الأحـد السادس للصـيف ! *********<>********* 2018.08.12


تتلى علينا اليوم القـراءات : أح19: 1-11 ؛ 1تس2: 1-12 ؛ لو17: 5-19

القـراءة : أحبار 19 : 1 – 11


كونوا قدّيسين !

لما خلقَ اللهُ الأنسان حَذَّرَه من تَصَّرفٍ شهواني يؤذيه، دعاه بالمقابل الى تصَّرف عقلاني. طلبَ منه ألا يتعَلَّقَ ويتبع ما تغريه به حوّاسُه. إنها مميتة تقودُ الى الهلاك والحرمان من صداقة الله (تك2: 16-17). لم يخلق الله الأنسان للتمتع بشهوات الجسد، خلقه ليتمتع معه بالمجد والخلود، " و الأهتمام بالجسد موتٌ، وأمَّا الأهتمام بالروح فحياةٌ وسلام" (رم8: 6). ولأنَّ الأنسان صورةٌ لله، ولأنَّ حياته من نَفَسِهِ فلا يرضى ولا يرتاحُ ، ولا يتمَجَّد، إذا شُوِّهَتْ صورته. لأنَّ الله قدوس وبار فهو يريدُ من " صورتِه" ان تُبرزَ ملامحَه وتُشِّعَ فتُعَّرفَ عنه الصفاتِ الجوهرية لكيان حياتِه. سوفَ يُكَّررُ يسوع التحذير نفسَه من الأنزلاق وراء حاجات الحياة المادية والأنغراءِ بها على حساب الحياة نفسِها ،" لا يُهّمُكم للعيش ما تأكلون ولا للجسد ما تلبسون. فالحياة أثمن من الطعام.."(متى6: 25). كان الأنسان في خِلقَتِه الأولى صورة فقط لله، وربما تكون الصورة جامدة، أما في خِلقتِه الجديدة في المسيح فأصبحَ إشعاعًا حّيًّا لحياة الله ،" أنتم شهودٌ لي" (أع1 : 8). والدعوة الى الشهادة تتحّقَّقُ ببناء مملكة الله على الأرض ،" أُطلبوا قبل كلِّ شيء ملكوت الله وبرَّه " (متى6: 33).
مع إبراهيم دعا الله الأنسان الى الكمال (تك17: 1)، وسوف يُجَّددُ يسوع الدعوة ويشُّدُ عليها ،" كونوا كاملين مثل أبيكم السماوي "(متى5: 48)، ومع موسى دعا الله إنسان العهد الى القداسة مثل الله " لأني أنا الرَّبُ إلَهُكم قدوس" (آية 2). ويسوع جعَلَ القداسة جوهرَ دعوتِه. فلمَّا صَلَّى من أجل تلاميذه، المؤمنين به، سأل الآبَ أن " يُقَّدسَهم في الحَّق...من أجلِهم أُقَّدسُ نفسي حتى يتقَّدسوا هم أيضًا في الحَّق" (يو17: 17-19). إنَّ قداسة السيرة أمرٌ مهّمٌ جدًّا بل جوهريٌ في الإيمان. لأنه " بغير القداسة لا يمكنُ لآنسانٍ أن يرَ وجهَ الله " (عب12: 14). لذا شدَّدت عليها المسيحية وقد خلَصَّنا الرب لأجلها ،" حتى نعبُدَه غير خائفين، في قداسةٍ وتقوى عندَه، طوالَ أيام حياتنا" (لو1: 75). فدعا اليها العهدُ الجديد بكثرة حتى سَمَّى الكتابُ المؤمنين بالمسيح " الأخوة القديسين " (أع9: 14؛ . قال عنها مار بولس أننا " قد دُعينا اليها "(1تس4: 7؛ 1بط1: 16)، نتيجةَ إيماننا بالمسيح وبقوَّةِ آنتمائنا إليه (أف1: 1؛ في1: 1)، ولآظهار قداسةِ الله ومجدِه ولتمجيد الأنسان ذاتِه :" نصَّلي لأجلكم سائلين الله أن يجعلكم أهلاً لدعوتكم ...ليتمَّجَد فيكم اسم رَّبِنا يسوع وتتمَجَّدون أنتم فيه .." (2تس1: 11-12). لذا نفهم إلحاحَ مار بولس على أهل أفسس :" فآلبسوا الأنسان الجديد الذي خلقه الله على صورتِه في البِّرِ وقداسةِ الحَّق" (اف4: 24).

