الأحـد 4 لأيليا و1 للصلـيب ! ***********<>*********** 2018.09.16


تتلى علينا اليوم القراءات : تث8: 11-20 ؛ في1: 27-2: 11 ؛ متى4: 12-5: 16

القـراءة : تثنية 8 : 11 - 20


حاذِرْ أن تنسَ الرَّب !

جهادٌ عنيدٌ وصراعٌ شديدٌ لله يتواصِل عبر الأجيال ومع كلِّ الأنبياءِ المُرسَلين مِن قِبَلِه إلى الشعب يدعوه إلى الأمانةِ للبقاءِ في خط القداسةِ والبر، كما يليقُ وينبغي للأبن صورة الله أبيه. وكما تتطَّلبُ الحالةُ التي دعا الله الشعب إليها والأفضال التي خَّصَّه بها دون بقية شعوب الأرض. فمن تمَّيزَّ بأمر خاص يخرجُ عن دائرةِ القاعدة العامة. وشعبُ الله تمَيَّز بأنه أُقيم نموذجًا في علاقته بالله ليكون نورًا تهتدي به الأمم الى سواء السبيل وتتمَتَّع براحة الحياةِ وهنائِها مع الله. فلا يليقُ به بعدَ أن يُهملَ الله خالقه ومُخَّلصَه وينساهُ لينزلقَ الى حفرةِ الفساد والهلاك التي يسلُكها الوثنيون المُلحِدون. فيُذَّكرُ الله شعبَه بالأمتياز الذي ناله، من دون إستحقاقٍ منه بل بمِنيَّةٍ تامة وهبةٍ مجّانية منه تعالى، وبالتالي يُحَّذرُه من " مغَّبةِ النسيان ". فالنسيان مرَضٌ يُصيبُ من يعبرُ من حالة الفقر والبؤس والشقاء والأضطراب الى حالة الغنى والجاه والهناء والأستقرار فالسلام. يحدث مثلُ ذلك عندما يعقبُ المحنة ترفٌ فوقَ العادة. لا ينسى المرءُ عادة الأحداثَ بذاتِها بل لا يُريدُ أن يعيشَ في ذكراها بقدر ما يُحاولُ أن يتمَتَّعَ بالوضع الراهن الذي يرتاحُ حسِّيًا إليه. لقد حلمَ به طويلاً ولا يدري كم سيدوم. يريد التخَّلصَ من سلبيات الماضي. إلا إنَّ حالةَ الأكتفاء والشعورَ بالقدرة الذاتية على تحقيق ما تصبو اليه النفس تُشغلُ الأنسان وتُبعِدُه عن الأحساس بالحاجة الى الله، وبذلك يضيع الرجاءُ والثقة به. كما أنَّ التطوُّرَ العلمي والتقني للأنسان المعاصر جعله يفقدُ الأيمان بالله كأنه ليس بحاجةٍ بعدُ إليه هكذا فقد بنو إسرائيل شيئًا فشيئًا إيمانهم بفضل الله عليهم وبحاجتهم بعدُ اليه بعدما إستَتَّبَ لهم أمرُ السيادةِ والسلم والإنتاج.
هكذا تتفوَّقُ الماديات في تقييمها وتتغَلَّبُ الحِّسيات على متطلبات الشريعة. وهذا خطرُ كبيرُ على الحياة الروحية إذ يكتفي المؤمن بفكره ورغبته وقُوَّتِه ويَتراخى تمَّسُكُه بعهدَه مع الله إلى أن يُهملُه كُلّيًا ويسُّنُ لنفسِه شريعَتَه الخاصّة (اش29: 13؛ متى15: 7-9). ولا يريدُ الله أن ينسَ الشعبُ أنَّ وجودَه بالذات ورفاهيتَه متعلقان بتنازله وآستفاضتِه في تمييزه له وفي صبرِه على أخطائِه وتمَّردِه وخياناته. طموح الشعبِ فاقَ النسبة العادلة وآنغراءُه بإغواءات الأمور المادية فاقَ الحد المسموح به. وتحَرُّرُه عن كلام الله وبُعدُه عن شريعتِه هو سببُ كلِّ بلاياهُ. فيُحَّذرُ الكاتبُ الشعبَ، على لسان موسى، عن إهمالِهِ التقَّيُدَ بوصايا الله وسُنَـنِه.

أَذَلَك وأمتَحَنَكَ !

