الأحـد 5 لأيليا و 2 للصليب ! ***********<>*********** 2018.09.23


تتلى علينا اليوم القراءات : تث9: 1-8 ؛ في3: 1-14 ؛ متى17: 14-27

القـراءة : تثنية 9 : 1 - 8


لا تتمَرَّدوا على الرب !

يُشِّدِدُ موسى على إعتداد الشعب بنفسِه إلى حَدِّ " التَمَّرُد" على الله. إنها غريزةٌ لا يُحاولون التخَّلص منها، بل أصبحت طبعًا شِبهَ ميؤوسٍ منه. مَلَّ منه الله فعاتب الشعب عليه واصِفًا إيَّاه بـ " العنيد " (خر32: 9؛ 33: 3). وأيَّد موسى أنهم عنيدون الى حَدٍّ لا يُطاق (تث9: 6 و 13) حتى إقترحَ الله على موسى أن يُبيدَ الشعب ويمحوَ إسمه من تحتِ السماء ويجعلَه هو شعبًا بديلا أعظم وأكثرَ منهم (خر32: 10؛ تث9: 13-14). وآعترفَ موسى بمرارة أنه عانى كثيرًا من هذا عناد الشعب فصَرَّح أنهم، لا فقط من يوم خروجهم من مصربل قبل ذلك بكثير، " من يوم عرفتكم وألى اليوم لا تزالون تتمَرَّدون على الرب" (تث9: 7 و24). ولم يكن سَهلاً أن يتشَّفعَ فيهم لدى الرب، بل كلَّفه الصيام مرَّتين على جبل حوريب بلا أكل ولا شرب مدة أربعين يومًا (تث9: 9 و18).
حيرةٌ بل مأساةُ شعبٍ ينتقلُ من حالة البداوة الى الحضارة وهو يتمَتَّع بحرية حلمَ بها أجيالا دون أن يتجاسَرَ فيُطالبَ بها. وعندما حصلَ عليها على يد الله إعتبرَ فقط حَقَّه بها وكاد أن ينسى فضلَ الله. وبدأَ ربما يَحُّسُ أنَّ قيادة الله تحرُمُه من تقرير مصيرِه بنفسِه ويصبو الى أن يمسكَ بزمام القيادة وأنَّه جدير بتدبير شؤونه الخاصة. فهو ليس بعدُ طفلا. بل يجبُ إعتبارُه والأعتراف بقدراته. تمامًا مثل مراهقٍ يريدُ أن يتحَرَّرَ من هيمنة والديه على حياته. ففي حين يقودُه الله ويُطالبُه بالألتزام بتعليماتِه، التي لا يستسيغُها الشعبُ دومًا جيّدًا، يرى الشعبُ حياتَه بشكل مختلف ويريدُ أن يُدبرها حسب فكره وقناعتِه بما يراه أصلحَ وأنفعَ له.
يُحاولُ موسى أن يُقنعَهم بأنهم غيرُ قادرين على أن يُحَّققوا حلمهم بالعودة الى أرض الميعاد بقوةِ ذراعِهم بسبب قلة عددهم ومحدودية قوتهم القتالية. نعم وقد أحَّسوا بها بعد تقرير وفد تجَّسُسِ الأرض و معرفة قوة شعوب تلك الأرض القتالية الفائقة عليهم بعشرات الأضعاف. لكنهم يقدرون على ذلك بقوة الله فعليهم الثقة به والأتكال على وعده ولاسيما التقَّيد بتعليماته وتوجيهاتِه. كما أخرجهم من مصر كذلك سيُدخلهم أرضَ الميعاد لا بقوة السيف والمركبات بل بكلمته التي تُزعزع الجبال وتهُّدُ الجبابرة. فنهاهم عن التمَرًّد على الله ،" على الرب لا تتمردوا ولا تخافوا أهل تلك الأرض، فهم لقمةٌ سائغة لنا. إلَهُهم تخَّلى عنهم والرب إلَهُنا معنا فلا ترهبوهم " (عدد14: 9). يستصعبُ الشعبُ إستيعابَ فكرة أن إمتلاك أرض" اللبن والعسل" هي قضية الله وهو يُديرُ المسيرة نحوها وعليهم الخضوعَ لمن يتكلمون بآسمه. يرونها قضيتهم وهم جديرون وقادرون على تحقيق الهدف بحكمتهم وتخطيطهم. يرون أنفسَهم قبل الله وأكثر مما يرونه. إنها أزمة الإيمان بالله في باطنهم لا في ظاهرهم. ولهذا فكروا مرَّةً أن يًقيموا لأنفسهم رئيسًا بديلا عن موسى وهارون، وأرادوا أن يتخّلصوا منهما قائلين:" هَيًّا نرجُمُهما بالحجارة" (عدد14: 10) . بينما يُحاولُ موسى جُهدَه إقناعَهم بسماع كلام الله وتنفيذه لأنَّ الله هو قادرٌ على كلّ شيء و أنه لا فقط لا يتخَّلى عنهم بل يتعالى على عقوقِهم وتمرُّداتِهم ويُعاملهم معاملة أبٍ لأبنائِه. و أنه لا ينفردُ بالأمر بقدر ما يُشركُهم بفعله. فهو العارف والقادر يُقَّررُ كيف ومتى يتحَرَّكون وهو " يسيرُ أمامكم. يعبرُ أمامك كنارٍ آكلةٍ فيُدَّمرُهم". والشعبُ يتكَفَّلُ بضمان إمتلاك البلد و آستثمار الأرض. فالله" يُخضعُهم لك لتطردَهم وتُبيدَهم". ولم ينِ موسى يُذَّكرهم بما صنعه الله لهم من معجزات في خروجهم من مصر وتنقلهم في برية سيناء إلى أن وصلوا مشارف الأردن، وبات موعدُ دخول أرض كنعان قريبًا.