علامة القداسة !

تُعلن الكنيسة من حين لآخر قديسين أشخاصًا أرضوا الله بسيرتهم. وقبل ذلك تطلبُ أن يكون القديس قد أجرى معجزةً أو أكثر. ليس الشخصُ قديسًا لأنه أجرى تلك المعجزة. بل لأنه قديسٌ قد أرضى اللهَ بسلوكه، فأجرى اللهُ بشفاعته مُعجزةً ليُظهرَ عنه رضاه التام، ورغبَتَه في أنْ يُقَّدَمَ للناس مثالاً يقتدون به. فالقداسة مبنيةٌ على سيرة الأنسان المبنية بدورها على حياة الله نفسِه. يكون الأنسان القديس قد سلك، في حياتِه على الأرض، طريق الروح التي شاهدها في الله وسمعه يدعو إليها في وصاياه وأحكامِه. فلم ينغَرِ بالمظاهرولا إنخدعَ بالملَّذات الجسدية ، فلم يتبع شهواتِه ولا أشبَعَ رغباتِه. بل تقَّيد بكلام الله ونَفَّذَ مطاليبَه بوعيٍ وتصميمٍ وثبات، قابلاً تحَّدي العالم ومضايقاتِه مُجابهًا إيَّاها بإيمانه ورجائِه وصبره. لقد تحَّدثُ يسوعُ عن طريقين للسلوك في الحياة. طريقٌ واسعٌ ورحب يتبع رغبات الجسد و الرأي الخاص ويُقَّدسُ قناعته الشخصية المبنية على الحواس وحاجاتها المادية مع شهواتها ، فيهتَّم في تحقيقها وحدَها مُهمِلاً كلَّ أمرٍ أو شخصٍ آخر. وقال الرب بأن هذا الطريق، الذي سيٌسَّميه مار بولس سبيل الجسد (رم8: 5-6)، يؤَّدي الى الهلاك (متى7: 13-14). لأنْ ليس الجسدُ صورة الله بل الروح. وعدو الأنسان يُحَّركُ نوازع الجسد ويُثيرُها ضدَّ الروح صورة الله. هذا ما حصل للأنسان الأول الذي تبع شهواته إذ " رأت المرأة أنَّ الشجرة طَّيبةٌ للمأكل وشهيةٌ للعين وباعثةٌ للفهم فأخذت من ثمرها وأكلت.." (تك3: 6). ويحصل هذا لكل من مثله يتبع شهوات الجسد. لهذا قال الربُ :" الجسد لا يُجدي نفعًا. الروخ هو الذي يُحيي. وكلامي روحٌ وحياة " (يو6: 63). فعهدُ يسوع المسيح هو عهد الروح، عهد الله، وكلام الله روحٌ وحياة (رم8: 4 ؛ 2كور3: 6). وقد سلكه يسوع نفسُه مقاومًا شهواته التي أثارها عليه ابليس (متى4: 1-11).
أما طريقَ الحياة فضَيِّقٌ ومُتعِبٌ ومُؤلم لا بسبب ما يشتهيه بل بسبب محاربة العالم والجسد له . وهذا يتطلَّبُ من السالك طريق الحياة أن يُجاهد ويقاوم التحَّدي بعدم التجاوب مع الرغبات الطبيعية أو الإغراءات الدنيوية. لذا نرى بولس يشَّجع تلميذه على الجهاد في سبيل الأيمان و الحياة الأبدية (1طيم6: 12). وقد جاهد بنفسِه في سبيل ذلك (2طيم4: 7)، إيمانًا منه بتأكيد الرب على ذلك :" ما زال ملكوت السماوات في جهاد، منذ أيام يوحنا الى اليوم، والمجاهدون يأخذونه عنوةً " (متى11: 12).

عناصر القداسة !

