الأحــد 6 لأيليا و3 للصليـب ! ***********<>*********** 2018.09.30


تتلى علينا اليوم القراءات : اش26: 1-19 ؛ في4: 4-23 ؛ متى15: 21-39

القـراءة : اشعيا 26 : 1 – 19



في سياق صراعات بني إسرائيل، مملكة يهوذا، السياسية مع أعدائها الخارجين مثل آشور وبابل أوالأخوة الجيران السامريين، مملكة إسرائيل، يتحدَّث اشعيا خاصَّة عن بني القوم الواحد، ويَنعُتُهما بمدينتين : مدينة الله و مدينة الكبرياء، وذلك مقارنة بعلاقتهما بالله والوفاء لشريعتِه.

المـدينتــان !

المدينة الأولى تمتاز بالعدل والسلام، وتنعمُ برعاية الله رغم خروج عددٍ من قادتها وشعبِها، أحيانًا هي أيضًا، عن سبيل شريعة الله، لكنها تعودُ سريعًا الى جادة الصواب. وحتى في تيهها لا تقطع الصلة به. إنها وفيَّةٌ للعهد الذي قطعه آباؤُها مع الله. إنها تستندُ في ضيقِها على الرب الذي هو وحدَه " صخرة البقاء". وبدورها تُسنِدُ شعبَها فيتكلون ويتَّكئون عليها. و وفاءُ أبنائها يضمن لها القوة، لأنَّ من يستند الى الرب ويتقَّيد بشريعتِه يتمَتَّعُ أيضًا برعايتِه فحمايتِه. وله وحدَه النصرُ التام والنهائي، ومن يتكلُ عليه لا يخزى بل الرب يدفعُ عنه كلَّ ضيق وخطر، فيتنَعَّم بالراحة. هكذا وبينما تندثرُ بقية الشعوب الوثنية، الواحد تلو الآخر، لأنهم :" أمواتٌ ولا يحيون، وأشباحٌ ولا يقومون، .. و باد كلُّ ذِكْرٍ لهم .. فقد حطَّ الربُ المدينة الشامخة ، حطَّها ومَرَّغَها بالتراب "، بقيت أورشليم وشعبُها، رغم كلِّ ما إختبرَتْه من شدائدَ وضيقاتٍ و مَآسٍ، صامِدَةً ومتواصلة مع الحياة بقوة الله الذي ولو سمحَ لها حينًا بالشدائد لتتعَلَّمَ الدرسَ ولا تنسَ إِلَهَها مثل غيرِها، إلا أنه حماها وثمَّنَ صمودَ الأبناء الأوفياء في إيمانهم وساند جهادَهم لآستعادةِ راحتِهم ومجدِهم، كما قال النبي :" أمَّا شعبُنا فأنمَيتَه يا رب، أنمَيتَه وزِدتَه مجدًا و وَسَّعتَ حدودَه".
أما المدينة الثانية فآشتهرَت بإلحادِها ونفاقِها لاسيما بـ " عجرفتِها " وسلوكِها درب الفساد. و إن عنى بها أولا الممالك غير اليهودية كالمؤابيين والبابليين لكنه لم يعفُ مملكة السامرة من اللوم والتنديد. وبينما يكتب إشعيا هذا الحديث لقد إختفت كلُّ تلك الممالك ومنها السامرة. لأنَّ كلَّ تلك الأمم سلكت طريق الكبرياء والعنفِ والملَّذات. سمَّاها النبي " المدينة الشامخة" التي تخرج دوما الى الحروب شاهرة السيف ومُهَّددَةً بسفك الدماء، وقد تمَرَدَّت على الله وأصابَها الغرور فلم تحفظ الأمانة لشريعته ولا وفت له لا حَقًّـا ولا عهدًا. وكان من الطبيعي أن تنتهي بالدمار وتهلك شعوبُها، وبئسَ المصير. وبينما ترتفعُ في المدينة الأولى صلوات التسبيح والتبجيل ولاسيما الشكر والطلب ويستجيبُ لها الرب فيحضر بينهم ويدينُ أعداءَهم ويُنقِذُهم منهم، لم تعرفِ المدينة الثانية ولم تهتَّم ولا إتكلت على غير نفسِها فلمَ تقوَ على مواجهة الأقوى منها، لاسيما الله فرفع عنهم يدَه الحامية فأبادتهم شرورهم وغباؤُهم.

الطريقــان !