لا تقُل في قلبِكَ !

لاحظ موسى أيضا أنَّ الشعبَ يُظهرُ، بجانب التمَرُّد، مشاعرَ الغرور. وربما كان الغرور هو نفسُه سببَ تمَرُّدِه. إذ طمح بآمتيازات بعدما تمَتَّعَ بأفضال. يبدو أن جذورَ الغرور ذَرَّت قرنَها حتى حَذَّرَ موسى من نتائجها الوخيمة. فعوضًا عن أن يشكر الشعبُ اللهَ على ما فعلهُ له فأنقذه بيدٍ قديره من ذُلِّهِ وشقائِه، ويتفاعلَ مع توجيهات الله ويتفَهَّمَ فيتحمَّلَ متطلبات الحالة الجديدة ، صار يتذمر ويتشَّكى من الله عندما جاع (خر16: 3) ثم عطش (خر17: 2). ثم تبطرن فصارَ يطالبُ بخيراتٍ أفضل إذ شبع من المن والسلوى. تحَسَّرَ على أكلات مصر من" سمك وقثاءٍ وبطيخ وكراث وبصل وثوم ..." (عدد11: 1-6). كان همُّ الشعبِ في بطنِه أكثرَ من سماع كلام الله، ويريدون أكل " اللبن والعسل" دون بذل الجهد في تحضيرِها. ولم يثقوا كثيرًا بنماذج الخيرات التي جلبها الوفد المُتجَّسس من الأرض التي يرحلون صوبَها (عدد 13: 31-33). لاسيما يُكلفهم الحصول عليها خوضَ حربٍ لا تُقَّدَر نتائجُها. ولهذا لم يكونوا مستعدين أن يُحاربوا ويُخاطروا بالنتائج المؤلمة (عدد14: 1-3) ليحصلوا على ما يحلمون به. يريدون ربما كلَّ شيءٍ على الحاضر. يفكرون في الأمجاد، يتمنون الراحة والهناء، يتغنون بالحقوق ، أما الواجبات فيتنصَّلون منها. وهذه غريزةٌ مطبوعة في كيان الأنسان. لأنه لم يقتنِ الوجود بذاتِه بل ناله من غيره، فيريده كاملاً دون وجع الرأس مهما كان خفيفًا. وعليه يعتبرُ مجدَه حَقًّا ويفتخر فيتعالى على غيره.
من هذا القبيل حَذَّرَهم موسى من أن يعتبروا أنفسهم "صالحين". وبالتالي يُدخلُهم الله أرضَ الخيرات مكافأةً على حُسن موقعهم، أو أجرًا لحَّقٍ إكتسبوه بذراعِهم. فيقول لهم :" لا بتقواكَ ولا بآستقامةِ قلبِك جئت لتمتلك أرضَ غيرك. أنت شعبٌ عنيد". والعناد جهلٌ وغباءٌ وغرور. فالعنيدُ لا يُشَّغلُ عقلَه بقدر ما يستعملُ عاطفته ويتبعُ غريزتَه. وهذا ليس جيّدًا. وبالمقابل لا يطرُدُ الله من أمامهم شعوبَ تلك الأرض