الأحد الأول لموسى ! *******<>******* 2018.10.14


تتلى علينا اليوم القراءات : اش40: 1-17 ؛ 2كور2: 1-11 ؛ متى20: 1-16

القـراءة : إشَعْيا 40 : 1 – 17


عَّزوا ! عَّزوا ! شعبي !

بهذه الكلمات يُعلنُ النبيُّ وحيَ الرب بنهاية السبي وعودةِ بني إسرائيل إلى الوطن بفرح وآفتخار. يفرحون بنهاية معاناتهم وعذاباتهم، ويفتخرون بالرب لآياتِه العظيمة والمُدهشة بها يُعيد الحياة إلى الذين كانوا يعتبرون أنفسَهم عظاما أيبسَها الموتُ الروحي قاطعًا السبيل على كل أمل بالنجاة (حز37: 11-15). وتتعَّدى النُبُوَّةُ سبيَ بابل التأديبي إلى الإعلان عن إقتراب زمن الخلاص بمنح الغفران عن خطيئة الأنسان، وينتهي بذلك النفيُ عن الفردوس فيعود الأنسان إلى نعيمه الأول في" جَنَّة عدن" و يتنَعَّم بالراحةِ في حضرة الله. وسيسقط بذلك إتهام المنافقين المستهترين القائلين :" أين موعدُ مجيئه؟. مات آباؤُنا ولا يزالُ كلُّ شيء منذ بدء الخلقة على حالِه ". وتثبتُ كلمة الله الذي : " لا يُؤَّخرُ إتمام وعدِه كما إتَّهَمه بعضُهم، لكنه يصبرُ عليكم، لأنه لا يشاءُ أن يهلكَ واحدٌ منكم، بل أن تبلغوا جميعًا الى التوبة " (2بط3: 4-10). فيتنبَّأُ اشعيا عن صوت يوحنا المعمدان الصارخ بين البشر فاتحًا طريق التوبة مُهَّيِئًا الدرب للتعَّرف على حضور المخَّلِص الموعود والمنتظر منذ أجيالٍ طويلة.

إنَّ الرَّبَ تـكَّلم !

يُشَّدِدُ النبيُّ على أنَّ الله ليس إنسانًا قاصرًا حتى يضيعَ الحَّقُ عندَه. ولا هو ضعيفٌ حتى يحابي أحدًا أو ينافق. تختلفُ أفكار الله وأسلوبه عن البشر(اش55: 8-9)، لأنه هو الخالق. و يعرفُ ما لا يعرفه البشر، ويقوى على ما لا يقوون عليه. ما يريدُه الله يتحَّققُ حتمًا ودومًا. و ما يقوله ليس سوى الحق. والحَّقُ يعلو دومًا، حتى ولو ببطيء، ولا يُعلى عليه. ولأنَّ اللهَ هو الوجودُ وهو الحياة فهو الحَّق. فما يقوله لابُدَ وأن يتّم. فـ" كلمتي، { يقول الرب}، التي تخرجُ من فمي، لا ترجعُ فارغةً إليَّ، بل تعملُ ما شئتُ أن تعملَه، وتنجحُ في ما أرسلتُها له" (اش 55: 11). لأنَّ كلمة الله أزلية وباقية للأبد. إذ" لا يتغَيَّرُ الله ولا يختلف" (يع1: 17). بل له وجهٌ واحد : الحَّق. لذا وجب الأيمانُ به والثقة بكلامه. وبالتالي التقَّيُدُ بإرادته وتوجيهاتِه.

بشِّروا بإِيفـاء الدَيْن !

