الأحــد الثالث لموسى ! *******<>******* 2018.10.28

زيارة ذخـائر القديسـين
ترازيا الطفل يسوع و والديها لويس وزيلين
للرعية 30 و 31 / 2018

تتلى علينا اليوم القراءات : اش41: 8-20 ؛ غل6: 1-18 ؛ متى8: 23 – 9: 9

القـراءة : إِشَعْيا 41 : 8 – 20


يُطمئنُ اللهُ شعبَه !

مرُضَ حِزَقْيا ملك يهوذا وتعافى فأرسلَ إليه مردوخ بلادان ملكُ بابل وفدًا يتفقَّدُه ويحملُ إليه هدايا السلامة. ولكي يُظهرَ حزقيا للوفدِ عِزَّتَه وأنفَتَه، فيُخبروا بها ملكهم، كشفَ له كنوزه و خزائنه وسلاحه متباهيًا بها على أنه ليس أقَلَّ إمكانيةً من ملكهم. ففاجاَه إشعيا وأَنبأه أنَّ كلَّ ذلك سيصفى في قصر ملك بابل وأنَّ حتى بنيه سيُصبحون خَدَمًا عنده. وعرف حِزَقيا وشعبُه أنَّ نكبةً كبيرة ستحُّلُ بهم. فآنهارت معنويةُ الشعب وكادوا ييأسون. وكما عرفنا قبل أحدين أنَّ الله سبق فأعلن عن نهاية السبي، تلك النكبة المُذّلة التي كانت تأديبًا للأمَّةِ وتنقيةً عن آثامها. و لكن الشعب ظلَّ قلقًا ولم يرتح نفسيًا. لأنه من يلقي ذلك المصير هل يبقى له بعدُ أمَلٌ بالنجاة؟. إن كان، وهوقوَّيٌ، لا يقدر أن يحميَ نفسَه، كيفَ يقدر أن يستعيدَ مجدَه وكرامتَه وهو يحتضرُ في منفاهُ شِبهَ ميت؟. فعلاً سيقولون لِحزقيال النبي :" يبِسَت عظامنا وخابَ رجاوُنا وآنقطعنا.. " (حز37: 11). لهذا الشعب المُتمَّرغ في اليأس يقول الرب :" لا تخف فأنا معك، ولا تتحَّيَر فأنا إلهُكَ. أما قَوَّيْتُكَ ونَصَّرتُكَ وبيميني الصادقة سَنَدْتُك؟". ويستشدُ على ذلك بالأحداث التأريخية المُسَّجلة عندهم. الشعبُ يعتبرُ وضعَه المُزري، ضعفَه وقلَّة عدده. واللهُ يعتبرُ عهدَه و وعودَه. فيُشَّدِدُ على عدم الخوف الغريزي في وضعهم التعيس. ويُكَّررُ لهم أنهم ليسوا هم من يقاومون و يحاربون. بل قوَّتُهم في نُصرتِه هو وتدَّخلِه. فيُجَّددُ نداءَه:" لا تخفْ من ضُعفِكَ يا يعقوب. و من قلة عددك يا إسرائيل. أنا نصيرُك.. أنا قُدّوسُ إسرائيل فاديكَ ..". و يُذَّكرُهم بما سبق وفعله لهم وكيف أبادَ أمامهم كلَّ من إعترضَ مسيرتهم وحاربَ أهدافَهم. لن يفلحَ أحدٌ في مقاومةِ الرب. كلُّ عدُّوٍ يبيدُ ويتلاشى. وشعب الله سيفرح ويبتهج ويفتخر.

هذا عهدٌ من الرب !

يُذَّكرُهم ويُؤَّكدُ لهم أنه لن يتخَّلى عنهم. لا بسبب حُسنهم بل لأنه هو تعاهدَ مع الشعب أن يحميه وينصره إذا تمَسَّكَ بأمانةٍ بوصاياه وتقَّيدَ بتعليماتِه. هكذا تعاهد مع ابراهيم :" أنا أكون لك إلَهًا ولنسلكَ من بعدك .. وأعطيك أرضَ غربتك.. وأنت تحفظ عهدي ، ونسلك من بعدك جيلا بعد جيل" (تك17: 1-10). وجدَّده مع موسى والشعب (خر24: 1-11؛ 34: 10-27). والعهدُ يُذكرُّ الشعبَ ويؤَّكدُ حضورَ الله بينهم :" أنا أسيرُ معك وأَهديكَ"(خر33: 14). وكان دليلُ حضوره بينهم يظهرُ على خيمةِ الأجتماع " مسكن الرب" بشكل سحابةٍ نهارًا ونارٍ ليلاً. وإذا إرتفعَتْ السحابةُ إرتحلوا، وإذا توقفَتْ نزلوا وحيث تبقى يمكثون (عد 9: 15-23). لقد كان حضور الله عن عهد قطعه للشعب، و" الله أمين يحفظ العهد والرحمة لمحبيه والعاملين بوصاياه إلى ألفِ جيل " (تث6: 9).

