الأحـد الثاني لأيليـا ! *******<>******* 2018.09.02


تتلى علينا اليوم القراءات : تث7: 7-11 ؛ 2تس2: 15 – 3: 18 ؛ متى13: 1-23

القـراءة : تثنية 7 : 7 – 11



إختاركم من بين الشعوب !

إختارَ الله أن يخلقَ الأنسان. وآختارَ أن يخلقه روحًا خالدة على صورته تتعاملُ معه، إلا إنه مجبول من تراب الأرض التي صنعَها ليكون أيضًا جُزءًا من الكون الذي خلقه ليحنو عليه و يعتني به لأنه من صُلبِهِ كما من صلب الله. وآختار أن يضعه أمام حريته ليُمارسَ أولى لقطةٍ من صورة لله. ولما سقط من مجدِه إختارَ أن يُعيدَه إليه ويرفعه أكثر فيبلغَ مقامَ إبنِه و وارثِه. ولتحقيق هذا المشروع إختارَ الله إنسانًا مُؤمنًا يُعِّدُ على يدِه شعبًا خاصًّا يأتي من خلالِه فادي الأنسان. ولما تكاثرَ نسلُ إبراهيم كَوَّنَ منه اللهُ شعبًا خاصًّا به. إختارَه من بين كلِّ الأمم "إبنًا" إبنًا له يُرَّبيه على يده ويجترح المعجزات من أجل تحريره من عبودية الناس ناظرًا إلى المرحلة التالية يُحَّررُه فيها من عبودية ابليس الذي قَيَّده بنير الخطيئة. وآختار أعسر السُبل و أجرى أعظم الآيات التي لا يُمكنُ للأنسان ولا أن يحلمَ بها.
إختارَ الله ، فآختارَ ، وآختار... و سيختارُ من جديد إجراءَ آيات باهرة مُدهشة عند التحرير الأصيل من عبودية الشَّر والفساد. من الشعب المختار الذي فقد مصداقيته وآمتيازه بسبب خياناته المتكررة ورفضه القاطع، في الأخير، لله ومحاولته التخَّلص منه ليُحَّققَ حلمه الأول بالألوهية، إختار يسوع من القطيع الصغير الأمين والوفي لله تلاميذ كَوَّن بواسطتهم الشعبَ الجديد الذي لم يقُم هذه المرَّة على إمتيازاتٍ دنيوية زمنية، بل على أداءِ رسالةٍ وخدمةٍ إلَـهية كلَّفهم بها، هي متابعة عمله الروحي من تعليم وتجديدٍ وتهذيبٍ ولاسيما من إضرام نار المحَّبة والرحمة والغفران في قلب الأنسان، المجروح بالحقد والكراهية والعنف والأنانية. و إنْ كان عمل الشعب الأول قد شَدَّدَ على الناحية المادية الزمنية، دون أن يَنبُذ الروحية، فقد ركَّزت الخدمة الكهنوتية الجديدة على الروح الألهية الحّالة في الأنسان وتنفيذ متطلبات تلك الروح. و لا يزالُ الله يختارُ إلى الآن تلاميذ يُرسلهم إلى حصادِ حقلِه، مُبَّلغين انجيل الخلاص وشاهدين لمبادئه وقِيَمِه بسلوكهم الأجتماعي في الحياة اليومية. إنه مشروع الله الأزلي يتحَّققُ على مراحل، وعلى يد الأنسان. أي أدخل الله الأنسان الى حياتِه ليشتركوا معا في خلاص البشرية. وسيختارُ من البشر الذين يُحَّبونه ويحفظون كلامه. ولمار بولس كلام رفيع بهذا الشأن، فيقول:" نعلم أنَّ اللهَ يعملُ سوِّيةً مع الذين يُحبونه لخيرِهم في كلِّ شيء. أولئك الذين دعاهم حسبَ قصدِه. فالذين سبقَ فآختارَهم ، سبقَ فعَيَّنهم ليكونوا على مثال صورةِ ابنِه حتى يكون الأبنُ بكرًا لأخوةٍ كثيرين.." (رم8: 28-29). إنه الله الذي يُبادرُ الأول ويُحّب فيختارُ فيُطالب بتبادل المحبة ويُكَلِّفُ بالخدمة، " لستم أنتم إخترتموني. بل أنا إخترتكم وأقمتكم لتذهبوا وتُثمروا، ويدومَ ثمرُكم ..أنا أُحِبُّكم كما أحَّبني الآب، فآثبتوا في محَّبتي" (يو15: 16، و 9).