طلب الرَّب أن يُعَّزوا شعبَه، أبناءَ أورشليم. عن ماذا؟. عن المحنةِ التي ستُصيبها على يد ملك بابل في 587ق.م، في دمارها وأسرِأبنائها ومأساتهم المُرَّة في منفاهم البابلي. كما سبقها دمارُ السامرة وسبْيُ أبنائها سنة 722ق.م ومعاناتهم على يد ملك آشور. بعد مصيبةِ الأنقسام أُبْـتُلِيَ بنو إسرائيل بمأساة المنفى تكفيرًا عن جرائمهم من جهة ومن أخرى عن تمَّرُدِهم على شريعة الله وتحَّولهم الى عبادة أصنام المال والجاه والعنف ولاسيما الأنانية والكبرياء، مُبتعِدين عن سبيل المحبة والرحمة ونابذين الغفران. وقد عانى الشعبُ كثيرًا من مُصابه الأليم، لكنه كَفَّرَ بذلك عن كلِّ ذنوبه وآثامِه. لا بل" قد وفت أورشليم للرب ضِعفين جزاءَ خطاياها ". ولماذا تصَّرفَ الله هكذا فعاقب شعبه بقسوة ولم يتخَّلَ عنه؟. أ تُرى أرادَ الله أن ينتقمَ لكرامتِه المُهانة؟. أم هل أراد أن يُذيقَ المُتمَّردين مُرَّ العذاب ليسحقَهم ويُجبرَهم على الخضوعِ له بالقوَّة مثلما يفعل قادة العالم؟. لا يبدو ذلك. بل سمح الله أن يتعَّذبَ شعبُه " ليبلغوا جميعهم الى التوبة" فيستعيدوا كرامتهم. و ليُعَّلمَهم أنَّ دفع الحساب يتِمُّ هنا على الأرض وتصفية الحساب مع من يُخاصمُه على إحترام صورته وصون قداسة الحياة:" سارع الى إرضاءِ خصمك ما دمتَ معه في الطريق"(متى5: 25)، أفضلُ من دفعه بعد الموت حيث" لاتَ ساعةَ مندم"!. و لا يريدُ اللهُ دينونة أبنائه وهلاكَهم بل أن يخلصوا (يو3: 17؛ 12 : 47). ولما ثبُتَ أنَّ الشعبَ سيوفي كلَّ دين آثامِه أعلن الله بُشرى خلاصهم ،:" بشّروا بالعفو عمَّا إرتكبته من إثم ". و تخُّصُ هذه النهاية أولاً عودةَ اليهود من السبي بعد حوالي 180 سنة من النبوءة، ثم رجوعَ الأنسانية الى" الفردوس" المفقود على يد آدم وذلك بمجيء المخَّلص الذي وعدَ اللهُ به (تك3: 15)، بعد حوالي 700 سنة من النبوءة. وسيتحَّقق ذلك على يد يسوع الذي يُعِّدُ المعمدان لمجيئه. سيظهرُ مجدُ الرب للعالم كله ويكون" نورًا لهداية الأمم، ومجدًا لشعب إسرائيل" ، الذي وثق بوعد الرب، كما سيرآه سمعان الشيخ (لو2: 30-32). هو الذي سيُحَّررُ الأنسان من إستعبادِ الخطيئة له ، وهي أصلُ كلِّ شَّرٍ في العالم وظلم وسبب كل وجع وألم ومأساة ، والخلاص الحقيقي يكون بالتالي لا من أسر وظلم فقط بل من منبعها ، أي الخطيئة (لو1: 77).

نهاية التأديب !

تحَّدثَ النص عن "نهاية التأديب". وعندما يتحَدَّثُ البشر عن "نهاية" أمرٍ ما يتحَّققُ ذلك قريبًا جِدًّا. لا أبعدَ من أيامٍ أو أسابيع أو كم شهر على أبعد حد. أما هنا فحتى السبيُ، مأساة الشعب التكفيرية، لم يقع بعدُ. والعودة منه ستتم بعد قرابة قرنين. إنه زمن طويل بقياس البشر. نعم ، ولكن لا ننسى أننا أمام الله. والله لا زمن فيه. كلُّ شيءٍ، بالنسبة إليه، حاضر. لا ماضيَ فيه ولا مستقبل. والزمن الأنساني أمامه لا شيء. يقول مار بطرس، نقلا عن المزمور 90: 4 ، :" يجب ألا تجهلوا أنَّ يومًا واحدًا عند الرب كألف سنة { بقياس البشر}، وأنَّ ألف سنة عنده كيوم واحد "(2بط3: 8-9)، بل " كهُنَيهةِ الليل". قياسُ الرب أزليٌ/أبدي، وآهتمامه بالبشر هو بتهيئة النفوس لفهم كلامه وقبوله والألتزام به كقاعدة سلوكية دائمة وليس لتصحيح آني وفوري لمسار خاطيء. فيعلم ويوجه، ثم يصبر على عدم تقَّيد البشر، ويتدَّخل بشكل إعجازي فقط عندما يحين الزمن، أي عندما يكون الناس قد إختبروا نقائصهم وآختمرت في أذهانهم كلمة الله فآقتنعوا عفويًا و تعَّلموا أن يسلكوا طريق الله في حياتهم اليومية. لذا لم يتجَّسد ابنُ الله إلا لمَّا حان الوقتُ لذلك (غل4:4). وفي ذلك خلاصهم، ولأجل ذلك يتأنى عليهم، كما قال مار بطرس :" يصبرُ عليكم لأنه لا يريدُ أن يهلك أحدٌ منكم، بل أن يتوبَ الجميع". و يصبر الله لأنه لا يُريد أن يقسرَ أحدًا من الناس على شيء. بل يريدهم أبناءَ أحبّاءَ له " بمليء وعيِهم وحريتهم وآختيارِهم ". مَرَّت ألفا سنة من مجيء المخَّلِص، وقد كشفَ للبشرية الحقيقة، ومن أجل ذلك جاء (يو18: 37)، ولكن لم يقبل به إلى الآن كلُّ العالم. جاءَ ليجمع شملَ البشرية جمعاء في حظيرة الحُّب والحَّق (يو10: 16)، ولكن ما يزال أغلب الناس خارج الحظيرة. وسيتأنى الله أيضًا ويصبر ، ربما ملايين سنين أخرى، إلى أن يكتملَ عددُ المخَّلصين (رؤ6: 11). وسيَتِّمُ في وقتِه !.

القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com