الأحـد السابع للصيف ! ********<>******** 2018.08.19


تتلى علينا اليوم القراءات : اش30: 1-15 ؛ 1تس2: 14- 3: 13 ؛ لو18: 1- 14

القـراءة : إِشَعْيا 30 : 1 – 15


يُسَّجلُ إشَعيا خيانات كثيرة لبني اسرائيل وتصَّرفاتٍ غبية تفضحُ عدم إيمانهم بالله ومحَّبتِهم له . نسوا سريعًا جميل الله وآنحدروا جَريًا نحو الآداب الوثنية وحكمتها. لقد أرشد الله الأنسان في كلِّ الأبعاد الحياتية حتى علمَّه الفلاحة والزراعة. كما يفعلُ كلُّ أب في تربية إبنِه فيُعَّلمُه ويساعدُه ويرشده الى خيره هكذا فعل الله مع إبنِه الأنسان، لاسيما مع إبنه البكر(خر4: 22). يكشفُ الله مصيرَ الشعوب الوثنية الكافرة والظالمة ويصفُ عقابَها القاسي. ومثلها لن تفلت أورشليم وشعبُها من ويلات الحروب وسفك الدماء، عقابًا تجلبه على نفسٍها بسبب معاصيها وتمَّردها وآبتعادها من الله. أدان الله شعبَه بالتمَّرد عليه وبالعقوق. لقد فاقوا على إثم آبائهم فضاعفوه، و" زادوا خطيئة على خطيئة"!، لأنهم رفضوا كلام الله علنًا و" توَّكلوا على الظلم والإعوجاج وآعتمدوا عليه" . تركوا طريق القداسةِ وآنغمسوا في الدجل فتبنوا سلوك الوثنيين في ثوب الأيمان. ساروا خلف المبادئ الوثنية التي لا تؤمن بغير قوَّةِ ساعِدِها ولا تتكل على غير حكمتها. لقد صابهم الغرور فباتوا يُحَّرفون الحقائق الدينية، ويتذمرون قائلين " لماذا جبلتنا هكذا" (اش29: 16؛ رم9: 20). يحُّنون الى المظهر والعنف واللهو ويميلون عن الجِدِّ والحَّق والأصيل. ورفضوا الأنصياع لشريعة الله وثاروا على أنبيائِه ومُرسَليه، :" يقولون للذين يرون رُؤَى : لا تروا:- وللأنبياء : لا تتنَّبأوا لنا بما هو الحَّق ، بل كلمونا كلام النفاق، وآجعلوا رؤَاكم خِداعًا. حيدوا عن الطريق ، ميلوا عن السبيل، خذوا من أمامنا قدّوسَ إسرائيل"!.
إنَّه التجديفُ بعينِه. وآنطلاقًا من هذه الأفكار والقناعات لم يعودوا يؤمنوا بالله أنه قادرٌ أن يحميهم كما في الماضي. صاروا يتباهون بعقلهم وسواعدهم وأموالهم فقالوا أنهم قد كبروا وليسوا بعد أطفالاً، وأنهم قد نضجوا ويفهمون فليسوا بعد في حاجةٍ الى من يُعَّلمهم. إنهم يتمَّيزون دربَهم، ويعرفون كيف يضمنون مصيرَهم، فماذا يعمل لهم أكثر إلَهٌ بعيدٌ عنهم لا يرونه ولا يسمعونه؟. ربما قد مات أو أقَّله قد شاخ فصار عاجزًا عن قيادتهم، وهم بالمقابل قادرون أن يُدَّبروا أُمورَهم ويُسايسوا، مثل بقية الشعوب بل وأحسن منهم، شؤونهم ويحموا أنفسهم من شَّر الأعداء. ومن هذا المبدأ تحالفوا مع المصريين أعدائهم الحاقدين عليهم، كمن يتحالفُ مع الشيطان نفسِه، ضدَّ الآشوريين الذين يُهَّددون سيادتهم. لم يستشيروا الله، لم يرجعوا الى الشريعة ولم يتقَّيدوا بمبادئها. وعادَوا كلَّ من حاولَ أن يقفَ في وجه مخَّططهم أو يُعارضَه. نسوا كيف حماهم الله وأنقذهم من المصريين. نسوا الضربات التي أنزلها الله بهم عندما رفضوا إطلاق سبيل آبائِهم. نسوا كيف عَّبَرهم على اليبس في البحر الأحمر ونهر الأردن. نسوا كيف كسر أمامهم كلَّ الشعوب الذين إعترضوا مسيرتهم نحو الأرض التي يسكنونها ويعيشون على خيراتِها. نسوا ونسوا ونسوا. بل لم ينسوا. إنما رفضوا الأعتراف بجميل الله حتى لا يشعروا بدَين تجاهه. يرفضون قيادته حتى يُبَّينوا للعالم أنهم أُمَّةٌ قادرة أن تسود ذاتَها، بل وتحلمُ باليوم الذي فيه تُخضعُ كلَّ الشعوب لسيادتها وحكمتها.
