الأحــد الأول للكنيسة ! ********<>******** 2018.11.04


تتلى علينا اليوم القـراءات : اش6: 1-13 ؛ 1كور13: 1-13 ؛ متى16: 13-19

القـراءة : إِشَعيا 6 : 1 – 13


رؤيا إِشَعْـيا

لقد ساءَ الشعبُ جِدًّا وآنزلق الى الألحاد عميقًا. صاروا " يدعون الشَّرَ خيرًا والخيرَ شَرًّا"، يدَّعون لأنفسهم الحكمة والقوَّة والفعلَ ويستخِّفون بالله ويُطالبونه بتقديم البُرهان عن نفسِه أمام عيونِهم، قائلين :" ليُسرعْ قدّوسُ إسرائيل في عملِه حتى نرى، وَلْتقتربْ وتظهرْ مقاصِدُه حتى نعلم" (اش5: 19). وصلَ الكفرُ والتجديف الى محاسبة الله. فأخبرَ اللهُ إشَعيا بأنَّ القصاص لا يتأخرُ فسيُنكَبُ الشعبُ وسيحُّلُ الدمارُ في كلِّ شيءٍ وكلَّ مكان. لقد " فتحت الهاوية جوفها وفمها بلا حدّ لتبتلعَ أشرافَ أورشليم وهامَّتَها وضجيجَ مباهجِها، فينحَّطُ مقامُ البشر ويسقطون وتنخفضُ عيونُ المترَّفعين.. سيحُّلُ السوادُ والضيقُ في أرضِها والنورُ تحجُبُه الظلمة .. لأنه سيُسبَى الشعبُ لجهالتِهم.." (اش5: 8-30). سيُسبى أولاً شعبُ مملكة إسرائيل (721ق.م)، و يليهُ شعبُ يهوذا (587/6ق.م)، ويدفعُ كلٌّ منهما ثمنًا باهظًا لجريمةِ التخَّلي عن الله وخيانة العهد ومخالفةِ شريعةِ الله التي تلَّقاها على جبل سيناء و وعد بالتقَّيدِ بها. ردًّا على تهمة الشعب وآستخفافِه، ولكي يعرفَ من هو الله، يُظهرُ اللهُ مجدَه وجلاله وعظمته لإشعيا حتى يشهدَ لجيلِه كما حدثَ مع موسى ورؤيا يوحنا. و وصف اشعيا الرؤيا هكذا : " رأيتُ السَّيدَ الرب جالسًا على عرشٍ عالٍ رفيعٍ ، وأطرافُ ثوبِه تملأُ الهيكلَ { هو الله الذي يحمي شعبه وليس البشر من يحمون الله كما يحمي الجنود الملوك!}، وسرافيمُ فوقَه قائمون، {واقفون كالجندي أمام قائده أو العبدِ أمام سيِّدِه} لكل واحد ستةُ أجنحة ، بآثنين يستر وجهه وبآثنين يستر رجليه {علامة الأحترام وستر ضعفهِ ونقصِه أمام كمال الله وقداستِه، و كما هارون والكهنة يَأتَزرون بالسراويل لسترعُريِهم.خر20: 26؛ 28: 42-43؛ 39: 28}، و بآثنين يطير{رمز الخدمة المتواصلة والسرعة في تنفيذ أوامرالله}، وكان واحدهم ينادي الآخر و يقول: قدوسٌ، قدوسٌ، قدوس { ثلاثيًا، رقم الكمال. الله كاملٌ لا ينقصه أو يُعيبُه شيء} ، الربُ القدير،الأرضُ كلها مملوءَةٌ من مجدِه" { الله هو الذي يضفي المجد ويشُّعُه في الكون} ( آية 1-3).
هذا هو الله خالق الكون والأنسان : مجدٌ وعزَّةٌ وقداسة الحَّق والبر. إذا كان للملوك والرؤساء من البشر عروشٌ تفنى وتتعَفَّن وحمايةٌ مُؤَّجرون، إلا إنَّ الله محبوبٌ ومُكَّرمٌ طوعيًا ومُمَّجدٌ أكثر من كل مجد بشري بنوعٍ، لا يزول ولا ينقص. وقد رآه يوحنا و وصفه كالآتي: " و إذا عرشٌ في السماء، وعلى العرش واحدٌ يبدو كأنه اليشبُ والعقيقُ الأحمرُ وحول العرشِ قوسُ قزحٍ في مثل لون الزُمُّرد. يحيط بالعرش أربعةٌ وعشرون عرشًا، وعليها اربعةٌ وعشرون شيخًا يلبسون ثيابًا بيضاءَ وعلى رؤوسِهم أكاليلُ من ذهب ، ويخرجُ من العرشِ برقٌ و رعدٌ وأصواتٌ { كما حدثَ على جبل سيناء ، خر19: 16-19)، وقدّامَ العرشِ ما يُشبِهُ بحرًا شَفّافًا مثل البِلَّور. وفي وسطِ العرشِ وحولَه أربعةُ كائناتٍ حَيَّة (رمز الأنجيليين الأربعة. حز1: 5-14)، لكل واحد ستَّةُ أجنحة مُرَصَّعَة بالعيون (المعرفة ) من حولها ومن داخلها، ولا تنقطعُ عن