عــيد الصليب ! ****<>**** 2018.09.14


تتلى علينا اليوم القراءات : اش52: 13 – 53: 12 ؛ 1كور1: 18-31 ؛ لو24: 13-53

القـراءة : اشعيا 52 : 13 – 52 : 12


تشَوَّه منظرُه .. يتسامى جِدًّا !

كان وزير كنداكة ملكة حبشة راجعًا الى بلده، بعد أن حَجَّ الى أورشليم في عيد الفصح، وهو " يقرأ النبي إشَعيا "، النصَّ أعلاهُ، حائرًا في فهمِه. أوعز الروح القدس الى فيلبس فلحقَ به وشرح له ما كان عَصّيًا عليه وأنَّ 53: 1-12 يتعلَّق بآلام يسوع المسيح الذي صُلب قبل ذلك بأشهر فقط. وآنطلق فيلبس من الحدث فبَشَّره بيسوع ثم عَمَّدَه (أع8: 26-40). أمَّا النصُّ أعلاه فهو يتبع نبوءة عودة بني إسرائيل من سبي بابل. معجزةٌ مُدهِشة وفرحٌ عارمٌ لا يُكادُ يُصَدَّق. سُبحان مُغَّير الأحوال. شعبٌ مذلولٌ ومنبوذ ويائسٌ ومُهمَلٌ وشبهُ منسِيٍّ يقفز فجأةً إلى ساحةِ الأحداث. إسمُه على الأفواه وأخبارُه تصدُح مالئةً الدنيا بالحيرة والدهشة:"ما أجملَ، على الجبال، أقدام المُبشرين بالسلام، الحاملين بشارة الخير والخلاص". بشارة نهاية بأس السبي وبؤسِه. بشارة نهاية الذل وعودة الكرامة. من كان يُصَّدقُ أنَّ شعبَ الله قادرٌ، بعدَ نكبةِ سبيِه، أن يحلُمَ بعودته الى وطنه مرفوعَ الرأس؟؟. لكن هذا اليوم جاءَ وهو واقعٌ ملموس. والشعب تحرر من عبودية المنفى. قبل زمن غير بعيد ندَّد الرب بشعبه ،" أصنع مرَّةً أخرى عجبًا عجابًا بهذا الشعب: فتبيدُ حكمةُ حكمائِه وينكسفُ عقلُ عقلائِه" (اش29: 14),لأنه "من كان أعمًى إلا عبدي!. أو أصَّمَ كرسولي الذي أرسلتُه.. كعبدي أنا الرَّب "(اش42: 19). وردًّا على خيانة هذا " العبد " المتكرّرة وعدم إصغائه الى الله " أرسلَ ملكَ بابل لمحاربتهم .. سلَّمَ الرَّبُ الجميعَ إلى يده.. فقتل ولم يُشفق.. ونهب .. و أحرق .. وهدم .. وأتلف.. والذين نجوا من السيف سباهم الى بابل حيث صاروا عبيدا له و لبنيه .." (2أخ 36: 15-20).
أمَّا الآن فالرب هو الذي يُعلن البشرى ويدعو الى الفرح :" إهتفي ورنّمي يا جميع خرائبِ أورشليم لأنَّ الرَّبَ عَزَّى شعبَه وآفتدى أورشليم". ولعبده يقول :" سيروا ! سيروا! أُخرجوا .. لا تُسرعوا كالهاربين لأنَّ الربَ يمشي أمامكم ويجمع شملكم". هذا الشعب الذي تشَّوه في ذُّلِ منفاه وفقد كرامتَه الأنسانية ولم يعُد له إسمٌ بين الشعوب، عنه يقول الله اليوم :"عبدي ينتصر، يتعالى، ويرتفعُ ويتسامى جِدًّا". أممٌ كثيرة وقفت مصدومةً بالدهشة ومصعوقة لا تقوى على إخفاءِ عجبِها وتأبى أن تُغامر و تُصَّدقَ ما تراه. لأنها " ترى غيرَ ما أُخبِروها به وتشاهدُ غيرَ ما أسْمَعوها عنه". وإذا لم يُعاين إشعيا هذا إلا بالرؤيا فقط إلا أنَّ التأريخ يشهدُ أنه وقع كما ذُكِر. إنَّه فعلاً عجبٌ لا يحدُثُ كلَّ يوم ! وأمرٌ لا يقوى البشر على فعلِه.

كنعجةٍ سيقَ الى الذبح !

