الأحــد الأول لأيليا ! *******<>******* 2018.08.26


تتلى علينا اليوم القراءات : تث6: 20 – 7: 6 ؛ 2تس1: 1-12 ؛ لو18: 35 – 19: 10

القـراءة : تثنية 6 : 20 – 7 : 6

في توصياتِه الأخيرة للشعب شَدَّد موسى على عدم نسيان الماضي الذي يبقى ركيزة الحاضر ومُبَّرِرَه. لأنَّ الذي لم يحيَ في الماضي، لم يكن جُزءًا منه، لا يستوعبُ بسهولة عُمقَ أحداثِه ولا يميلُ كثيرًا الى العيش في كَنَفِه. بل تتغَّلبُ عليه أفكاره ورؤيتُه الخَّاصة للواقع الذي يعيشُ فيه. لكل إنسان زمانه وحضارتُه وخصوصيته. لكن الماضي هو حضارة الأنسانية كلها. منه تنطلقُ الأجيال الناشئة لبناء مستقبلها. وأراد موسى لشعبه مستقبلا باهرًا فوضع بين يديه الأساس المتين لبناء صرح الأمَّة وصيانته جيلاً بعد جيل. وهذا الأساس هو الله نفسُه. فالله هو ماضي بني إسرائيل وحاضرهم ومستقبلهم.

كنَّا عبيدًا فحَرَّرَنــا !

يُشَّدِدُ موسى على هوية الشعب ويطلبُ منه أنْ يتقَّيَد بها ويُحَّقِقَها بأمانة. فإنَّ اللهُ يُؤَّكدُ على أنه كَوَّنَ هذا الشعبَ مُلكًا له. إنه إبنه الذي مطلوبٌ منه أن يسلكَ حسبَ تربيةِ الله أبيه. يَهَبُه كلَّ ما يملكُ على أن يبقى أمينًا لحُّبِه ويُبادلُهُ الحبَّ الخالص. يُذَّكرُه بما صنعه له : كيفَ حَرَّرَه من عبودية المصريين، بأيَّةِ آياتٍ ومعجزاتٍ مُذهلة ومُدهشة أخرسَ أعداءَ شعبِه وأجبَرهم على السماح له بالخروج من مصر مع هدايا وخِلَعٍ ثمينة لم يحصلْ لغيرهم أن عومِلوا هكذا، لا بآستعبادهم ولا بإِخلاءِ سبيلهم مُكَّرمين. إنه حدَثٌ فريدٌ من نوعِه ومعجزةٌ تكادُ لا تُصَّدَق ، تشبَهُ بطولاتِ الأساطير. كانت يدُ الرَّبِ قديرةً أقدَرَ من كلِّ قدرةٍ عرفها التأريخ. من سمعَ من الأخبار مرَّةً و من شهدَ يومًا شعبًا برُمَّتِه، يُعَّدُ بمئاتِ الألوف، يُعبُرُ بحرًا بعرضِه الواسع ثمَّ نهرًا يبسا أمامَه بينما ترتدُّ المياه على أعدائهم، على جيش مصرَ ومركباتِه فتغرقهم ولا ينجُو منهم حتى و لا نفرٌ واحد ؟. هكذا فاقت قدرةُ الله، وفاضت رحمته لشعبِه وسمَت عنايتُه به عن الوصف، حتى لما بلغ صداها الى شعوب كنعان تمَّلكها الرُعبُ والهولُ فآضطربت خوفًا و" آنقطعَ حَيلُ سكان فلسطين " (خر15: 14-16).
هذا ما صنعه "يهوى ـ الرب" لشعبِه دون أيِّ شعبٍ آخر. بل ذلَّ لأجله كلَّ الشعوبِ الأخرى التي لم تقبَله لها إلَـهًا بل عبدت آلِهةً خيالية وهمية صنعت لها بنفسِها تماثيلَ و رسومًا تحتاج إلى عابديها أن يحموها لأنها لا فقط ما كانت قادرة على مساعدة عبادها وإنقاذِهم، بل كانت عاجزَةً حتى عن حماية نفسِها لأنها لم تكن سوى حجارةٍ صمَّاءَ أو أخشابٍ يابسة. بينما برهن إلَهُ بني إسرائيل عن حيويته وجبروتِه حتى خافهُ الوثنيون ودعوهُ " إلَهَ الجبال "، لشِدَّةِ أفعالِه وإعجاز أعمالِه. وما فعله الله لشعبِه لم يكن جزاءًا لفضلٍ لهم ولا لأيمانهم، وقد أظهروا سريعًا وكثيرًا ضُعفَه وهشاشتَه، ولا طمعًا بكثرةِ عددهم أو شِدَّةِ بأسِهم، بل وفاءًا لوعدٍ قطعه الله مع آبائِهم إبراهيم واسحق ويعقوب أن يُوَّرِثَهم أرضَ كنعان، الأرض التي تدُّرُ لَبَـنًا وعسَلا، لأنهم سمعوا كلامه وحفظوا وصاياهُ ولم يُخالفوا له أمرًا أو توجيهًا يكفلُ راحَتَهم. أحَّبوهُ كطفلِ بريء وآرتموا في أحضانه بثقةٍ وطمأنينة وفتحوا له قلبهم وحاوروه في السَّراء والضَّراء. لم يكن لهم أبٌ غيره. لم يُخفوا عنه نيَّةً ولا أحرجوه بإدارةِ الظهرِ إليه. تصَّرفوا معه كأبناء مُحِّبين.