التسبيح ليلَ نهار: قدوس، قدوس، قدوس ، الربُ الأله القدير، كانَ {في الماضي، موجودٌ من الأزل} وكائنٌ {في الحاضر، مستمِرٌ في الوجود ولم يمُت} ويأتي {يبقى للأبد}. إنَّه هو هو لا يتغَيَّر: بالأمسِ واليومَ وإلى الأبد"(عب13: 8). وكُلَّما سَبَّحَ الكائنات الحّيَّة الأربعة تسابيح التمجيد والأكرام والحمد للجالس على العرش .. ركعَ الأربعة والعشرون شيخًا .. و سجدوا للحَّي إلى ابد الدهور، وألقوا أكاليلَهم عند العرش وهم يقولون: يا رَبَّنا وإِلَهَنا لك يحِّقُ المجد والإكرام والقدرة لأنَّك خلقتَ الأشياءَ كلَّها، وهي بمشيئتِكَ كانت و وُجِدَت" (رؤ4: 1-11). قدوس، قدوس، قدوس ...الخ" ما يزالُ من يومها يُرَدِّدُها المسيحيون في عبادَتِهم ولاسيما أثناء ذبيحةٍ القداس رافعين المجدَ المتواصلَ لرَّبِ الأرباب، مُنْضّمِّينَ بذلك الى جُمهورِالناس المُخَّلَصين " من كلِّ أُمَّةٍ وقبيلةٍ وشعبٍ ولسانٍ ، الواقفين أمام العرش وأمام الحمل، يلبسون ثيابًا بيضًا ويحملون بأيديهم أغصان النخلِ وهم يصيحون بصوتٍ عظيم: النصرُ لآلهِنا الجالس على العرش وللحمل.. آمين ! لآلهِنا الحمدُ والمجدُ والحكمة والشكرُ والإكرامُ و القُوَّة والقدرة إلى أبدِ الدهور. آمين " (رؤ7: 9-12). مجدً كاملاً أبديًا { سبع صِفات }!.
قُدُّوسٌ، أي القداسة بالذات بكمالها، هو الثابتُ في الحَّق والبر ولا ينحاز عنه، " لا ينحاز ولا يدورُ فيُعطي ظلاًّ {يكذب}" (يع1: 17). ولن يعرفَ الله إلاً من قدَّسَ ذاتَه وعاش في الحَّق. و لن يثبتَ في الحَّق إلا من ثبتَ في كلام الله (يو8: 31). ومن ثبت في الحق هو القديس؛ " يا أبتاه قدِّسْهم في الحَّق. لأنَّ كلامكَ حَّقٌ.. من أجلهم أُقَّدسُ نفسي، أعيش في الحق وأشهد له (يو18: 37) حتى يتقَّدسوا هم أيضًا في الحَّق" (يو17: 17-19). ولأنَّ الله قدوسٌ خلق البشر في القداسة وطلب منهم أن يكونوا مثله قدّيسين "(أح19: 2) لأنهم صورته، يحملون وسمَ روحِه القدوسة. و سيُؤَّكَّد يسوع أنَّ عبادةَ الله ، التعامل معه، تقوم على الروح والحَّق (يو4: 23)، على القداسة. فاللهُ يكره الكذبَ والنفاق والظلم وكلَّ نوع من نجاسةِ الشَّر. ورؤياه لإشعيا تعلنُ للشعب الغارق في الشر أنَّ الحقَّ برّاءٌ منهم، براءةَ الذئبِ من دم يوسف (تك37: 33). إنَّه توبيخٌ لا رجعةَ فيه، إذ لا مساومة في الشر. فما يدَّعونه لا ينفعُ سوى لإدانتهم وفضحِ سوئهم. وحتى السبيُ لن يغسلَ الشعبَ من كبريائه وسرعة إنزلاقِه الى الشر. إنَّه جيلٌ أعمًى وأعوج (متى 17:17). سينتهي الشعبُ لا بالتحَّجُج فقط على الله بل برفضِه و"صلبِ ربِّ المجد" (1كور 2: 9). مجدُ الله في الحق. وكذلك مجدُ الأنسان. وعندما يزيغُ الأنسان عن طريق الحق يجلبُ على نفسِه الدينونة والبلية عوض المجد. وإنسان اليوم وقادةُ الشعوبِ لا يبدون سلوكًا أفضل. لقد تركوا الله وراءَ ظهورِهم، بل و كثيرون لا يترددون في الأستخفافِ من الله ومطالبتهم له بأن يزيلَ الأمراض والظلم إن كان موجودًا وقادرًا وعادلاً. ليُظهر فعلَه، كما قالوا في زمن إشعيا، وليُعلن عن نياتِه ويُغَّيرَ سُنَّـتهُ ويكشفَ عن نواياهُ حتى يتأكدوا من صِحَّةِ ما يُعلنُه وحيُ الله، بينما يعملون هم في السّر!"لأنَّ أعمالهم سيّئة. ومن يعمل السيّئات يُبغضُ النور،فلا يُيبِلُ الى النور لئلا تفـتضحَ أعمالهم " (يو5: 19-20).

