الأحـد الأول للصوم ! * * * * <> * * * * 2018.02.11


تتلى علينا اليوم القراءات : خر34: 1-7، 27-35 ؛ أف4: 17-24 ؛ متى4: 1-11

الـقراءة : خروج 34 : 1-7 ، 27-35

يُحَّدثنا الكتاب عن الكتابة الثانية لِلَوْحَي الوصايا. يطلب الله من موسى أن " ينحَتَ" لوحين جديدين، بعدما كسرالأولين تعبيرًا عن إدانته لخيانة شعبه وليُحَّطمَ الصنمَ الذي عبدوه في غيابِه، يكتب الله نفسُه عليها الوصايا العشر. وبعد صوم أربعين يوما كتب موسى" على اللوحين كلام العهد وهي الوصايا". ركَّز النصُّ أيضا على أن كلَّ إنسان يُحاسَبُ على أعماله فيجازى أو يعاقب عليها لا على أعمال، لا أبيه ولا إبنه. ركَّز النَّصُ أيضا على "مجد الله" الذي كان يشُّعُ على وجه موسى عند كلِّ لقائِه بالله بشكل أفزعَ الشعبَ حتى" خافوا أن يقتربوا منه". سبقَ فخافوا من حديث الله المباشر لهم فرفضوه عند ذاك وطلبوا من موسى أن يُكَّلمَهم هو بدلاً من الله (خر 20: 19). والآن يخافون حتى من موسى بسبب إشعاع مجدِ الله عليه. فآضطُرَّ موسى أن يُغَّطيَ وجهه بـ" بُرقع" كلما خرجَ من أمام حضرةِ الله وبَّلغُ الشعبَ كلَّ ما أوصى به الله. إنه رُعبُ الأنسان الخاطيء أما قداسة الله المُشّعة مُهَّدِدةً الشَّرَ بالفناء.

• من كَتبَ : الله أم موسى ؟

يُشَّددُ الكتابُ حرفيًا على أنَّ الله هو" كاتبُ الوصايا" بنفسِه. جاء عند كتابة اللوحين الأولين ما يلي :" إصعد الجبلَ وهناكَ أُعطيكَ لوحَي الحجارة وعليها الشريعة والوصايا التي كتبتُها لتعليمهم "(خر24: 12)؛ و" هذه هي الوصايا التي كلَّم الربُ بها... وكتبَها على لوحي الحجر وسَّلَمَها إِليَّ" (تث5: 22)؛ وأيضا :" أعطاني الرب لوحي الحجرالمكتوبين بإصبعِهِ" (تث9: 10)؟ هنا يبدو أنَّ اللوحين جَهَّزهما الله بنفسِه. أما في نصوص أخرى فموسى هو الذي يُعَّدُ اللوحين لكنه يُصِّرُ على كتابة الله للوصايا : " إنحَت لكَ لوحي حجر كالأولين..وأنا أكتبُ عليها الكلام .. "(خر34: 1). ولكن رغم ذلك يُلَّوحُ بأنَّ موسى هو الذي كتب :" أقام موسى هناك...فكتبَ على اللوحين كلام العهد وهي الوصايا العشر" (خر34: 28). أن يكون موسى قد كتبَ على اللوحين حرفَ الوصايا فذلك أمرٌ طبيعي لا إشكال فيه. أما الله فلا يدَ مادية له ولا قلم. وكلُّ ما يريدُه الله أن يكون يكفي أن يشاءَ ذلك أو يأمُر به. لأنه لا يحتاجُ الى أداة إصطناعية بل هو يعمل بالكلمة ، بالفكر والقول. وخيرُ مثال على ذلك يسوعُ الأله. مع أنه إنسانٌ وآستعملَ الحرفَ (يو8: 6)، لكنه لم يستعمل الحرفَ ولا كتبَ شيئًا لإِبلاغ مشيئته. إستعملَ " الكلمة " فقط. كان كلامه " روحًا وحياة " (يو6: 63). وهو لم يتصَّرف كذلك إلا ليعملَ مثل الآب (يو8: 38). ولمَّا تحَّدثَ يسوعُ عن " أكل جسده و شربِ دمِه" إستنكفَ كلامَه حتى بعضُ تلاميذه. و" تخَّلى عنه من تلك الساعة كثيرٌ من تلاميذه وآنقطعوا عن مصاحبتِه" (يو6: 66). ونحن اليوم نأكلُ جسده ونشربُ دمه. تلك حقيقة لا تُنكَر. ومع ذلك ليس جسد يسوع ودمه كما نأكل اللحم المشترَى من عند القصَّاب. إنه جسدٌ ودم من نوع آخر، وبشكل مختلف. هكذا علينا أن نفهمَ كلام الله على حقيقته لا في حرفِه. يُشَّدد الوحي أنَّ الوصايا ليست من محض فكر موسى ورغبته. لأنَّ موسى الذي قتل لم يكن بوسعه أن يفهم شريعة عدم القتل فيكتب " لا تقتل". ظهرالله لموسى وآختاره قائدًا لأنقاذ شعبِه فكان عليه أن يسمع من الله و يخضع هو أولا لمشيئته. وإذا كان موسى كتبَ حرف الشريعة بيده فلأنَّ الله يأمُره بذلك، :" قال الرَّبُ لموسى: أُكتُب هذا الكلام لأني بحَسَبِهِ قطعتُ عهدًا معكَ ومعَ بني إسرائيل"(آية 27). وعندئذ يكون الله وكأنه هوالذي يكتب. وحتى لا يعترضَ عليه الشعب، على موسى أن يظهر بقوة أنَّ الله نفسَه هو صاحبُ الوصايا. ولو كتبها الله بنفسِه لما إحتاج موسى أن يظلَّ على الجبل صائمًا أربعين يومًا، نهارًا وليلأً. لأنَّ أمرَ الله وعمله يتنفَّذ بلحظة واحدة ، :" قال اللهُ ليكُن نورٌ، فكان نورٌ"(تك1: 3).