كلُّ شيءٍ مفهومٌ. ما لا يُفهمُ ويُحَّير هو كيف يتخَّلون عن المحسن اليهم، من يُحّبُهم ويرعاهم ويُديرون له الظهر ويثقون بمن إستعبَدهم وحاول إبادتهم فيتحالفون معه، وفوقها يدفعون له أجرًا؟. قامَ تحالفهم مع المصريين على أساس معاونتهم ضد أعدائهم. مارسوا سياسة كسبِ صداقةِ "أعداءِ أعدائهم" {{ عدو عدوي صديقي}}!. فطلبوا عونهم مقابل الهدايا الثمينة. فرغوا من أجل ذلك خزينة الدولة، وخزينة الهيكل حاملين كلَّ كنوزهم الى مصر، غيرَ ذاكرين أنَّ الله أنقذهم مجَّانًا وبدون حرب تسيلُ دماءَهم. أنقذهم بكلمةٍ من فيه بلا سلاح ولا جنود. هذا لا يُفهَم. لا بُدَّ أنَّهم فقدوا إيمانهم بالله. يؤمنون بأنفسهم فقط. وحتى عبادتهم كانت قد أصبحت حرفية تخرج من الشفاه فقط لا روح فيها ولا حَّـق، :" هذا الشعب يتقَرَّبُ مني بفمه ويُكْرمُني بشفتيه أما قلبه فبعيدٌ عنّي. فهو يخافني ويعبُدني بتعاليم وضَعها البشر" (اش 29: 13؛ متى15: 8-9). هذا كان في زمان إشعيا النبي. ولم يكن المسيح قد أتى. كان موعودًا فقط به. ولما جاءَ بعدَ سبعة قرون كيف تفاعل الشعبُ معه؟. كانوا قد فقدوا السيادة والملوكية. حكمهم الرومان و أقاموا عليهم ملكًا غريبًا. وكان الكهنة يحكمون والشريعة تسود. لحقوا أن يُغَّيروا حتى صورة الملك المُنقذ الموعود. وكما رفضوا حينًا موسى (عدد14: 4-10) دانوا المسيح بالتجديف و قتلوه (متى26: 63-66). تخَّلصوا من الله لتخلوَ الساحةُ لهم فلا يُثَّقل ضميرَهم ولا يتدَّخل في حياتِهم. عمَّت الأنانية والكبرياء ذهنهم. ولم يعرفوا أنهم حفروا بيدهم قبرَ ذُّلِهم. ولم تطُلِ الأيامُ حتى دَمَّرَ الرومان الأمَّةَ وشَتَّتَها بلا رجعة. كان هذا كلُّه ماضيًا. والذين آمنوا بالمسيح وقبلوه كثروا وأصبحوا 60 مليون مرَّة ضعفَ الشعب الأول. ولكن الله لا يتكلُ على العدد. بل يريدُ النوعية الجَّيدة، " المُحَّسنة". قدّيسٌ واحد يسمع كلام الرب خيرٌ من مليون مؤمن متذبذب. جمع جدعون في حينه 32 ألفَ محارب ضدَّ المديانيين. قال له الله:" الرجالُ الذين معك أكثر من أن أُسَّلمَ بني مديان الى أيديهم". فقلل عددهم الى ثلاث مئة فقط. بهذا العدد وحتى بدون أن يستعملوا السيف ضربَ الله جُندَ العدُّو ببعضهم وآنتصر جدعون لأنه آمن بالله وتقَّيَدَ بكلامه ونفَّذ أمرَه حرفيًا(قض7: 4-23). ولا يزالُ أعداءُ الله وكارهوالمسيح يُضايقون أبناءَ الله المؤمنين. لكن الله حَرَّمَ إستعمالَ السيف ، و يرفضَ الكُرهَ والعُنفَ وأعطى لأبنائه سلاح الأيمان والثقة به، وسلاح المحَّبة والغفران. ومع ذلك لم يُهمل محّبيه بل حفظهم من ويلاتٍ وبلايا لا تُحصى. لكن : هل يعترفُ المؤمنون اليوم بذلك؟. هل تعَّلمَوا الدرسَ من الماضي ويُحبون الله وكم يثقون بكلامه؟.


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com