لم أختركم لأنكم أفضل !

حذَّر الله الشعبَ من أن يفتخرَ أو يتباهى بآمتيازِه كأنه يستحِقُّه. بلغه موسى بذلك: "لا تقل في قلبك لإني شعبٌ صالحٌ أدخلني الرب لأمتلك الأرض، ولأنَّ هؤلاء الشعوب أشرارٌ طردهم الرب من أمامي. فلا بتقواكَ ولا بآستقامةِ قلبك جئتَ لتمتلك أرضَهم .." (تث9: 4-5). إذًا لم يختره الله من أجل خيرٍ فيه أو قُوَّةٍ يُوفرُّها فيتكل الله عليه. يتوَّهم الأنسان المختار إن فعل ذلك، ويتنَّدم. لأنَّ موهبة الله نعمةٌ مَجّانية تنطلقُ من محبة الله نفسِه ومن أمانتِه لوعوده للآباء بالخلاص (لو1: 54-55، 70-73). يقول مار بولس:" وفي الزمن الحاضر أيضا بقية من الناس إختارَها الله بالنعمة. فإذا كان الأختيار بالنعمة فما هو إذَا بالأعمال. وإلا لما بقيت النعمةُ نعمةً " (رم11: 5-6). لأنَّ " الأمرَ لا يعودُ إلى إرادةِ الأنسان ولا الى سعيِه، بل إلى رحمة الله وحدَها "(رم9: 16). فالله هو الأمين (آية 9) لمحبته وعهده و وعوده. ولا رجعة في آختياره. ظنَّ بطرس أنَّ نكرانه للمسيح أفقده إختيارَه كرسول ورئيس للكنيسة، بل مسح إسمه حتى من قائمة التلاميذ، فقرر ان يعودَ أدراجَه الى مهنته الأولى فيصيد ويعيش. لكنَّ الرب بيَّن له أنَّ إختيارَه له لا عيبَ فيه، وأنَّ فعله هو لا يُغَّيرُ فعلَ الله ولا إرادته (يو21: 15-17). لأنه يعرفُ مَن إختار ولماذا إختار هذا بالذات، وهو" الذي لا يتغَّير ولا يدورُ فيرمي ظِلاًّ" (يع1: 17).
وإن كان الله إختار بني إسرائيل رغم جهلهم وضعفهم وتمَّردهم المتواصل حتى نعتهم بشعبٍ " قاسي القلب وغليظ الرقبة " (خر32: 9). فحتى يعرفَ الأنسان أنه لا يقوى على شيء بدون الله (يو15: 5)، بينما يقوى على كل شيء بالله الذي يقَّويه (في4: 13). الله هو الذي يرعى الكون ويدَّبره. ولا يتكل على قوة الأنسان بل يُعَّلمُه ويُسعِفُه في إتمام ما يكلَّفه به. هكذا قال الله لبولس: " تكفيك نعمتي. في الضعفِ يظهر كمالُ قدرتي" (2كور12: 9). تكوين الشعب وتحريره وتوطينه لم يكن مشروعَ الناس بل من تدبير الله وتنفيذه. أما الأنسان فكان المستفيد والسبيل لتحقيق المشروع. عملَ الأنسانُ بإمرةِ الله وإرشادِه وحَقَّق ما لم يكن لا يحلم به ولا يقوى عليه لولا أن الله دفعه في دربه وساعده عليه. وكلما سمع الأنسان كلام الله نجح في عمله. أما الذي إستهان بكلام الله ورفضَ التجاوب معه فكان من الخاسرين. فالمختارون مدعوون الى الثقة بالله والتجاوب مع تعليمه. ولو لم يعرف الله أن الواحد قادر على أداء المطلوب منه لما إختاره. وإذا آختار الله الأنسان لأداء خدمة معَّيَنة فهو يُزَّودُه بالطاقة التي يحتاجها ويُضيفُ إليها ما يطلبه منه الأنسان بايمان وثقة، فهو القائل :" إسألوا تُعطَوا، أطلبوا تجدوا ، إقرعوا يُفتَحُ لكم " (متى 7:7).


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com