• يُعاقبُ الآباءَ في البنين.. !

ذكرَ الله لموسى رحمته الواسعة والغزيرة التي تشمل " ألوفَ الأجيال". لكنه أكَّد أيضا أن عقوبة خطايا الآباء تمتَّدُ فيظهرُ مفعولُها في الأولاد والأحفاد. وقد يعترضُ البعضُ وما ذنبُ الأبناء أن يدفعوا ثمنَ أخطاء آبائِهم!. حتى البشر يرفضون هذا النوع من حكم. نعم. لكن البشر الذين يعترضون عليه إذا قرأوه هنا، يُضاعفون ممارستَه في قضائِهم وتعاملِهم. بينما الله لا يُعاقب الأبناء. ولكنه يُؤَّكدُ أنَّ البنين يرثون أباءَهم ثروةً أو فُقرًا، سُمعةً جيدة أو سَّيئة. إذا مات الأبُ عقابًا على جريمةٍ فالأبنُ يتَيَّتم شاءَ أم أبى، ويتألمُ ويشقى ويتجَنَّبُهُ الناس. قادةُ الشعوبِ يخطأون وعقابُهم يُؤذي مواطنيهم أكثر من القادة أنفسهم. ربما تمتَّد السمعة السيّئة الى أبعد من الجيل الأول، إلى" الثالث والرابع". بينما يذكرُ الربُّ صلاح الناس وبِرَّهم فيرحم بسببهم ألوف الأجيال التالية. أما هكذا أنشدت مريم :" تذَكَّرَ رحمتَه، كما وعد لآبائِنا إبراهيم ونسلِه للأبد" (لو1: 54-55).
فالله لا يُعاقبُ أحدًا بذنبِ غيرِه. وقد إعترضَ عليها في حزقيال النبي فقال:" حَيٌّ أنا، يقول السَّيدُ الرب، لن تُرَّددوا بعدَ الآن : الآباءُ أكلوا الحِصرمَ وأسنانُ البنين ضَرِسَت.. جميعُ النفوسُ هي لي. نفسُ الأبِ ونفسُ الأبن. كلتاهما لي. النفسُ التي تخطَأُ هي وحدَها تموت.. الأبنُ لا يحملُ إثمَ أبيه، والأبُ لا يحملُ إثمَ إبنِه.. أدينُ كلَّ واحدٍ منكم بحسبِ أفعالِهِ" (حز 18: 1-2، 19-20، 30). ولكن تداعيات الخير أو الشر في المرء تُؤَّثرُ على من حواليه من أقرباء. هكذا بسبب خطيئة آدم ، الأب الأصل، تألمت الأنسانية كلها. وكذلك بسبب بِرِّ آدم الثاني ، موت يسوع المسيح الكفَّاري ، نالت الأنسانية الخلاص. لأنَّ بينهما وبين الأنسانية رابطة دمٍ وحب، بُنُّـوةٍ وأُخُّـوة.

• رأوا وجـهَه مُشِــعًّا !

