، حتى ولا مع أولادها الذين سيتركونها عند بلوغهم ليعيشوا بدورهم في أعشاشِهم الخاصَّة.

أَّيُها الرجال أحّبوا نساءَكم !

وكما وجَّه بولس تعليمَ الرَّب الى الزوجة وجَّهَ الكلام أيضًا الى الزوج الذي يبقى، كالمسيح للكنيسة، العمود الفقري للأسرة. فالمسيح أحَّبَ كنيسته ولم يستعبِدْ أبناءَها خًدّأمًا له، بل أحَّبَهم كلَّهم فكَّرَمَهم ودعاهم" أحّبائي" (يو15: 15)، وآستأمَنَهم قطيعَه الصغير. هكذا يكون موقفُ الرجل من إمرأتِه. يُحِّبُها أبعدَ درجة ممكن، بعد الله فقط (متى10: 37)، لأنه هو وزوجته معًا صورة كاملة لله مصدر حياتهما، ويُتابعان معًا عمله، ويُمَّددان معًا حياتَه، ويُرَّبيان معًا أبناءَه. وإن كانت هي ساعدَه الأيمن فهو رأسُها الذي يحميها ويُنَّسقُ حركتها ونشاطها لتكتمل صورة الأسرة وتتناغم حياتُها مع مشيئة الله. بدون الحب الصادق وغير المحدود لا تقومُ لهما حياةٌ ولا ينعما بالراحةِ والهناء. وحبُّ يسوع لكنيسته لم يكن لا محدودًا ولا مشروطًا ما عدا بالحق والبِّر. ومن أجل حُّبِ كنيسته تخَّلى عن مجدِه وراحتِه ليُقاسمَ حياة الأنسان ويُمتَحَنَ في كلِّ شيء، حتى في الضيقَ والشقاء، ما عدا الخطيئة (عب4: 15)، هكذا تركَ الرجل والديه ليقاسم الحياة مع زوجته في الحلو والمر، في السَّراءِ والضَّراء. ولن يسندَ مشروعَه هذا غير الحب الصادق الغير المنقسم لزوجته. وهذا الحُّب يُبديه لزوجتِه في كلِّ وقت وفي كل مناسبة، كيلا تُفسدَه موَّدةٌ لغيرِها أو تعَّلقٌ بالناس أو الأشياء من دونها. يبدي تعَّجُبَه وتمَّسُكَه بها فيعتني بها ويُعينُها ويبذل نفسَه من أجلها بحيثُ تشعرُ به بقُوَّة ولن تخذًلَه بدورها. ولذا لا نستغربُ تشديدَ الرسول على محَّبة الرجل لآمرأتِه.

أليُّحب كلُّ واحد إمرأته، ولتوَّقرْ المرأةُ زوجَها !

هكذا أنهى الرسول كلامَه عن الزوجين، كما كان قد بدأه بأن يخضعا لبعضِهما. هناك بحًّبِ المسيح وهنا كما هي العلاقة بين المسيح وكنيستِه. لقد جمعَ الله بين الزوجين ورفضَ أن يُفَّرقَ البشر بينهما (متى19: 6). وها هوالرسول يكشف نقاط ضُعفِ كلِّ واحد منهما ويصفُ له الدواءَ الواقي. لكون الرجل فكريًا وعقلانيًا فقد ينزلقُ في نزوته الى قبول علاقة خاطئة تُدَّمرُ حياتَه إذا لم يستدركْ تصَّرُفَه ويتراجع عن سوئِه. وقد يُبعدُه عمله المُكَّثف عن العائلة فيدفَعُه إنخِباصُه به الى التعَّلق بغير زوجتِه فينحدرُ في النهاية إلى هاوية إهمال زوجتِه. لذا وصف له الرسول دواءَه الواقي، الحب الصادق الشديد لها. أما الزوجة فلكونها عاطفية ترى الأمورَ كلَّها من هذه الزاوية، ولا تراها إلا منها. وإذا لم يوافقها زوجُها أحيانًا الرأيَ والقرار فقد تحتقرُه وتُذِّلُه. ولأنها ترى كلَّ شيءٍ آنيًا وعن كثب فتريدُ حلولا سريعة تُطفيءُ لهيب غيرتها. وإذا لم يتبَّنَ الزوجُ حلولَها فقد يصغُرُ في عينِها. وبما أنها تُحِّبُ المظهر فتتمنى أن يكون زوجها في مرتبة عالية في المجتمع تجلب النظرإليه. هذه بعض التجارب التي قد تُصابُ بها المرأة، لذا حَذَّرَها الرسول منها، ونصَحها بأن تقيَ نفسَها منها بآحترام زوجها وعدم التعالي عليه أو محاولة إستغلالِه لتحقيق مطامعها الزمنية على حساب ضمان الحياة الأبدية. وقد تقعُ مخالفاتٌ بينهما أو تصادمٌ في الآراء، أو حتى وقوعُ أخطاءٍ. فلن يكون حَلُّها في التشَّكي والتقمقم والفضيحة أو حتى في الأنفصال. حلُّها في العودة الى الحب الأصيل وآعتبار الكرامة الخاصَّة وإنعاشِها. قال الرسول "لا أحد يبغضُ جسَدَه قط. بل يُغَّذيه ويعتني به". لم يُبغض المسيح قط كنيستَه، شعبَه المؤمن به بل حتى غير المؤمنين به. ولا فكَّر يومًا بأن يُهملَ حتى الذين بغضوه وقتلوه أو يبغضونه اليوم ويضطهدون كنيستَه. لقد إلتجأ دومًا إلى حُّبِه العظيم وآحترامه حُرَّية الأنسان ليسامحه ويُعينه في متابعة مسيرة الحياة بهدوء ويباركَ خطواتِه الأيجابية لخدمةِ البشرية. ولم يمَّل من الصبر على عصيان الناس أمره وتجاهلهم شريعتَه. بل يظل يداوي جروح أعضاءِ جسده السَّري ويرفعهم من سقطاتِهم: لأننا جسدُه وهو رأسنا ولأنه يُحّبُنا ونحن مُتمسّكون به رغم فتورنا وضعفِنا وحتى خياناتِنا. هذا هو سِرُّ نجاح زواج المؤمنين، أن يتمَّثلوا في سلوكهم بحياة المسيح. وقد قالها مار بولس بصحيح العبارة في بداية الفصل :" إقتدوا بالله كأبناءَ أحِّباء" (أف5: 1) وكما يليقُ بعباد الله (1بط2: 16و 21) واثقين بكلام الله (1تس1: 6). ولا يقول مار بولس شيئًا من عنده بل يُقِّرُ فيعزو كلَّ ما يكتبه الى تعليم المسيح قائلا :" أمَّا نحن فلنا فكرُ المسيح" (1كور2: 16).

القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com