لأنهم أشرار. فالأشرار يريدُ الله تنويرَهم وتوبتهم ليعيشوا أمامه. ما يفعلُه الله ليس رَدَّ فعلٍ على تصَّرُفات الناس، بل هو تنفيذٌ لمشروعِه بحال الكون ولاسيما لتخطيطه الخاص في إنقاذ الناس من الهلاك. خطط فدعا إنسانًا مؤمنًا به، واثقًا به، سامعًا لكلامِه يُكَّون من نسلِه شعبًا لنفسِه مؤمنًا وأمينًا لعهده معه. هذا الشعب يكون نورًا للحق والبر مثالاً تحتذي به بقية الأمم. فوعدَ أبَ الشعبِ وأصله أن يقفَ إلى جانبِ نسله الى أن يُصبحَ شعبًا ذاتَ كيان وسيادةٍ يقدر أن يؤَّديَ رسالتَه، ومن خلاله يجذبُ اللهُ البشرية جمعاءَ إليه. ويبقى الله أمينًا لوعده ما دام الشعبُ يقابله بالأمانة للعهد. أما إذا خرج عن طاعة الله فسيتخَّلى عنه ولن يتعَهَّدَ بضمان إستمرار مُلكِه ، كما تخلى عن الوثنيين الذين تنَّكروا له، فـ " تبيدُ أنت { أيضًا } لأنَّكَ لم تسمع لصوت الرب إلَهِكَ "(تث8: 20).
الغرورُ فالأعتدادُ بالذات، والتمَرُّدُ فالعصيان على الحَّق والمحَّبة الألهيين ما زالا ينخران في جسم البشر. ومثل موسى تستمِرُّ الكنيسة فتُذَّكرُالعالمَ بأعمال الله ومعجزاتِه ورحمتِه، وتدعو المؤمنين إلى الألتزام بعهدهم معه أن يكونوا شعبَه الواعي الذي يسلك سُبل شريعته ليقول للعالم " ما انتم لستم قادرين عليه لتحقيق السلام والراحة للبشرية يقدرُ عليه الله بتفعيل المحبة والأحترام والثقة و الرجاء. فآبراهيم أبو الأيمان آمن ورجا ضد كل رجاء وخضع لمشيئةِ الله ولم يُخالف عهده معه فنال ما وعده به الله وعاش بكرامةٍ وراحة. وتحَقَّقَت وعودُه في نسلِه إلى أن خان من جديد، " فتذَكَّرَ الله رحمتَه كما وعد آباءَنا، إبراهيمَ ونسله الى الأبد" (لو1: 54 -55)، فأرسل المُخَّلصَ الموعود، الألهَ المُتجَّسد، يُعلِّمُ الأنسانية طريقَ الخدمةِ والبذل و الفداء. لأنَّ الخلاصَ " في غفرانِ الخطايا " (لو1: 77). وغفران الخطايا يتطلب الأيمان و المحَّبة والتواضع وسماع الكلام.


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com