كُلَّما إلتقى موسى اللهَ وخاطبَه يدخلُ في علاقةٍ حيوية معه. فيشتركُ في ما لله من مجد. و يبدو شُعاعُ مجدِ الله على وجهه. فيخافه الشعبُ وحتى هارون أخوه. الحياة التي نفخها الله في الأنسان في البدء تتجَّلى في نقاوتها وقداستها. هذه القداسة تُرهبُ وتُهَّددُ ببطش النجاسة التي تتجاسرُ فتقفُ إزاءَها لتُثَّبتَ وجودَها. القداسة تنادي المقابل أن يرتفعَ الى مستواها وأن يتطَّهرَ من إثم الشهوة المادية، ويتجاوبَ مع حياة القداسة. هذا ما فعله موسى حتى أصبح يتعامل مع الله ببراءة الطفل. وعندما أخطأ الشعبُ وعبد صنم العجل هدَّدَ الله بإبادتِه، فقال:" رأيتُ هذا الشعبَ فإذا هو عنيد. دعني فأُبيدُهم وأمحو إِسمَهم من تحت السماء. وأجعلكَ أنتَ أُمَّةً أعظمَ منهم" (خر32: 9-10؛ تث9: 13-14). أمَّا موسى فتشَّفعَ للشعب ببراءة وثقةٍ لا مثيل لهما عند البشر، فقال:" يا رب خطيءَ هذا الشعبُ خطيئة عظيمة و صنعوا لهم آلهةً من ذهب. فإِمَّا تغفرُ لهم خطيئتهم أو تمحوني من كتابكَ الذي كتبتَه" (خر 32: 31). وما كتبهُ الله هو العهدُ بالوصايا العشر(آية 28). لم يعرف الشعبُ اللهَ فرفَضَه إن كان بعبادة العجل أو رفض رؤية مجد الله على وجه موسى.
إنَّ تأثير مجد الله في موسى صار له وقعٌ سلبيٌ إذ خافَ منه الشعب وآضطُّرَ موسى أن يُخفيَ وجهَه بوضع بُرقعٍ عليه يُغَّطيه فيسترُعنهم مجدَ الله الظاهر في إنسان بار قدّيس. وإذ كان ذلك الأشعاع فقط تأثيرَ حضور الله لموسى، كان سيزول من نفسِه بعدَ مدة. لأنه لم يكن شعاعَ المجد بنفسِه بل فقط ما تركه من أثر. وهذا مجدٌ وفخرٌ مهما كان زائلاً. ولكن ماذا لو حضر وظهر المجدُ نفسُه، وهو إلاهيٌ خالد؟. وقد ظهر فعلاً في يسوع المسيح، ورأينا " مجدَه ، مجدًا يفيضُ بالنعمةِ والحَّق" (يو1: 14)، إذ " أشرقَ وجهُه كالشمس وصارت ثيابُه بيضاءَ كالنور" (متى17: 2). وقد فَسَّر مار بولس رفض الشعبِ رؤية وجه موسى يشُّعُ بأنَّهم لا يريدون أن يعاينوا نهاية مجدِ موسى. وبذات الفعل يرفضون الأرتفاع الى الله وفهم شريعته. لم يفهموا حقيقة ما جرى. فيقول:" عميَت بصائرُهم. ولا يزالُ ذلك القناع إلى اليوم غيرَ مكشوفٍ عند قراءة العهد القديم، ولا ينزعُه إلا المسيح.. لا ينزعه إلا الأهتداءُ الى الله" (2كور3: 14-16).
وما ساعد موسى على الأشتراك في مجد الله أنَّه تفَّرغَ له كليًا فآنعزلَ عن الناس وانقطع حتى عن الأكل والشرب :" أقمتُ أربعين نهارًا وأربعين ليلةً، لم آكلْ خبزًا ولم أشربْ ماءً" (تث9: 9 و18). ليس بالخبز وحدَه يحيا الأنسان بل بكل كلمةٍ تخرجُ من فم الله ! بالصوم زها موسى ودخل الى قلب الله. وبالكلمة الألهية التي إستقبلها تطهَّرَ من كل دنس أو لوم فأنارت تلك الكلمة فكره ونقَّت قلبَه وبدت علاماتها على وجهه المُشّع بحضور الله فيه. بإفراغ ذاتِه بالصوم من هموم العالم وحاجات الجسد وبفتح حياته لله إمتلأَ من الله ثم طفَح ما فيه من الله الى الخارج ليراه البشر فيتعلموا منه كيف يرتقون بالصوم في سُلَّمِ قداسةِ الله.


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com