إِرسـال إِشَعْـيا !

رغم كلِّ غباوةِ الأنسان وآثامِه لا يريدُ الله له شَرًّا بل يستمِرُّ يُعَّلمُه ويُحَّذرُه من مغَّبة تجاهل شريعته ويُنَّبهُه بواسطة رسلٍ ويدعوه الى العودة الى قداسة السيرة والتقَيد بعهدِه مع الله في سلوك سبيل الحَّق في المحبة والرحمة وهما شعاران للقداسة، فيرحمُه. لذا نرى الله يُنادي ويسألُ " من أرسِلُ". مَنْ مِنَ البشر يقبل أن يكون مِرسال الله ويتقَّيد هو أولاً بشروطهِ؟. من يقبل أن يتخَلَّقَ بأخلاق الله لتكون سيرته شهادة على ما يُبَّلغُهُ ؟. شعر إشَعيا، أمام هيبة الله وعظمته وقداستِه، أنه خاطيءٌ وضعيفٌ ويعيشُ بين شعبٍ دنس. لكنَّ الله القادرعلى كل شيء كان قادرًا أن يُنَّقِيَه ويُطَّهرَه من إثمِه، وكذلك أن يُطهر الشعبَ. فمن هو نبعُ القداسة قادر أن يُقَّدسَ غيرَه ويُحَّولَه فيُعيدُه الى صورته الأصلية. أن يُعيدَ إليه البراءة الأولى التي خلقًه عليها. يكفي أن يُصغيَ الى الله ويفعل ما يطلبُه منه. ما هو عسيرٌ على الناس هو سهلٌ على الله. فالسرافيم الذين كانوا يُمَّجدون الله هم يُنَّفذون أوامرَ الله، يُحرقون الدنس. إسمُهم على جسمِهم. لأنَّ كلمة " السرافيم" تعني" المُحْرِقون". يُطَّهرون مملكة الله، عندما يأمرُ، فيُحرقون زؤان الشر والفساد (متى13: 30). والأنسان بخلقتِه ضعيفٌ، وبإرادتِه إختارَ، منذُ خِلقتِه، ألاّ يسمع لله فيبتعدَ عن صداقتِه ويُنافسَه في عظمتِه. ولمَّا فشل فسقط، وبسقوطه تدَّنس، فلم يعُد قادرًا أن يكون مثل الله ويعمل أعماله. يُرسل الله سَّرافَه فيُطهِرُه، فيشعرُأنه ما يزالُ مُلْكَ الله، فيُعلن عندئذٍ بقُوَّة رغبته في الأستجابة لنداء الله " ها أنذا أرسِلني".
يريدُ الله إشراك الأنسان في فعلِه. الأنسان الذي يعرفُ أن يعترفَ بواقعهِ الهزيل بعدَ خطيئته، ويؤمن بقدرتِه على إنجاز ما يُكَّلفُه به الله، لأنَّ اللهَ سانِدُه وناصِرُه، فيتكلُ عليه ويخضع لأمره مثل إبراهيم (رم4: 18) ومريم العذراء (لو1: 38). طلب الله من إشعيا أنْ يبَّلغ الشعبَ ما رأى فعرفه عن الله، وما يعرفه الله عن الشعب. وهذا ما يطلبه الله من كلِّ إنسان يُكَّلِفه بإبلاغ رسالةٍ أو بأداء خدمةٍ ما لصالح الأنسانية. قال