الشعبُ أسيرٌ وضعيف !

الشعبٌ مغلوبٌ على أمره. وهو مثل طير مكسور الجناح يتعَّذرَ عليه الطيران. هكذا كان إبراهيم في كنعان، غريب بين ملوك وأسياد لهم جيوشٌ ومحاربون. حماه الله وباركَ في ماله وخيراتِه. كان مثل جذع شجرة يابسة لا غصن له ولا فرع محكوم عليه بالزوال. وأنبتَ له الله فرعًا أصبح زرعه كنجوم السماء وكرمل البحر. بماذا؟ بايمانه بالله ورجائه وثقته وآتكاله عليه وتنفيذ أمره. وماذا كان نسله في مصر إزاء جبروت الجيش المصري. ومَن نجا؟ ومَن غرقَ؟. سند الله موسى وشعبَه وأنقذهم، وترك المصريين يواجهون ظلمهم وشرَّهم في لجج البحر. ومتى كان الشعبُ في مستوى أعدائه عددا وعدَّةً حتى يكون الآن؟. عندما يكون الشعب ضعيفًا ويؤمن فيستسلم لمشيئة الله ويُنَّفذُها عندئذٍ يكون أقوى من كلِّ قُوَّة. عند ضعف الأنسان تظهرُ قوَّةُ الله وجبروتُه. أَ لم يقُل :" في الضعفِ يظهرُ كمالُ قدرتي" (2كور12: 9) ؟. عندما ييأسُ الأنسان من نفسِه ويستنجدُ بالله عندئذ يبدو عملُ الله وقدرته، حتى لا يتوَّهم به الناس فيُعزونه الى ذواتهم.
فدى اسحقَ عند حافة الموت، وفدى بني إسرائيل عندما لفَّهُم الهلعُ وبدأت أنفاسهم تتقَّطع من هول ما جرى على بعد أمتار منهم. الشعبُ يرى ذاته ويعاينُ الأخطار المُحدقة به ويحُّسُ بقصرِ باعِه فيرعب. لأنه ليس منتبهًا دوما إلى ما يجري خلفه في عالم الروح. لا يستذكرُ بقوةٍ وجودَ الله بجانبه سترًا وترسًا يحميه. عليه أنْ يعرفَ أنَّ ما جرى في الماضي لم يكن وعدًا وعونا محصورًا على أفراد ذلك الزمن. بل يشملُ النسلَ " جيلا بعد جيل" إذا حافظوا على العهد كما يحفظه الله. لا يُهملُ الله شعبَه ولا يتنازل عنه ولا يخذله حتى ولا عندما يمتحن ايمانه أو يؤَّدبُه ليتابع مسيرة الأيمان. و لن يتركه إلا إذا بادرالشعب ونقض العهد و ترك الله. لقد إختارالله شعبَه لأجل رسالةٍ ولن يتخلَّ عنه إلا عندما تكتمل المهمة ويتخاذل الشعب ويخون. كلمة الله، أمره، لا ترجع اليه فارغة بل تحَّققُ هدفها (اش55: 11). وعندما يتحَّققُ الهدف يأخُذُ كلُّ واحد حَقَّه. إلى ذلك الحين يُثَّبتُه، ويُقَّومُ إعوجاجَه، يرفعه عند سقوطِه ويداوي جروحه عند الجهاد. إختيارُ الله له لا ينقطع ولا يتبَّدل. بل يستمرُّ ويتواصلُ عبر الأجيال إلى أن يأتي الذي يؤَّسسُ مملكة الله على الأرض ويسودُ على جميع الأمم. عندئذ يفهم البشر جميعًا أنَّ " الربَّ يقودُ الكون وأنَّ " يده صنعت كلَّ شيء ".

إسرائيل عبدي، يا يعقوب !

