الأحـد الثالث لأيلـيا ! *******<>******* 2018.09.09


تتلى علينا اليوم القراءات : اش32: 1 – 33: 6 ؛ في1: 12 – 25 ؛ متى13: 24-43

القـراءة : اشعيا 32 : 1 – 33 : 6

إحدى أهم ميزات النُبُّوة ثنائية الأستهداف أو التطبيق. لأنها ليست رؤية فقط. بل هي سماعٌ في الذهن وقراءة في نور االروح تُشيرُ الى واقع يحُّسُ به السامع أو القاريء، لكنه يَدُّلُ أيضًا على حقيقةٍ أبعد ستقعُ في المستقبل. فالنبي يرى واقعًا ويحُّسُ بإيحاءاتٍ في ذهنِه ويُدرك أنًّ الله يكشفُ لهُ ما يعني الواقع وما سيتحَّقق في المستقبل. لأنَّ النبي يتحَّدث بآسم الله ونيابةً عنه ، بما أوحاهُ إليه، إلى الناسٍ ليُبَّلغهم إيَّاه. وبما أنَّ الله أزليُّ التخطيط وأبديُّ التنفيذ، فكلامُه يَخُّصُ البشرية كلَّها ويمتَّدُ عبرَ الأجيال شاملاً كلَّ زمان ومكان. فالتعليم الذي يُعطيه يشملُ الكون كلَّه.
واليوم يتحَّدث إِشَعْيا النبي عن " الملك العادل ". سيمْلِكُ بالحَّق والحُكَّامُ يقضون بالعدل. لقد زاغَ ملوكٌ كثيرون عن الحَّق وحتى عن عبادة الله الواحد وعن التمَّسُكِ بشريعته. أهملَ أغلبهم خدمة الشعب وتمادى بعضُهم حتى في ظلمِه. لقد أسكرتهم خمرة حياتهم الحضرية وتباهوا بسيادتهم إلى حدّ نكران سيادة الله. سيقوم ملكٌ، ربما يقصد به يوشيا(640- 609 ق.م) الذي يقول عنه الكتاب :" وعملَ القويم في نظرالرب، وآقتدى بجَّدِه داود، وما حادَ عن طريقه لا يمينًا ولا شِمالا" (2مل22: 2). وقد قطع مع الله عهدًا بذلك عندما إكتشفوا كتابَ الشريعة في الهيكل وقرأه على الشعب فقال:".. وعاهد على أنَّ الشعبَ يتبعونه ويعملون بوصاياه وإرشاداتِه وفرائِضِه، بكل قلوبِهم، ليُحَّقِقوا كلامَ العهدِ الذي وردَ في الكتاب". وأمرَ بعدَه بهدم كل بيوت الضلال من عبادة الأصنام أو بيوت الفساد، وأزالَ كلَّ ما كان يُستَعمَل في خدمتها، وأحرقَ حتى عظام المُفسِدين، مُطَّهِرًا بذلك العبادة الدينية والآداب الأجتماعية كما قضت به الشريعة. ومدحه الكتاب:" ما كان قبل يوشيا ولا بعدَه ملكٌ مثله. لأنه تابَ الى الرب بكل قلبِه وكلِّ قدرتِه، كما هو مكتوبٌ في شريعة موسى" (2مل23: 25). لم يُمدَحْ أحدٌ غيرُه بشبيه العبارة عدا موسى الذي قال عنه الكتاب :" ولم يقُمْ من بعدُ نبيٌّ في إسرائيل مثل موسى الذي عرفَهُ الرَّب وجهًا إلى وجه " (تث34: 10).

الله هو العادل !

نلاحظ بسهولة أنَّ عدالة الملك وآستقامته تتحَّقق عندما يتعادلُ مع مشيئة الله ويسلكُ حسب شريعتِه. ليس إذن عادلاً بطبيعته الغريزية، بل بخضوعه لإرشاد الله وتماثلِه بطبيعتِه. عندما يُقَّدسُ ذاتَه على صورة قداسةِ الله. مع ذلك ورغم كلِّ محاولاتِه لن يبلغ إلى مستوى عدالةِ الله الكاملة. لأن الأنسان مُنقسمٌ بطبيعته بين العاطفة والعقل ومحدودٌ في قدرته، لأنه مجبول بالخطيئة بعكس الله الذي هو القداسة بالذات طبيعةً وطبعًا. لذا يقول عنه المُزَّمرُ : " الرَّبُ عادلٌ في كلِّ طرقِه، ورحيمٌ في جميع أعمالِه. الربُ قريبٌ من جميع الذين يدعونه بالحَّق. الرَّبُ يعملُ ما يُرضي الذين يخافونه، ويسمعُ استغاثتهم ويُخَّلصُهم. الرب يسهرُ على جميع مُحّبيهِ، ويُدَّمرُ جميعَ الأشرار" (مز145: 17-20).

االملك العادل الأبدي !

