الأحـد الخامس للصيف ! *********<>********* 2018.08.05


تتلى علينا اليوم القراءات : أح23: 33-34 ؛ كور12: 14-21 ؛ لو16: 19-31

القـراءة : أحبار 23 : 33 – 43

في معرض الكلام عن أعياد الرب السنوية يتطرَّقُ الحديث إلى عيد " المظال ". يُحتفلُ به في الخريف عند قطف الثمار الخريفية لاسيما العنب والزيتون. لا ذكر لثمار النخيل، رغم ذكر إستعمال سعفِه لتزيين المظال، لأنَّ فلسطين لم تشتهر بزراعته، ولم تهتم به كبالزيتون. لقد جمَّع الفلاحون حبوب مزروعاتهم ويتهَيَّأون لخزن غلات الأرض مؤونة للشتاء. ومنها بعض الثمار التي إمَّا تُجَفَّف أو تُعصر أو تحَوَّل الى مشروبات أو حلويات كالمربَّى وغيرها. وفي هذا العيد كان اليهود، ويُفترض أنهم لا يزالون يستمرون على التقليد، يجمعون كل أنواع الأثمار المتوفرة في بلدهم ، وهي بعد نضرة، ويُعلقونها في المِظَّلة، مُعترفين بذلك بنعمة الله وشاكرين له فضله، أنه يسهرُ على راحتهم ويحرس حياتهم بتوفير قوتها.
المِظلة، وتُعرَف عامَّةً بـ " كَبْرا ـ قُوبْرانا "، تُقام من أخشابٍ تُنصَبُ كعواميد وتربُط ببعضها وتُغَّطى بأغصان البلوط أو الكرم أو حتى من سعف النخيل، تُشَّكل " شمسيةً" تقي الحارس الذي يلجأُ إليها، ليحميَ نفسَه من أشعة الشمس المحرقة أحيانًا، ويرتاح فيها بينما يحرسُ الكروم أو البساتين من شر النَّهابين والمارّة غير المؤَّدبين الذين قد يعبثون بالأشجاروثمارها. ويحميها أيضًا من دخول بعض الحيوانات المؤذية لها. والمظلة تُؤَّدي أيضًا دورالخيمة مسكنًا لراحةِ حامي الثروات الزراعية. و نتذَّكر أنه لما تجَّلى يسوع على جبل طابور وطابَ المقام للرسل مع الرب الممَجَّد والأنبياء إقترحَ بطرس أن يصنع ليسوع وضيوفِه مظَّالاً يرتاحون فيها، لكن السماء سبقتهم فظللتهم بسحابة نَيِّرة (متى17: 4-5).

عيـدٌ للرب !

أعياد الرب الكبرى ثلاثة : الفصح ، عيد الحصاد ، وعيد جمع الغلات أو المظال. تمتاز كلُّها بالتعَّطل عن العمل ليرتاح الناس، والأحتفال المقدس سبعة أيام بالصلاة وتقديم القرابين عبادةً للرب مع حضور جميع الذكور(خر23: 14-17؛ أح23: 1-43). حياة الناس مرتبطة بالكون ، بزمانه ومكانه. بعد سُبات الشتاء وراحتِه، وفي الربيع ينتعش مع الطبيعة ويتجدد فيتنشط جسمه ، فيدعو الله الأنسان أن يتجَدَّد أيضا فكرًا وروحًا. يحتاج الأنسان أن يختليَ قليلا مع خالقِه ويُلقيَ نظرة فاحصة على حساب علاقاته معه ويُصَّفيَها ولا يَدعَها تضعف أو تنعدم لئلا يخسرَ صداقة الله ورعايته له. فالأنتعاش الروحي يوازي الأنتعاش الطبيعي ويُغَّذي المرءَ بطاقة روحية تسندُ مسيرة حياتِه الآتية التي لا يعرفَ مصيرَها ولا يقدر أن يتكهَّن بما تُبطّنه الآيام الآتية فيتسعدُ لمواجهة كل الأحتمالات بالأتكال على الله. فيُنَّقي باطنه ويُزوِّده بشحنة إيمانية جديدة تغَّذيه في الفترة التالية.
في الصيف تشتغل الطبيعة على إنتاج وإنضاج خيراتها. والأنسان أيضا يتحَّرك ويشتغل لُيشارك جهود الطبيعة ويتعاون معها في إخراج ما تجودُ به لمنفعته. فيبدأ يقطف شيئًا فشيئًا ثمار أتعابهِ و يجمع أولا محصولات الحبوب التي كان قد زرعها وآنَ زمنُ تحضيرها و خزنها. و لا ينسى أن الله علمَّه ذلك وأنه أعطاه الأرض ليفلحها وبهذه الطريقة يجني الغلات والخيرات التي وَفَرَّها له، فيشكره عليها ويُقَّدم جزءًا منها قربانًا رمزًا للأعتراف بجميل الله. وفي الخريف تكون كلُّ أنواع ثمار الأشجار قد إستوت فيبادرُ إلى قطفها ليلتَّذَ بطعمها ويتغَذَّى بفوائدها. فكلُّ خيرات الأرض، من حقولها وأشجارها قد توفرت لدى الأنسان قبل أن تبدأ الطبيعةُ وتأخذ راحتها في سُبات جديد يُهَّيئُها لدورة جديدة من النشاط وأداء الخدمة التي اناطها اللهُ بها لخدمة الأنسان بتوفير أرزاقِه وحاجاته ومستلزمات حياتِه. وحتى الأنسان نفسُه سوف يقل نشاطه الأنتاجي تزامنًا مع الطبيعة وينال راحةً جسمية جديدة ليتهَيَّأَ لدورة أخرى من العمل والجهاد. وهكذا يكون عيد المظال ختامًا لفترة النشاط والتعب وآستعدادا للراحةِ ، فيفرح الأنسان بإنتاجه الذي يصرف منه على قوته ولبسه وعافيته، ويهتم براحتِه.

