الأحــد السابع للـدنح ! * * * * <> * * * * 2018.02.04


تتلى علينا اليوم القراءات : تث14: 2-15: 4 ؛ 1طيم6: 9-21 ؛ متى7: 28-8: 13

1* القـراءة : تثنية الأشتراع 14 : 2 – 15 : 4

صفحةٌ جديدة من العهد الجديد نقرأُها في العهد القديم. حتى لو كان قد تغَّير حرفُ الشريعة إلا إنَّ لهُ روحًا واحدًا ، لأنَّ ما أملاهُ ويُنعِشُه هو فكرُ الله و روحُه. الله لم ولن يتَغَّير لأنه شاءَ فولدَ الأنسان بكلمةِ الحق (يع 1: 17). والحَّق لا يتغَّير. ففي هذه الصفحة قرأنا تجديدًا في الدعوة الى قداسة السيرة، إقتداءًا بالله، وإظهار تلك القداسة بالتقَّيد بشريعةِ الحلال والحرام في أكل لحوم حيوانات أو طيور أو دبيبةٍ صَنَّفتها الشريعة بطاهرة أو نجسة، إقتضت ذلك ظروفُ البيئة أو أزمنةِ تكوين الشريعة. ثم دعت القراءة الى خزن مؤونة " العُشر" لسَّد الحاجة عند حدوث قحطٍ أو سُوءِ غَلَّةٍ ، ودفعِ عشرِ كلِّ الأملاك، مَرَّةً كلَّ ثلاثِ سنوات، تضمن معيشة اللاويين والأيتام والأرامل والغرباء. وأخيرًا إعفاءُ الديون كلَّ سبع سنوات مع إطلاقِ حُرّيةِ العبيد.

• العُشــرُ !

في كلِّ ثلاثِ سنين تُخرجون كلَّ أعشارِ غَلَّتِكم في تلك السنة وتضعونها في مُدُنِكم، لتكون للاويين..". هكذا أمرت الشريعة لأنَّ اللاويين كانوا مُتفَّرغين لخدمة الخيمة ثم الهيكل والعبادة ولم يكن لهم بين الشعبِ " لا قِسمةٌ ولا نصيبٌ ولا مُلْكٌ "(آية 29). كانوا يخدمون الشعبَ في توفير العبادة الروحية فألزم الواجبُ ضمان حياتهم من باب العدالة. أما اليتيمُ والأرملة والغريب فقد شملته المساعدة من باب قُصرِ حالهم على توفير معيشتهم، وحاجتِهم الى مساعدة القريب لهم من باب المحَّبة والرحمة.
لقد ظلت شريعة العشر سارية المفعول الى يومنا لدى الشعبِ اليهودي. وآستمَرَّ اليهودُ المتنصّرون على أداءِ العشر للكنيسة لسندها في تأدية رسالتها وخدمتها الروحية. إنما لمْ يبقَ العُشرُ عُشرًا بالمعنى الحرفي أي 10%. إتسَّعَ معناه كثيرًا ليعني " ما بوسع الأنسان". وقد يكون هذا 1% أو 30% حسب إمكانية كل واحد ولاسيما حسبَ إستعداده الحُّر الواعي وليس تبَعًا لأمرٍ تفرُضُه الشريعة. لم يُكْرهِ اللهُ الأنسان على شيءٍ. بل إحترمَ دومًا حُرِّيَتَه ودعاه الى أن يتصَّرفَ برغبةٍ منه وبدافع المحَّبة والرحمة لا بضغط شريعةٍ ما. مع فارق آخر هو أنه لم يبقَ قومٌ خاصٌّ يحتكِرُ الخدمة. لقد رجعت البشرية كلُّها، مع المسيح، شعبَ الله الواحد. و الخدمة يَنتدبُ اللهُ إليها أُناسًا، من مختلف الأقوام و الشعوب، يدعوهم إلى إتباع نموذج عمل المسيح ذلك في فتح صندوقٍ يضع فيها الناسُ تبَرُّعاتِهم لضمان سدَّ حاجة الكنيسة والعاملين فيِها، وأعضائِها المُعوَزين. وبينما ظلَّت جماعاتٌ مسيحية تمارسُ روحية " وصية العُشرِ" دون التقيد والإلتزام بحرفها، إرتفعت في العقود الأخيرة أصواتٌ من جماعات أُخرى تطالبُ بالعودة الى حرفية شريعة العشر اليهودية. في حين أعادت الكنيسة الكاثوليكية النظر الى وصاياها السبعة و قللتها الى خمسة ، فألغت تحريم الأحتفال بالزواج في أوقاتٍ خاصَّة من السنة، و دمجت وصيتي الصيام الى الظهر والأنقطاع عن الزفر في واحدة. والأهم من هذه هو أنَّها غيَّرت صيغة وصية "العشر"، وصاغتها كالآتي :" الوصية الخامسة : ساعِدِ الكنيسة في آحتياجاتها " (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، رقم 2043). لم ترد أن تحتفظَ بصيغتها الفرضية بل أرادت أن تُساعدَ، مثلَ معَّلِمها، المؤمنين على أن يعيشوا إيمانهم بوعيٍ وحُرّيةٍ وتصميم ليكون لهم ثوابٌ عند الله الذي يقتدون بسلوكه. فأمور الحياة في الأيمان يجب ان يكتمل " طوعًا لا قسرًا " (فيلمون 14).
لقد عانت الأنسانية كثيرًا من الألتزام بفروضٍ أفقدتها كرامتَها وقُوَّتها في آختيار دربها في الحياة. كاد الأنسان أن يُصبحَ عبدًا للنطام وللمُشَّرعين له، عوضًا عن أن يستعملَ النظامَ ليُدَّبر أموره بكرامةٍ ويتمتَّعَ بثمار راحتِه وهنائه. كاد النظامُ يُصبحُ قَـيدًا يُفقِدُ الفردَ هويَّتَه، بدلَ أن يُصبحَ نورًا يَهدي مسيرَتَه صوبَ الحَّق. هكذا كادَ العشرُ يُصبحُ إهانةً ومَذّلةً بسبب فقدان روحيته ومُبَّرراتِه.