إنَّ نبوءة إشعيا تمتَّدُ إلى أبعد من الملك يوشيا. فهذا الملك، رغم عدالته، لم يحكم أكثر من إحدى وثلاثين سنة إذ قُتِل في الحرب (2مل22: 1؛ 23: 29). وساءت من بعده أوضاع الحكام والبلد. ولم ينسَ النبي أن يُشيرَ الى ذلك فيُحَّذرَ بنات أورشليم" المُترفات" من السوء القادم. لن يطول الزمن. بعد سنةٍ فقط سيرتعدن. ستنتهي الأفراح وتختفي الأعياد لأنَّ "القصرَ يهجُرُه ساكنوه، والمدينة الصاخبة تُخْلى ، والقلعة والبرج كلاهما يصيران مغاور إلى الأبد، ممرحًا لحمير الوحش ومرعًى لقطعان الماشية ". فلا غرابة من النبي أن يدعو النساء قائلاً : " إلبسنَ المسوح..أُلطمن على الأثداء وتحَّسرنَ ..". عدالة البشر وآستقامتهم لا تصمد طويلاً. أما النبوة فتتحدى الزمن. سبق اشعيا وتكلم عن عدالة فيها " يبيدُ الظلمُ وينتهي الدمارُ ويفنى في الأرضِ المُضطهدون". لأنَّ الملك العادل لا ينتهي مُلكُهُ بل " يثبتُ عرشٌ قائمٌ على الرحمة. ويجلسُ عليه بالحَّق في مَسكِن داود قاضٍ يطلبُ العدلَ ويسارعُ إلى الإنصاف" (اش16: 4-5). سيستَتِّبُ الأمن على يده ويستقِّرُالسلام. " سيخرجُ فرعٌ من جذع يسَّى.."{ فتايَ الذي اخترتُه. حبيبي الذي به رضيتُ}.. لا يكفي بأنه يسلك في شريعة الله بل {سأفيضُ عليه روحي.. يُعلن للشعوبِ إرادتي. لا يُخاصِمُ ولا يصيح. . يُثابرُحتى تنتصرَإرادتي. وعلى اسمه رجاءُ الشعوب. اش42: 1-4}. هذا الملك لن "يقضي بحسب ما تراه عيناهُ، ولا يحكمُ بحسب سماع أُذُنيه، بل يقضي للفقراءِ بالعدل، ويُنصفُ الظالمين بكلام كالعصا، ويُميتُ الأشرارَ بنفخةٍ من شفتيهِ ". إنَّه ليس ملكًا إنسانًا محضًا. بل هو إلهُ مُتأَّنس يملكُ " العدلَ حِزامًا لوسطِه، والحَّقَ مِئزَرًا حول خَصرِه" (اش11: 1-5). ولا يفرضُ سلامَه لا بالسيفِ ولا بالترسِ ولا بالمركبات، ولا يترَّبع في القصور، ولا يبحثُ عن ذهبٍ وجواهر. إنه مَلِكٌ لا يَملِكُ من الدنيا ما يسندُ إليه رأسه : مالُه الحَّق، وقُوْتُه المحبَّة، و سِلاحه الرحمة والغفران.
إلى هذا الملك العادل، إبن داود يسوع المسيح أشار النبي. ليس ملكه محدودًا بشعبٍ واحد مُعَّيَن. بل يشملُ حكمُه العالم كلَّه لأنه هو الرجاءُ الذي إنتظرته الشعوبُ كلُّها " ليُضيءَ للقاعدين في الظلام وظلال الموت، ويَهديَ خطانا في طريق السلام" (لو1: 79؛ 2: 32). و ما كان يوشيا وأمثالُه من الملوك سوى صورةٍ باهتة للحقيقة المُشِّعة في المسيح. فما كتبَه النبي هو وصفٌ مسيحاني لمستقبلٍ مثالي يتحَقَّقُ جزئيا في عهدِه، ولكنه يتحَّقق كليًا على يد الله نفسِه. إنَّه مشروعُه يُنَّفذُه على مراحل ويُهَّييءُ المجتمعَ البشري لإدراكِه وللتفاعل معه كي يُعطيَ ثمارَه المرجُوَّة. وقد نَوَّه إشعيا الى هذا عندما قال: " لكنَّ الروح تفيضُ من العلاء. فتصيرُ البرّيةُ جنائن.. فيسكن العدلُ في البرية، ويُقيمُ الحَّقُ في الجنائن، ومع العدلِ يجيءُ السلام، ومع الحَّقِ دوامُ الراحةِ والأمن، ويحًّلُ شعبي في مقام السلام، وحيثُ الطُمأنينة والراحةُ والهناء". لن يكون الملكُ حاكمًا أرضيًا. ولا ما يصنعه يكون بقياس البشر ومنطقهم وأسلوبهم. روحُ الله نفسُه يحُّلُ عليه :" روحُ الرَّبِ عليَّ، لأنه مَسحني لأبشر المساكين، وأرسلني لأُنادي للأسرى بالحرية.. وأُعلنَ الوقتَ الذي فيه يقبلُ الرَّبُ شعبَه" (اش61: 1-2). وقد أكَّد يسوع أنَّ النبُوَّة كانت تعنيه، إذ قال :" اليوم تمَّت هذه الكلماتُ .." (لو4: 18-21).


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com