هذا العبد وهذا الحدث لمْ ينتهِ. فالتحررُ من عبوديةِ بابل مثلَ التحَرُّرِ من عبودية مصر كلَّفت الله إجراءَ أمورٍ إعجازية لا يتصَوَّرُها البشر. مع ذلك فهي ليست سوى رمزٍ وتمهيدٍ لتحرير أخير نهائي وأهَّم وأكثر أصالةً على يد مُرسَلٍ جليل من نسلٍ ملوكي، إلهي وبشري، يُحَّررُ الأنسان من جهلِه و سوئِه وضُعفِه وضلالِه، من خطيئته التي إستعبَدته ملايين السنين وأَذَّلتْهُ وحَطَّتْ من كرامتِه وقادته إلى شفا هاوية الهلاك. ومن رؤيا ذل الشعب وشقائِه ثم تحَرُّرِه وتساميه يعبر إشعيا مع الروح الذي يُلهِمُه إلى عَجَبٍ أَعجَب، إلى مأساة تخاذل الشعب من جديد وخيانته العظمى لخالقِه وفاديه والتمادي في سوئِه وفسادِه إلى حدَّ رفضِ فاديه وصلبِ ربِّ المجد (1كور2: 9). وهذا " رَّبُ المجد" إستسلمَ أولاً إلى ظُلمِهِ وقساوةِ قلبِه وإلى فسادِ نياتِه وتصَّرفاتِه ،" مثل نعجةٍ ولم يفتح فاهُ وكخروفٍ صامتٍ أمام الذين يَجُّزونه". قَبِلَ ذلك سمعًا لله وطاعةً لشريعتِه وتفجيرًا لنبع حُبِّهِ العظيم لأخيه الأنسان. وكما فاضَ الحزن والأسى على ذل الشعب في بابل وآحتارت الأمم كيف تنازل إلَه الجبال الشديد البأس عن شعبِه ولم يحميه بل تركه فريسةً لظلم أعدائه القُساة هكذا يهتَّزُ الكونُ ويُزمجرُ في وجه الظلم والفساد ، على الجلجلة، فتلبسُ الطبيعة سواد الأعتراض على الجريمة النكراء بصلب الأبن البار. حتى الشمسُ إحتجبتْ، والأرضُ تزلزلت، والصخورُ تشَقَّقت، والقبورإنفتحت معلنة حِدادَها على الأنسان البار المقتول، ورفضَها لجريمة الشعب الخائن. لكن زمن الحزن والألم والأضطراب لم يدُم. ولمَّا رتفعت يد الله القديرة على ظلم البشر وعُنفِهم لُتجريَ العدلَ عندئذ إنفجرت ينابيعُ الفرحةِ والأفتخار وآنخرسَ إعداء " عبد الله " أمام مجد قيامتِه. وقف إزاءَه أهلُ العالم برهبةٍ مُندهشين ومُتعَّجبين لا يجدون تفسيرًا لِـكيف حصلَ ذلك؟ وبأيِّ قوَّةٍ ؟ ولماذا حصلَ كلُّ ذلك؟: ضُعفٌ فقوة، حزن ففرح، ذُلٌّ فمجد !!.

بجراحِه شُفينا !

كان كلُّ ذلك في حسابِ الله لأجل مَصلحةِ الأنسانية. ما دام الأنسان حُرٌّ فالشَّرُ موجود. والشَّرُ ضد الحَّق والبر، ضد طبيعة الله ومشيئته الخَّلاقة، ضد راحةِ الأنسان ونعيمه الأبدي. الأنسان أخطأ ويستَمِرُّ فيخطأ. واللهُ يريدُ له الخلاص. يُريدُ أن يُنقِذَه من الهلاك الأبدي. ولما لا يقوى الأنسان على التخَّلصِ من الشر الذي إستعبَدَه فداه الله، مرَّةً في مصرَ وأخرى في بابل. والآن يريدُ أن يُحَرِّرَه من نير الخطيئة نفسِها فتَجَّسد، " أخلى ذاتَه وآتَّخَذ صورة العبد "{الأنسان} ( في2: 7). هو الله حملَ البشرية في داخلِه، وعاشَ حياة إبن الله ـ كما يليق بالأنسان ـ فحاربَ الخطيئة في جسده البشري، وجاهدَ لإعلاء شأن البر فسمع كلام الله وخضعَ لشريعتِه، بمحَّبة وحُرّية كاملة، وواجه تحَّدي العالم الشرير الفاسد، وقبل المجابهة رافضًا الخضوع للشر. و على الصليب سَمَّر الأنسانية جمعاءَ في خطيئتِها وكسر شوكةَ الهلاك ، ثم شالَ البشرية مع ذاتِه الإلَهية ورفعها أمام الله مطيعةً وطاهرةً نقية ، فقام في المجد ومعه البشرية المُفتداة بدمِه مُمَّجَدَةً سعيدةً. فعلى الجلجلة وقفَ عبدُ الله المتألم المذلول والمنبوذ والملعون من البشر، وقفَ بآسم البشرية جمعاء يُكَّفرُعن خطاياها. هناك سألَ الأب السماوي أن يغفرَ لنا. وقبل الله دمَ ذبيحتِه. فبجُرحِه داوى جروحَنا وبقداستِه غسلَ دنسنا وبقدرته عالج ضُعفَنا وبلاهوتِه فدانا مُحَرَّرًا لنا من الشَّر الذي كان قد إستعبَدنا. وفتح لنا بذلك طريق القداسةِ والبر إذ تعَّلمنا منه أن نطيعَ الله. وأصبحَ "عبدًا لله " كُلُّ مؤمن يقبل أن يتحَّدى في حياتِه الشَّر والضلال والفساد وأن يُجاهدَ في سبيل إرساء قاعدة البر، في سلوك الحَّق والمحَّبة. ولمار بولس قولٌ رائع، هو:" والذين هم للمسيح صلبوا أجسادَهم بكل ما فيه من أهواءٍ وشهوات". تحَّدى يسوع العالم والشر بقبول الصلب. وجاهد بولس أيضًا ضد الشر فتحَّدى روحَ العالم الشهواني على مثال يسوع، وقال : " بصليب ربنا يسوع المسيح صار العالمُ مصلوبًا بالنسبة إليَّ. وصرتُ أنا مصلوبًا بالنسبة إلى العالم"(غل6: 14). كلُّ مؤمنٍ عبدٌ لله يُجاهدُ في سبيل الحَّق فيتأّلم ويشترك في فداءِ غيره


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com