لا تقطعوا معهم عهدًا !

أعادَ موسى إلى أذهانَ الشعب أفضال الله ودعاهم إلى التمَّسكِ بشريعتِه، لا عن جبر بل عن محَّبة، لأنَّ شريعةَ الله ليست سوى تزويدهم بالسُبُلِ الأمينة والكفيلة براحتِهم مع كشفِ وجهِ الشَّر المُقَّـنَع فيتجنَّبوهُ لحماية أنفسِهم من همومٍ كثيرة وأوجاعٍ مؤلمة. كما ذَكَّرهم بأنَّهم ينالون ، بالأضافةِ الى حمايةِ الله ورعايتِه، جزاءًا عظيمًا عادلاً مقابلَ أنْ يلتزموا بتطبيق وصاياه في سلوكهم الأجتماعي اليومي. ولم ينسَ موسى أن يُهَّيئَهم للتعامل مع شعوبِ أرض الميعاد الذين يفوقونهم عددًا وعُدَّةً وقوة. فنهاهم عن كلِّ علاقةٍ إجتماعية وخُلُقية معهم. منعهم من عقد العهود أو التصاهر معهم. ذهب أبعد من ذلك. حَرَّم عليهم حتى" التحَّنن" عليهم، وطالبَهم بهدم مذابحهم وإبادةِ تماثيل أصنامهم . ذلك ليقيهم من خطرهم الروحي. شعبُ الله مُقَدَّسٌ مثل إلَـهِه، أما تلك الشعوب فلا تعرفُ الله ، بل تُعاديه، ولها خبرةُ التفَّنُن في ممارسة الَّشر ونشر الفساد. في حين عود شعب الله طرِيٌ، وقصبتُه مرضوضة وقد يعدو منهم بسهولة فينزلقُ إلى طرقهم المُلتوية ويتعَّلم عاداتهم السَّيئة وأخلاقهم البذيئة فيتبع ضلالَهم الأعمى. لذا حَذَّرهم موسى من مغَّبة العودةِ الى أسلوبِ حياة المصريين التي كانوا يتوقون إليها أحيانًا ويحنون إلى ملَّذاتِها وأطيابِها الحسَّية (خر16: 2-3).
لقد إختارَ الله شعبًا يُهَّذبُه على الحق ويُرَّبيه على البر فيجعلَ منه مَنارة للشعوب التائهةِ في ظلمةِ مُحيط الضلال والفساد، " جعلتُكَ عهدًا للشعوب ونورًا لهدايةِ الأمم .. وخلاصًا إلى أقاصي الأرض" (اش42: 6؛ 49: 6). من عادة الحياة أنَّ الواحد يتبع الأكثرية، والضعيفَ يخضع لشريعة القوي. وبنو إسرائيل أقل وأضعف. لكنَّ الله يرفُضُ هذا المسلك. السلوك الأحَّق هو أن يسودَ الحَّق والبر، في كل مكان وكلِّ ظرف وكلِّ المجتمع الأنساني. كما أنَّ شمعةً مُضاءَة في ليلةٍ ظلماءَ وفي أعماق غابةٍ كثيفة تنيرُ وتتحَّدى الظلام هكذا يجب على شعب الله أن يُنيرَ للعالم ولا ينطفيءِ ضوؤُه ولا يتحوَّلَ إلى ظلام. ويا ويله إذا آنطفأَ نوره و أصبحَ ظلامًا !(متى6: 23). سيكون عقابُه عندئذٍ مُضاعفًا !. وإذا خان الشعب عهدَه ولم يُؤَّدِ رسالتَه ولم يحملْ الثمارَ المطلوبة سيفقُدُ إمتياز الأختيار ويقعُ عليه غضب الله ،" الربُ إلهكم إِلَـهٌ غيور، حاضرٌ فيما بينكم، فإذا آشتَّدَ غضبُه عليكم يُبيدُكم عن وجه الأرض" (تث6: 15). وحاله حالُ كلَّ الشعوب. ما دام الأنسان، كلُّ إنسان، صورةُ الله عليه أن يشُّعَ خِصالَ الله، فيحفظ كلامه ويعمل أعماله، ويعكسَ حَّقَه وبِرَّه، ويضمن بذلك رضـاهُ وراحتَه. والماضي سِجِّلٌ وثيقٌ يُضيءُ له ليَطمَئِنَّ المؤمن أن الله وحدَه جديرٌ بالتقدير والطاعة لأنَّه وحدَه مصدر الحياة وراعيها فمُغَّذيها وهاديها ومُكَّلِلُها.

القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com