الأحـد الثاني للكنيسة ! ********<>******** 2018.11.11


تتلى علينا اليوم القراءات : خر39: 32 -40: 16 ؛ عب8: 1-9: 10 ؛ متى12: 1-21

القـراءة : خروج 39 : 32 -– 40 : 16


أكمل بنو إسرائيل صنعَ الخيمةِ وأجزائها، كما أمر الربُ موسى وهذا أوصى الصناع المهرة بتنفيذ المشروع (خر36: 8)، حيثُ سيحضرالله بين الشعب وتُقدَّم فيه القرابين وتُرفعُ العبادةُ لله. ومن جملة ما فيها تابوت العهد الذي وُضِعَت فيه لوحا الوصايا والمنَّ وعصا هارون الذي أورق (عب9: 4)، وهناك يلتقي الله بموسى، وعليه يحرق هارون البخورالعطر(خر30 : 6-7؛ 16: 33؛ عدد17: 25؛ 10: 5)، فنصبَها موسى حسب تعليمات الله له. ثم كَرَّسَها " بزيت المسح الخاص"، وهو خليط خاص يمزجُ من الأطياب والعطور والمر واللبان (خر 30: 22-31)، ليكون كلُّ شيءٍ فيها مقَّدَسًا. وحتى الكهنة، هارون وبنيه، كرَّسهم موسى بصَّبِ الزيت المُكَرَّس على رأسِه وملابسه (خر29: 5-9؛ أح8: 6-12). ويبدو هذا التكريس ضروريًا لخدمة الرب الذي يتقَّدسُ في الذين يخدمونه (أح10: 3). وقد خسر موسى وهارون شرف الدخول الى أرض الميعاد لأنهما " لم يؤمنا بالله ايمانًا يُظهرُ قداسته على مرأى بني إسرائيل" عند تفجير الماء من الصخرة (عدد20: 12).

وملأ مجدُ الرَّب المسكن !

ولما فرغَ موسى من نصب المسكِن يقول الكتاب" غَطَّى السحابُ خيمةَ الأجتماع وملأ مجدُ الرب المَسْكِنَ". والسحابُ علامةُ حضور الرَّب. لذا تابع النص :" فلم يقدرْ موسى أن يدخلَ إليه". سألَ موسى مَرَّةً الربَّ أن يُريَه مجدَه فأجابَه :" أمَّا وجهي فلا تقدر أن تراهُ. لأنَّ الذي يراني لن يعيش" (خر33: 20). ولهذا يظهر السحاب ليدُّلَ على حضور الرب. يقول اشعيا في رؤياه للرب أنَّ" الهيكلَ إمتلأ دُخّانًا" (اش6: 4)، بينما رأى دانيال الله في الحلم آتيًا إليه على سحاب السماء (دا7: 13)، كما سيظهر المسيح في مجيئه الأخير(متى24: 30؛ رؤ14: 14). لم يشُّك الشعب أن السحاب إشارة إلى حضورالله. وكانت تظهر على خيمة الأجتماع. وكان "كلُّ من طلب مشورة الرب يخرجُ إليها"، كما يهرعُ اليوم المسيحي إلى الكنيسة كلَّما أصابته شجون. وموسى نفسه كان يلتقي الرب هناك. وكان" إذا خرجَ اليها يقوم كلُّ واحد من الشعب ويقفُ على باب خيمتِه وينظرالى موسى.. وكان موسى إذا دخلَ الخيمة ينزلُ عمودُ السحابِ، ويقفُ على باب الخيمة، ويُكَّلمُ الرَّبُ موسى. وكان إذا رأى الشعبُ عمود السحابِ واقفًا على باب الخيمة يقومون ويسجدون، كلُّ واحدٍ على باب خيمتِه " (خر33: 7-10). ولمَّا يلتقي موسى الرب كان وجهه بعده يشُّع نورًا خافَ الناس ، حتى هارون، الأقترابَ منه فبدأ يُغَّطي، بعد كلِّ لقاء، وجهه ببُرقعٍ يرفعُه عندما يدخلُ الخيمة ليَرُّدَه من جديد بعد اللقاء (خر34: 29-35). ولمار بولس تفسيرٌ روحيٌ لهذا الحدث فيقول :" لسنا نحن مثل موسى الذي كان يضعُ قناعًا على وجهه لئلا يرى بنو إسرائيل نهاية ما يزول. ولكن عميَت بصائرُهم فلا يزالُ ذلك القناع الى اليوم غيرَ مكشوفٍ عند قراءةِ العهدِ القديم، و لا ينزعْه إِلاّ المسيح. نعم الى اليوم لا يزال القناع على قلوبهم عند قراءةِ شريعةِ موسى. ولا ينزعُ هذا القناع إلاّ الأهتداءُ الى الرَّب" (2كور3: 13-16). وقد سبق وأكَّدَ الرب لموسى أنَّ الهدف من نصبٍ الخيمةِ وما يجري فيها هو أن يشعرَ الأنسان بأنَّ الله حاضرٌ معه (خر25: 8)،وإن لا يراهُ. وقد قال قبل نصبها :"عند باب خيمةِ الأجتماع أجتمعُ بكَ لأُكلمَك. هناكَ أجتمعُ ببني إسرائيل فيتقدَّسُ المكانُ بمجدي. و أُقَّدسُ خيمة الأجتماع.. وأسكنُ في وسط بني إسرائيل، وأكون لهم إِلَهًا.. فيعلمون أني أنا الربُ الهُهم..أسكنُ فيما بينهم، أنا الرب إلهُهم"(خر29: 42-46).
ولمَّا بنى سليمانُ الهيكل ودَّشنَه "ملأَ السحابُ هيكلَ الرب، ولم يقدر الكهنة { كما عند تدشين الخيمة } أن يؤَّدوا الخدمةَ، لأنَّ مجدَ الرَّب ملأَ الهيكل" (1مل8: 10-11). شعر سليمان برهبة الموقف وأحَّس بعظمة الرب فبسط يديه نحو السماء وناجاه :" تباركَ الربُ الأله .. أيها الرب الأله.. هل تسكُن حَّقًا على الأرض؟. حتى السماوات وسماء السماوات لا تسعُ لكَ. فكيفَ هذا الهيكل الذي بنيتُه لكَ؟. إلتفت الى صلاتي..ولتكن عيناك مفتوحتين..على الموضع الذي قلتَ يكون اسمُك فيه لتسمع الصلاة.." (1مل8: 25-29). ليس مسكن الرب بسعتِه ولا بعظمته. الرب يسكنُ في قلب الأنسان حيث تجيشُ المحَّبة، وفكرِه حيث يراه المؤمن بالأيمان . فالحب والأيمان يسعان خالق الكون، :" من أحَّبني سمعَ كلامي فأحَّبه أبي، ونجيءُ إليه و نقيمٌ عندَه" (يو14: 23).