• الديونُ والعبيد !

وبجانبِ العشر أوصت الشريعة بإعفاءِ الديونِ كلَّ سبع سنين وتحرير العبيد بإخلاءِ سبيل حريتهم. إجراءان ينبع الأول من المحبة والثاني من العدالة. وقد أكَّدَ يسوع أنهما سقطا في الأهمال بسبب نفاق البشر(متى23:23). وقد أعاد العهدُ الجديد الى الأذهان بأنه ليس أبدًا صحيحًا أن يستغِّلَ الأنسانُ حاجةَ أخيه الأنسان ليظلمَه ويحرمه من حبِّه وحنانِه (متى18: 32-35). ومن واجب العدالة والمساواة أن يتقاسم الناس الخيرات (أع4: 32-37؛ 2: 44-45). إنها إهانةٌ للأنسانية وليس للفرد الواحد فقط أن يُحتقَرَ الآخرُ أو يُستغَلَّ فقرُه للأنتفاع منه للأغتناء. فالأرضُ كلها وخيراتها هي مُلك الله (مز24: 1)، والبشرأبناؤُه إخوةٌ لبعضهم وللمسيح (متى12: 50)، بل كلهم إبنٌ واحد له (خر4: 22-23).
والعهد الجديد وإن كان مثل القديم لم يشجب العبودية بالحرف لكنه رفضَ ديمومتها وطالب بإزالتها. وهذا بولس يصدي لذلك عندما يُخبر فيلمون بأنَّ عبدَه أونسيمس يعود اليه " لا ليكون عبدًا بعدَ اليوم، بل أفضل من عبدٍ، أي أخًا حبيبًا في المسيح. .. وهو حبيبٌ سواءٌ كعبدٍ في الجسد أو كأخ في الرَّب " (فيل 16).
فالعبودية والديون إنحرافٌ في تقييم الأنسان ذاته والتعالي على الآخرين وآستغلال ظروفِه السَّيئة لظلمه. هذا يقودُ الى تشويه صورة الله في الآخر. لأنَّنا عند إحتقارنا الآخر وإهانته نكون نجهلُ من نحن، أي نكون نحتقر أنفسنا ونُشَّوهُ فينا صورة الله نفسِه. قد تُذِّلُ ظروف الحياة أو البلد البعضَ وترفعُ غيرَه من دون مُبَّرر أو إستحقاق. ولكن لا يجوز ان تبقى تلك حالةً طبيعية ومقبولة. فكما إهتَّم الله منذ العهد القديم بإعادة الأنسان الى كرامتِه ، إستمَّر في الجديد يرفع المتواضعين ويُحِّطَ الأعّزاء (لو1: 51-52)، ويُعطي الطوبى للمساكين و الحزانى، و الجياع والعطاش الى البر، والأنقياء والودعاء والمسالمين (متى5: 3-9) ، و يكيلُ الويلَ للأغنياء والمُتخَمين والمهَّرجين والمنافقين (لو6: 24-26).

القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com