ألقابٌ ثلاثة جاءَت في آيةٍ واحدة، الأولى (آية 8)، نعتَ بها اللهُ شعبَه بالنظرالى رؤيتِه للأمر. يعقوب هو اسم فرد يُشيرُ الى حفيد إبراهيم، وصورة لأيمانه وجهادِه. يعقوب صورة كاملة للشعب: مغامر، مكافح، مجاهد، صبور ولاسيما مؤمن بإله أبيه وجدّه. هو المعتبر أبو الشعب الذي تكَّون من أولاده، الأثني عشر سبطًا. تضامنوا فيما بينهم وكافحوا وتماسكوا في الجهاد للحفاظ على ايمان آبائهم. وإسرائيل لقبٌ منَحهُ الملاك ليعقوب بعد ما صارعه طوال الليل في بيت ايل ولم يقوَ عليه، ولم يُفلته يعقوب إلا بعد أن باركه وسًمَّاه " إسرائيل" قائلاً له : " لا يُدعى اسمُك يعقوب بعدَ الآن بل إسرائيل، لأنَّك غالبتَ الله والناسَ وغلبتَ" (تك32: 19). صارت قوَّة الله مع يعقوب. فالشعب الذي تكَوَّن من صلبِه يحملُ في ذاتِه قدرة الله. فبقوةِ الله توفَقَّ يعقوب في حياتِه، و مثله بقوة الله يتغلب الشعب على كل المحن والصعوبات. الله معه يُصارعُ أعداءَه لأجله. إنه قوَّة الله الضاربة للفسادِ والظلم والطغيان. قوة الله التي تتسَّلح بالحق وتقاوم بالمحبة. قوة الله المضطرمة لهداية الشعوب وخلاص الأمم.
أما عبدي فصفة مكَّملة لهوية يعقوب، وبالتالي لهوية الشعب، وتعني أنه " مُلْكٌ خاص" بالله، قريبٌ منه، يتمثل بأوامره، يخدمُ بيتَه، والذي يكَّلفه الله بمهمات خاصَّة. كان أليعازرخادم بيت إبراهيم يدير شؤون عائلته وأملاكه. ويعقوب/إسرائيل يكون عبدًا لله، قريبًا منه يهتمُ بما يكلفهُ به الله، يُصغي إليه، يثق به، يخضعُ لمشيئته. ونظرًا لذلك يهتم به الله بنوع خاص ويحميه و يوَّفرُ له كلَّ حاجاتِه. يتعاملً الله معه بنوع خاص ومُتَمَّيز يختلف عن تعامله مع غيره. إنه بمقام الأبن الذي يديرُ أعمال أبيه. وقد سمَّى الله فعلاً شعبَ اسرائيل" إبنَه البكر"(خر4: 22). هذا الأبن واجبُه أن يَشهدَ لأبيه بسلوكه ليكون نورًا يُضئُ دربَ الحق وعونًا يقودُ الأمم إلى حظيرة الله وخيمته. هكذا يُطَمْئِن اللهُ شعبَه، ويُطمئنُ البشرية جمعاء أنَّ ضُعفَ الأنسان وجهلَه ليسا مُبَّررًا لخوفه أو تخاذله. ليس الأنسان سَيَّد الكون بل الله. ليس الأنسان من يحمي الحياة بل الله. الأنسان صورة الله ويدُه الفاعلة. إنه الوسيلة لمن يرعى الكون والأحداث. مثل إبراهيم ويعقوب و موسى الله حاضرٌ مع كلَّ مؤمن صادق، يُعينُه وينصره للخير والحَّق. أمَّا مصائب الحياة و صعوباتها فلا تقدر أن تُعيقَ عملَ الله أو تُفَّشلَه. ضعفُ الأنسان وقلة عدد الصالحين لا يقود الى الخوف بل يُكَّثِفُ تدَّخلَ الله وفعله. أمرٌ واحدٌ يجبُ فهمُه أن عملَ الله وطرقَه تختلفُ عمَّا للأنسان، فلا يُسرعُ التصَّرُفَ بعاطفة، بقدر ما يدع الأنسان يتصرف بحريته وهو يُحَّولُ كلَّ شيء لينتهي بتحقيق مُخَطَّطِه. كما فعل مع بيع يوسف (تك45: 7-8)، ومع طُغيان فرعون (خر7: 1-7). ليس العبرانيون وحدَهم شعبَ/اسرائيل الله بل البشرية جمعاء شعبُ الله، وقُوَّتُه تعملُ فيها لخيرها وخلاصِها.


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com