يُلاحَظُ أنَّ الأنسان يتذَّكرُ دومًا سلبياتِ الحياة أكثر من إيجابياتِها، وسلبيات الآخرين أكثر من سلبياتِه الخاصَّة. ويبدو أنَّ شعبَ الله نفسَه لم يفلتْ من هذا السوء. يوم عَبَدَ العجلَ في البرية ونعته الله بـ" شعبٍ قُساةِ الرقاب" (خر32: 9؛ 33: 3)، ثم سامحَه وأمره بالتقَّدم نحو أرض الميعاد، إغتاظ الشعبُ ورفض" أن يلبسَ زينتَه" ويتابعَ مسيرَته، إحتجاجًا على لوم الله لهم رغم خطيئتهم (خر 33: 4). ويوم رفضوا التوجه نحو كنعان إذ لم يثقوا بقيادة موسى ولم يتكلوا على الله أخضعهم الله لمحنةٍ شّاقة ومُذِّلة، فقَرَّرَ أنَّ الجيلَ المتمَّردَ عليه لن ينعمَ بالدخول الى راحة أرض الميعاد، أرض اللبن والعسل (خر3: 8)، وأنَّ أولادَهم الذين أشفقوا عليهم سيرعون الغنم أربعين سنة في البرية بسبب خيانة آبائهم، وسيسلكون طريق الصحراء الطويل والمُتعِب بآتجاه البحر الأحمر عوض الطريق المستقيم القصير والمُريح مُحاذيًا البحر المتوَّسط عبرِ غزَّة (عدد14: 25-33). ربما إعتبر الشعبُ هذا القرار مُجحِفًا، بل هكذا يتصَّور كلُّ قاريءٍ سطحي لحرف الكتاب. بينما تبدو الحقيقة مختلفة جدًّا عندما نُدَّقِقْ في النص ونربطُ الأحداث ببعضها. فاليوم يفَسِّرُ موسى تصَّرُفَ الله ويقول :" أَذَّلَكَ وآمتحَنَك حتى تطيبَ نفسُك في آخرتِكَ، ولا تقولَ في قلبِك بقدرتي وقوة ساعدي إقتنيتُ ما أنا عليه من سُلطان، بل تتذكر الرَّبَ إلَهَك.. " (آية 16-18). ليس تصَّرُفُ الله عشوائيا ولا إنفعاليًا ولا إنتقاميًا. بل هو تخطيطٌ هاديءٌ وحكيم لتحقيق راحةِ الشعب ومتابعة مشروع خلاص الأنسان.
ما دامَ الأنسان قد إختارَ طريقَه في الحياة بسلوك درب الحُرّية فلن تتفق حرية جميع الناس على الشيء أو الأمر ذاتِه. الأختلاف في الحريات قائمٌ لا محالة. وبالتالي تختلفُ الآراءُ و الرغبات أيضا. وحتى قيادة موسى ما كانت تنجح لولا أن إرادة الله تُرشِدُه وتسنُدُه. وحتى يتقَبَّل بإرادةِ حاكم بشري كان يجب أن يتدَّربَ على النظام والطاعةِ ، طوعًا لا مُكرَهًا عليه. كان في مصرَ عبدًا فأطاعَ مُرغَمًا. أما الآن فيتمتع بكامل حُرِّيتِه وعليه أن ينقادَ للنظام بوعيٍ ورغبةٍ وتصميم. عليه أن يعترفَ بقيادة الحَّق والبر، وينقادَ لها أي لله بدرجةٍ أولى ثم للقائد البشري مُستَقْبَلاً. والخضوع لشريعةِ الله يعني الأعترافُ بسيادةِ الله وبقدرتِه الفائقة، ما يَفتحُ عين ذهن الأنسان فيرى ويعترف بمحدوديتِه الإنسانية و بأنَّ كلَّ ما لديه من مال وآملاكٍ و طاقةٍ فكرية وجاهٍ مصدرُه الله. الشعبُ مُقبِلٌ على الأنتقال من البداوةِ الى الحضر ليُؤَدِّيَ دوره القيادي في العلاقة بالله أمام جميعِ بقية الشعوبِ ليُعيدّهم إلى حظيرةِ الأيمان، فيَتمَّتعَ كلُّ الناس برعاية الله المباشرة،:" و لي خرافٌ أخرى من غيرهذه الحظيرة، ويجبُ عليَّ أن أقودَها هي أيضًا. ستسمعُ صوتي .. فتكون الرعية واحدة والراعيَ واحِدًا "(يو10: 16). لذا عليه أن يتعَّلم كيف يُصغي الى الله ويتقَّيدُ بإرشاداته. فحياة الصحراء ستُعَّلمه ألا ينسِ الله، وأن يسمع له. سيختبرُ الحاجة و الضيقَ والألم والقلق والخوفَ والصبر. كما سيستزيد من معاينة عجائب الله ولاسيما الشعور بحضورِه الى جانبهِ، فتتأَّصَلَ في فكره وقلبه محبَّتُه والثقةُ به. أمّا الأنسان فينظرُ الى القرب ويهتَّمُ بنفسِه، وأمَّا الله فيتطَّلعُ الى الأبدية ويهتَّمُ براحةِ وسعادةِ البشرية جمعاء. ويريدُ أن يتحَّلى شعبُه بسمو فكر الله وسعةِ قلبه فيتخَّلَ عن قساوتِه وعنادِه ويتلَّطف في سلوكِه ويتعاون معه في مشروع خلاص الأنسانية كلها.


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com