موعد الدخول في دار راحتِه !

خلق الله الأنسان في الفردوس " دار راحتِه". لكنه لم يتمتَّع بها طويلا إذ خسر راحته بسبب الخطيئة. ثم حرَّرَ اللهُ شعبَه من مأساة عبودية مصر فأخرجه منها الى أرض الكرامة و الحرية. أسكنه في" مظال حين أخرجهم من أرض مصر". أراد لهم أفراح الراحة والهناء بعد شقاء العبودية وقساوة ظلمها. لكنه هنا أيضًا لمْ يتنَّعم بالراحة بسبب خطيئة العصيان على الله (عب3: 17-19). ولم يتمَّتعوا أيضًا براحة " أرض الميعاد"، لأنهم قسُّوا قلوبَهم وخانوا العهد ولم يُعطوا ثمرًا لصاحب الكرم ورفضوا رأس زاوية بناء مملكة الله فحُرِموا إمتياز الراحة إذ إسترجع الله منهم كرمه (متى21: 40-42). لم يتمتَّع براحة الله سوى رسل يسوع الذين عاينوا مجد الله وجلاله فآرتاحوا ،" ما أجملَ أن نكون هنا "، وأرادوا إقامة مظال ليبقوا هناك دومًا ويَهنأوا، وظللهم الرَّبُ بسحابة مجده المريحة (متى17: 4-5).
إنَّ راحة المظال والدورٍ الأرضية مؤقتة وزائلة لأنها عرضة للخراب والدمار. يُخَّربها الأنسان نفسُه بعصيانه لله. وحتى ثمار الأرض وخيراتها، رغم جودها ونفعها وجمالها وما توَّفره من لذَّة وراحة، إلا إنها لا تخلد. ولا حاجة اليها في الحياة الأبدية الروحية. لن يبقى غير الله وراحته. والراحة الباقية التي يُوَّفرُها الله تُبنى على قداسة الحَّق. والحق والقداسة يقومان على المحبة، لأنَّ الله محبة. ومن دخل من هذا الباب " الى راحة الله، يستريحُ من أعماله كما إستراح الله من أعماله" (تك2: 3). حتى الرسل تذَّوقوا طعم الراحة على الجبل لكنهم لم يمكثوا فيها لأنها كانت فقط رؤيا ليتعَّرفوا إلى راحة الله ويمتدّوا نحوها فلا تُعيقهم عنها راحة الدنيا الكاذبة. فقال المزمور:" اليوم إذا سمعتم صوته فلا تُقَّسوا قلوبكم.." (مز95 : 7-8). والرسل لمَّا سمعوا صوت الرب تنَّعموا به وآرتاحوا وتفاعلوا معه. وعليه حرَّض الرسول المؤمنين بقوله :" فلنبادر الى الدخول في تلك الراحة ولا يقع أحدٌ في مثل ذلك العصيان" (عب4: 10-11). يدعو الله الأنسان إلى تأمل عميق في حياتِه، من حين إلى آخر أو أقله في نهاية كلِّ فصل وقبل بدء فصلٍ جديد من الحياة، لاسيما في الفصل الأخير أي خريف الحياة وقبل سبات الموت النهائي، ليُصَّفيَ حسابَه مع خالقِه، ذاكرًا أفضالَه، شاكرًا له كلَّ خيراتِه التي لا تُحصى ، و شَّادًا حِزامَ أمتعته ليرحل الى المظال الأبدية حيث الله وحدَه يوفر له راحة المجد والهناء.


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com