وصفَ الكتابُ القداسة بـ " البر والحق". وأعلن يسوع أمام بيلاطس أنه جاءَ ليشهدَ للحق. و أعلن عن حقيقة جوهرالله الذي هو روح. ويريد أن يعبده الناس بالروح والحق (يو4: 24). والحق أن تسيرالحياة نحو هدفها بالطريق الذي خطَّه لها الخالق، أن يتصَّرفَ الأنسانُ حسبما ترتاح إليه الحياة الروحية الشبيهة بالله. وقد عمل أعمال الله ونطق بفكر الله لينير درب الناس الى الحق (يو5: 35؛ 8: 28). إنَّ عنصر القداسة الأساس هو واحد، " المحبة". وهذه المحبة هي التي توعزوتُحَّرك الأنسان و تنَّظم سلوكه. تتطلب صفاءَ النيَّةِ وآستقامة القلب. لأنها لا تنطلق من الذات ولا تنتهي بها. بل هي موَّجَهَةٌ نحو الآخر، تنطلق منه ، من حضوره وحاله وحاجته، وتنتهي إليه مُقَدِّمَة له ما يحتاجه أو يطلبُه أو فقط ينفعُه. فالله إنطلق من حُبِّه لوجود كائن حي يرى فيه صورته يُدَّلِلُهُ ويُسعِدُه ، فخَلقَه. لأنَّ حقيقة الحب أن ينتشر فيُعطي ويتكاثر. وآنطلقَ من حُبِّه لشعبِه وآحترام حَقِّهِ فأجرى المعجزات ليُنقِذَه بيدٍ قديرة من الظلم والشقاء. عاشَ اللهُ حُبَّه وحَقَّه. ويريدُ أن يعيشَ الأنسان أيضًا حُبَّه وحَقَّه. لذا فالقداسة تتطلب أن يُحب الأنسانُ أباهُ الخالقَ وأن يُحِّبَ الناس إخوَتَه. ومن يُحِّبُ يكون :
أولاً : مستقيمًا مع ذاتِه، متواضِعًا لا يتعالى على غيره و خدومًا يريد خيرغيرِه ؛ ولا يُبغِضُ ولا يحقِدُ ولا ينتقم ولا يكذبُ، يرحمُ ويُسامح. ثانيًا : يكون عادلاً لا يظلمُ ولا يحتقرُ ولا يٌرائي ولا ينافق ولا يغُّشُ، ولا يُجاري نفعًا ولا يهابُ قوَّةً ولا يحابي صداقةً ولا يستغلُ ضُعفًا. ولا يسرقُ مال غيرِه، ولا يغدِرُ بأحد. ثالثًا : لا يتشَبَّثُ بأرضٍ مُعَّينةٍ ولا يتكلُ على جاهٍ ولا يجري وراء مالٍ. أخيرًا يسمع كلام الله ويُداري أخاه الأنسان. هذه هي متطلباتُ الحق وهذه هي سيرةُ المحبة. و هي ما تشترطُه القداسة. وقد عدَّدَها سفرُ الأحبار 19: 11-19. وتغَّنى بها بولس الرسول لأهل كورنثية : 1كور13: 1-13. لم يتغَّير اللهُ ولا تبَّدلت صفاتُه. يبقَ هو هو بالأمس واليوم وللأبد (عب13: 8) نموذجًا للقداسة. لذلك تعني القداسةُ أن يكون القديسُ بارًّا لا عيبَ فيه ولا لومًا يُخجلُ فيستحي أن يظهروجهًا لوجه أمام القريب أو الله، كما حصلَ لآدم وحواء اللذين إختبأَآ عن الله بسبب خجلهما وخوفهما منه لأنهما خالفا حُبَّه وآحترامَه، وفقدا البرارة والبساطة بسبب تطَّلعهما إلى منافستِه وفشلهما. لقد إكتشفا غباءَهما وفقدانَ برارتهما. ولا يُريدُ اللهُ أن يتكَرَّرَ هذا مع شعبِه، بل أقامَه درسًا ومثالاً يقتدي به بقية الشعوب فيتحَرَّروا من قيود بؤسِهم وشقائِهم. وآختصر لُبَّ القداسة بقوله :" لا تكن خطيئة فيما بينكم" (أح20: 14). وليست القداسةُ حكرًا على جماعةٍ محَّدَدة أو شعبٍ معَّيَن. الله الخالق هو واحدٌ ونفسُه لكل الناس. كلهم صورته وهو مثالهم في البر والقداسة. ويريدُ أن يعيشوا كلهم في الحَّقِ والمحَّبة. أراد أن يُكَّون شعبًا قدّيسًا يُطلقُه منارةً تُضيءُ للأمم الوثنية وخلاصًا ينتشرُ في العالم الى أقاصي الأرض (اش42: 6؛ 49: 6). وسيُجَّددُ الرب يسوع هذه المهمة لأبناء العهد الجديد : " أنتم نورُالعالم. أنتم ملحُ الأرض" (متى5: 13-16). ويطلبُ منهم أن يحملوا قِيَمَهم، نورهم وملحهم، إلى" أقاصي الأرض" (مر16: 15؛ أع1: 8).


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com