سحابٌ نهارًا ، نارٌ ليلاً !

هكذا كان الشعبُ يشهدُ حضورَ الله. لم يكن الحضور فقط لآعترافِ الأنسان به ولتبجيله. كان الحضور من أجل إغاثة الشعب وتسهيل إقترابه الى الله بثقة وموَّدة فتتكون بينهما داّلةُ الأُبُّوة والبُنُّوة. مثل كلَّ طفل رضيع يبادر والده الى حمايته وتوفير كل حاجاته تعبيرًا عن جُلِّ حُّبه وآهتمامه براحةِ إبنِه وسلامتِه، هكذا يبادرُ الله الى الأعتناء بشعبِه الذي وُلِدَ لتَوِّهِ. بعنايتِه يبدي حُبَّه، وبحُبِّه يُعَّلمُ إبنه الحب ويكسبُ ثقته. ويعطيه بذلك الوعيَ ويدعوه الى تبادل الحب. كما يمنحُه الفرصة ليطرح الأنسان همومه وأثقاله على الله من جهة ومن أخرى يُصغي إليه بحب تعَّلمِ الحَّقَ كلَّه فالعيش براحةٍ وهناء. وهذان منظرا السحاب والنار يوحيان ألى حماية الشعب ، نهارًا من الحَّر إذ يُظللُ عليه، وليلاً إذ يذود عنه الحيوانات المفترسة بالأضافة الى الإنارة لتسهيل حركة الناس. ويُضيفُ الله على ذلك عونًا آخر هو أنه عندما يرتفعُ السحابُ من فوق الخيمة يتحَرَّكُ الشعبُ وينتقل إلى موقع آخر، وحيث يستقّرُ من جديد هناك يتوقفُ ويرتاح أو يتزَوَّد بالماءِ والقوت. لقد وعد اللهُ موسى أنه " يسيرُ معه ويَهديه سبيلَه" (خر33: 14).
وهذا درسٌ للبشر وضمان بأنَّ الله قريبٌ في كل وقت من الأنسان لا ينساه، حتى لو نسيت أُمٌّ رضيعَها(اش49: 15). يهتَّمُ به ويُداريه حتى لو لم يعترف هو بفضل الله. يقودُه نحو خلاصِه وراحتِه ومجدِه حتى لو لم يُدركُ هو مُبَّررات الله التي تبدو أحيانًا غريبة عنه أو قاسية عليه. لا يطالبُ الله الأنسان أن يُبادلهُ بالعناية والأهتمام، لأن الله ليس في حاجةٍ ليطلب. كلُّ ما في الأمر يُرشدُ الله الأنسان ويتعبُ عليه ويفعل المعجزات المُدهِشات من أجله لكي يعيَ طريقَ مجدِه وسعادته في الحياة.


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com