الأحـد الثاني للصيـف ! ********<>******** 2018.07.15

تذكار الشـهيد مار قرياقس


تتلى علينا اليوم القراءات : اش3: 16-4: 6 ؛ 2كور3: 4-18 ؛ لو15: 4-32

القـراءة : اشعيا 3 : 16 – 4 : 6

فسدوا ورجسوا .. !

قدَّم النبيُّ وصفًا لآستهتار بني إسرائيل خاصَّةً العنصر الأنثوي، ولاسيما الفتيات الشابات اللواتي يتحَّركن بدلال ويتغَّنجن في مشيِهِنَّ ويتزَّيَنَ بالحِلي غير مباليات لا بالحشمة ولا بالكرامة. كلُّ هَّمِهنَ مظاهرُ الهندام لجلب إنتباه المارة وكسبُ لطفهم، أومن يدري ربما لصيد بعضهم في شِباك الغرائز وإغرائهم بالشهواتِ. إنه الفساد بعينه عدُّوُ القداسةِ التي دعا إليها الله. الله وحده يدوم، لأنه الخالق الحق. وما هو ضِدُّهُ هو ضدُّ الحَّق ولن يدومَ طويلا. فما وصفه النبيُّ لن يدوم طويلاً. وطول المدة لا تُقاس بأعوام عمر الأنسان. بل تقاسُ بحساب الله وبقوة مقاومة الشر والفساد للحق والبر. وأيُّ شيء يقدر أن يقاوم الله؟. " صعبٌ عليك أن تُقاومني" قال الرب يسوع لبولس (أع9: 5). صعبٌ على الأنسان أن يقاوم الشر ويتغَّير الى الخير، أما الله فهو قادرٌعلى كلِّ شيء. أما قَلَّبَ بولس بلحظات وكلمات قليلة من مُضطهِدٍ للمسيحية إلى مُبَّشِرٍ بها" (أع9: 3-9). صعبٌ على الأنسان أن يتعالى على الله أو يزدريَ به ولاسيما أن ينعزل ويستغنيَ عنه كليًا، إذ " لا موت ولاحياة، لا ملائكة ولا أصحاب رئاسةٍ،. .. لا قوات ولا خليقة بوسعها أن تفصلنا عن محبة الله .." (رم8: 38-39). الخطيئة توقع بفرائسَ من ضعاف النفس، لكنها لن تملك للأبد. كلُّ ما تقوى عليه هو أنْ تُكثرَ ممن تصُّبُ عليه في الأخير نيران غضبها. عليه يتدخل الله لآظهار الحقيقة. فستنقلبُ الأمور والأحوال. فعوض العطر ستَشُّمُ فتياتُ القدس وتسبحن برائحة النتن، وعوض الجمال سيكحلن عيونهُنَّ بقباحة أشلاء الموتى لأنَّ الحرب ستأتي على الأخضر واليابس فتستأصلُ كلَّ فرحٍ وتبَيدُ كلَّ ثروة وعون تطلُبْنَه. سيتيَّتمن ويترَّمَلْنَ ويتمَّنينَ الموتَ ألف مرَّة.." ستتمَّسكُ سبعُ نساءٍ برجل واحدٍ وتتعَهَّدْنَ بكل جهد ومصرفٍ مقابل أن تتزَّوَجَنَّ ويزولُ عنهن عارُ العنوسة (4: 1). جهلوا في الماضي طريق الرب وآزدروا بشريعتِه و رفضوا التقَّيد بوصاياه. وثقوا بالعالم وبالحواس حتى" قال الجاهل منهم في قلبه : لا إلَه. فسدوا ورجسوا بأعمالهم، وما من أحدٍ يعملُ الخيرَ"(مز14: 1 ؛ 53: 1)، و حين تُعلن النتيجة يتندمون ولكن بعد فوات الأوان.

مجدُ الرب يُغطي عليهم .. !