الله لأشعيا :" إذهبْ وقُلْ لهذا الشعب : مهما سمعتم لا تفهمون. ومهما نظرتم لا تُبصرون". لأنهم لا يقبلون أصلا أقوال الله ولا يهتمون بأعماله (حز3: 7). إنهم مُكتفون بذواتِهم لأنهم مقتنعون من أنفسهم أنهم لا يحتاجون الى الله. وبما أنَّ الله يحترمُ حرّية الأنسان، التي كرَّمَه بها، فلا يعترضُ سبيلهم ولا يُقَّومُ اعوجاجَهم بل يدعهم فريسة أهوائهم حتى يدفعون ثمنها، قال: " أجعلُ قلب هذا الشعب قاسيًا، وأُذنيه ثقيلتين ، وعينيه مُغمَضَتين.." بعيدًا عن بركةِ الله وعونِه. يتألم إشعيا للخبر، إذ يحُّنُ على شعبِه ويتمَنَّى لو لم تطُلْ المحنةُ كثيرًا فيسأل الله :" إلى متى"؟ .إلى أن يفقدوا كلَّ شيءٍ صنعوه بأيديهم فيعلموا أنَّهم ليسوا مثل الله ولا يدومون مثله، ويرون أنَّ الله موجود وحَّقٌ وقادرٌ وما يقوله يفعله. إلى أنْ يشمل الدمارُ والهلاك كلَّ الذين يرفضونه ويتجاهلونه. ويبقى وينعم بالأمن والسلام الذين يعرفون الله ويفتحون له قلبهم وفكرهم. أولئك الذين يقوم إيمانهم على جذع "العهد" ويتمَّسكون به بوفاء وإخلاص. هؤلاء سيتنعمون برعاية الله وعونه وخيراتِه، لأنهم إستمروا يمتصُّون، بجذورهم الأيمانية، قُوْتَهم وقُوَّتَهم من كنز الله الروحي. لقد آمنوا به وتقَّيدوا بشريعته وسمعوا كلامه، فلن يخذلهم الله بل يُمَّتعُهم براحتِه.
الله "هو هو بالأمس واليوم وللأبد". وما حدث لشعوبٍ أخرى يحدثُ في كلِّ العصور. الأنسان أيضًا لم تتبَّدل طبيعتُه المَّيالة الى السيادة الذاتية والمجبولة بالشهوات الحسيّة. وفتَّان الأنسان أيضًا لم يتخَّلَ عن إغراءاته وأكاذيبه ودجله. وهذا يعني أنَّ الناسَ يخضعون لتجربة نكران الله وتجاهله وآتباع ميولهم وأهوائهم الفاسدة. يستمِّرُ الله في فضح الشَّر وتذكير الأنسان بهويته الروحية وبالمصير الأبدي، مُوَّفرًا له لا فقط التعليم والتنبيه ولكن ايضًا كلَّ العون اللازم ليتصَّرفَ بعقل وروية فيعيش في الأستقامةِ والنزاهة مُصغيًا إلى رسل الله وأنبياء كلِّ الأزمنة، الذين يُقيمُهم بآستمرار لبناء الكنيسة في الحَّق (1كور14: 4)، وصامِدًا في وجه الأنانية والكبرياء والغرور.


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com