وقد سجَّل متى حديثًا للرب يسوع يُمَّيزُ بين بابين يؤدي كلُّ واحد منهما الى مصير مختلف. قال:" أُدخلوا من الباب الضَيِّق و{ آسلكوا} الطريقَ الصعب لأنه يؤَّدي الى الحياة". إنَّه بابُ السلوك في الحَّقِ والبر على ضوء وصايا الله وتعليمه. وقد إعترَف قادة اليهود أنَّه طريق الله وأنَّ يسوع كان صادِقًا يُعَّلمُ طريقَ الله (متى22: 16). وقد جاء المعمدان ليُعِّدَ طريقَ الله وقد طالبَ شعبَه أن يسلكوا بآستقامةٍ وعدالة (متى3:3؛ مر1: 3). بينما أعلن يسوع أنَّه هو :" طريقُ الحَّق والحياة " (يو14: 6). وهذا الباب/ الطريق يتعَرَّضُ للفتح أو الغلق. لقد غلقَ الله أبواب سفينة نوح ليحميه من دمار الطوفان ويحمي معه الحياة (تك7: 16). وطلب يسوع من المؤمن أن يغلقَ بابَ غرفتِه و يعزلَ نفسَه عن العالم ليتجنَّبَ أفكاره الفاسدة وتأثيرَه السَّييء وينفردَ مع الله لتنوَّرَ بضيائِه ويتغَذَّى من مبادئِه (متى6:6). ولما آنتهى الطوفان وزال خطر الشَّر فتح نوحٌ نافذة سفينتِه ثم بابَها{ سقفَها}، وقد إنتهت مِحنتُه، فخرجَ ليستأنفَ حياته، حياة الأيمان بالله والعرفان بجميلِه و حمدِه على فضلِه والدعاء بأن يستمرُ الله في رعايتِه وحمايته، وهو يعدُه بسلوك طريق مدينة الله. فالله وحدَه " صخرة البقاء". وفتح يسوع عيون العميان/بابَ الحياة ليتمتعوا بنورالله الحق ، ونعتَ الفريسيين بالعميان لأنهم فقدوا أن يبصروا الحَّقَ الألهي. قال المزمور24: 7:" أيَّتُها الأبواب الدهرية إنفتحي وآرتفعي أيتها المداخل الأبدية ليدخل ملكُ المجد ". بينما طلبَ بولس من أهل كولسي أن يسألوا الله " ليفتح له بابًا للكلمة " (كو4: 2)، وبطرس شَجَّع قُرّاءَه حتى يثبتوا في دعوتهم المسيحية وإيمانهم رغم الضيق لأنه بذلك " ينتفحُ لهم بابُ:طريقُ الدخول واسِعًا إلى الملكوتِ الأبدي.." (2بط1: 11).

إفتحوا الأبواب !

هكذا قال إشعيا على لسان الله" إفتحوا الأبواب لتدخلَ الأّمَّةُ الوفية للرب"، و" طريقُ الأوفياءِ قويمةٌ ". باب الله ينفتح على طريق الحياة، والطريق هو الوفاء للرب وسلوك درب الحق و البر، طريق المحبة والقداسة. وهذا الطريق يؤَّدي الى بيت الله، الى سماءِ الراحةِ والمجد و الهناء. ويدعو النبي الناس أجمعين، لاسيما عباد الله، أن يدخلوا بيت الله، أن يسلكوا بموجب شريعتِه فينالون الأمن والراحة ويحميهم بيتُ الله من الشر والفساد فلا يتنجَّسوا بشرور أهل العالم. لأنه مطلوب منهم بعد دخولِهم بيت الله أن يغلقوا على أنفسِهم أبوابَهم، فينعزلوا عن العالم وإغراءاتِه، حتى لا يشملهم عقاب شروره. هكذا فعل الله مع نوح لينجوَ من قصاص خطايا أهل العالم. وهكذا طلب يسوع من تلاميذه أن يُقاطعوا روح العالم وفكرَه فلا تصيبُهم عدوى شهواتِه وفسادِه. وكلُّ مؤمن قد أصبَح بيت الله وهيكلَه (1كور3: 16-17) لأنه قد تعَّجنَ وآختمرَ بخميرة القداسة. وإذا آستجاب المؤمن نداءَ الرب و وفى بعهده معه أن يكون أبنه وتلميذه فهذا لن يُهملَه الرب بل يرعاهُ، و" يحفظُ سالمًا من يثبُتُ ويحتمي به. فتوَّكلوا بالرب ألى الأبد"


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com