لكن الشعب لم يخلُ من أبرار صالحين. حتى وإن تغَّلبَ الأشرار وسادوا الحياة الأجتماعية إلا أنَّ قلّةً تمَسَّكت بالأمانة للعهد مع الله. لقد حفظ الربُّ بقيةً من الناجين، قطيعًا صغيرًا ثبتَ في إيمانه ورجائِه (اش1: 9؛ لو12: 32). إنَّهم قديسون لأنهم سلكوا طريق الرب. سيظهر هؤلاء عندما تطحن الحرب الأشرار والفاسدين، ويختفي الشرُّ والفساد. هؤلاء آمنوا بالله و آمنوا بالوطن وآمنوا أنَّ الجهاد الحق ليس في قتل الأعداء بل هو في محاربة الشر في كل الناس، وبدءًا بالذات. الجهاد هو الحرب الروحية ضدَّ " الحية القديمة" مع وحش الدمار و مبادئه الهَدّامة. من يقودون مثل هذا الجهاد يرضى عنهم الله ويعتني بهم. مجده يُخَّيم عليهم لأنهم صمدوا في الحَّق ولم يتكلوا على البشر وسننهم وسلاحهم. إنها آيات جديرة بأن يتأملَ بها كلُّ إنسان ولاسيما الذي إختبر ثمار الشر: ويلات الحروب ودمارها وشقاءَها، كالنزوح والهجرة والتشرذم إضافة الى الشهداء والمفقودين والمشَّوهين الذين أعاقتهم الحرب وأقعدتهم عن كل حركة مدى الحياة. إنها آياتُ عزاءٍ وتسلية للمؤمنين الذين لم تنل منهم الأضطهادات والتنكيل والتفجير والتهجير، أوفقدان كل مال وحلال، أو البؤسُ والحزن والألم. صمدوا في إيمانهم وثبتوا على رجائهم بأن كلَّ جَبلٍ يعقبه سَهلٌ وكلَّ شِدَّة وضيق يتبعها فرحٌ وراحة. لم يستسلموا لقسوة الزمن ونكباتِه، ولا لكيد البشر وخياناتهم. إنهم آمنوا بأنَّ سيَّد العالم قد أُدين وحُكِم عليه (يو16: 11). وأنَّ الله بالمقابل لا يُرخي الحبل للشر دائمًا. عندما يستفحلُ الشَّر ولم يبقَ للأشرار علاجٌ عندها يرفع حمايته عنهم ويدعهم لمصيرهم المظلم ويُرَّيح المنكوبين والمظلومين. وكثيرون يقولون أين كان اللهُ من الشَّر الذي إستفحلَ فحصد أرواح أبرار كثيرين لا ذنب لهم في كل ما جرى ويجري، ولا حولَ لهم ولا قوَّة ليُقاوموه ويدحروه. كان الله حاضرًا بينهم يواسيهم ولا يسمح للشريرأن ينال من إيمانهم وحياتهم. ذكرَّهم الروح بأن الغلبة والسلام لا يتحَّققان بالعنف، " لا تقاوموا الشر بشر"، بل" أُغلبوه بالغفران والمحبة وعمل الخير"؛ " أحبوا أعداءَكم وأحسنوا إلى من يبغضكم ويسيئءُ إليكم"، " لأنهم لا يدرون ما يفعلون". إنهم جهلة ومخدوعون". فقد النازحون ثروات وعانوا الخوف والرعب والأهانات والقلق وواجهوا أُفُقًا مُعَّـتَمًا من كل الأطراف، لكن الشَّكَ لم يُخامرهم في أنَّ الله معهم و يحميهم رغم كلِّ ما يحدث. تذكروا أيوب البار وما قاسى من شقاء وعذاب؛ تذكروا كيف نجا بنو إسرائيل من مصر وعبروا البحرعلى اليبس؛ تذكروا فتيان الأتون؛ وتذكروا يسوع حاملا صليبه ومائتا عليه ؛ وتذكروا أيضًا قوافل الشهداء الذين أروت دماؤُهم أرض وطنهم ولم يخذل أحد منهم رغم شدَّة ضيقهم وعذاباتهم و لا تذمروا على الله لأنهم عرفوا أنَّ الحياة ليست في الأكل واللبس والشرب، بل هي في سلوك درب الحَّق والقداسة (متى7: 31-33)، ليثبتوا أولادًا لأبيهم الذي يُقَّيمُ حبَّهم له وأعمالهم بقربهم منه وآقتدائهم به ( يو13: 15). وآمنوا أيضا أنَّ الكنوز الروحية للحياة الأبدية أهم من خيرات الأرض، وأنَّ الراحة الأبدية أفضل بكثير من راحة الزمن الزائلة. آمنوا أيضا أنَّ آلام هذا الدهر لا تُقاس بالمجد المزمع أن يتجَّلي في من آمن وصمد فصبر إلى أن ظفر بعون المسيح ومعه (رم8: 18؛ يو16: 32).


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com