الأحـد السادس للـدنح ! * * * * *<>* * * * * 2018.01.28


تتلى علينا اليوم القراءات : تث24: 9-22 ؛ عب8: 1-9: 10 ؛ يو3: 22-4: 3

القـراءة : تثنية الأشتراع 24 : 9 - 22

مؤمنون كثيرون يعترضون أحيانًا على فروقاتٍ، تبدو كأنها تناقضات، بين العهدين القديم والجديد في الكتاب المقدس. ومنها الجديد الذي يأتي به الأنجيل وكأنه يتعارضُ مع القديم. لاسيما وأنَّ يسوعَ قال :" سمعتُم أنه قيل لكم ... أما أنا فأقولُ لكم ..." (متى5: 21- 43). فيتساءَلون: هل يختلف إلَهُ العهد الجديد عن إلَهِ العهد القديم؟. لاسيما وأنَّه عَمَّ الشعورُ بأنَّ الجديد يمتازُ باللطف و الرحمةِ ولاسيما المحبة، بعكس القديم الذي طغت عليه ملامحُ العُنفِ ، مع أنَّ الله لم يكن أَبعد عن الأنسان مما كان عليه في عهد يسوع. كان اللهُ حاضرًا مع ااناس. يحَّدث موسى مباشرةً مدَّة أربعين عامًا. أما يسوع فرغم أنَّ عمره الأرضي قاربَ الأربعين سنةً لكنه لم يختلط مع الناس ولم يُحَدَّثهم سوى مدَّة ثلاث سنوات فقط. وما فعله يسوع لم يكن سوى التأكيد على التعليم الذي بَلَّغهم الله إيّاه و توضيحه و تكميلِه. فمثلاً محَّبةُ القريب كالنفس مع محبة الله أوصى بها الله منذ عهد موسى حيث قال :" أحبب الربَّ إلَـهَك ..." (تث6: 5)، و" أحْبب قريبَك كما تُحّبُ نفسَك " (أح19: 18و 34). وهذا ما شَّدَد عليه العهد الجديد :" أعظم الوصايا هي: أحِّبِ الرَّبَ إلهَك...وأحِّبْ قريبَك كما تُحّبُ نفسَكَ. على هاتين الوصيَّتين تقومُ الشريعةُ كلُّها وتعاليمُ الأنبياء "(متى22: 37-40). وأمثلة غيرُها أُخرى كثيرة إستشهدَ بها وهي من العهد القديم. مثل " ليس بالخبز وحده يحيا الأنسان "، و" لا تجَّرب الرب إلَهَك " (متى 4:4 ، 7؛ تث8: 3؛ 6: 16).

• أُذكر أنَّكَ كنتَ عبدًا ..وفداك الرَّب .. !

بعدَ أربعين سنةً من خروج بني إسرائيل من مصر يُذّكِرُهم الله بواسطة موسى بأن يتعاملوا مع غيرهم كما تعاملَ هو نفسُه معهم. يُذّكرُهم بالرحمة والعدل وعدم النفاقِ والقناعةِ وعدم الطمع وروح المساعدة أكثر من جشع تكديس المال والأغتناء على حساب المعوزين و الفقراء. وهذه كلها تنبعُ من المحَّبة التي هي أساسُ الحياة وزُبدَتُها، وأيضا من الدعوة الى قداسة السيرة وهي هدفُ الحياة ولُحماها. ومن يقرأُها بهدوءٍ وآنتباه يشعرُ وكأنه يقرأُ صفحةً من العهد الجديد. فها هو الله يهيبُ بآحترام كرامة الأنسان فيمنع الغنيَّ الذي يُقرضُ مالاً ويرتهنُ ثوبَ الفقير المُقتَرِض بأن يسمح لنفسه فيدخلَ بيتَه، أو يدعَ المسكين ينامُ بلا ثوب بل أن ينتظره خارجًا وإذا آقتضى الحال يُعيد الثوبَ إليه حتى قبل أن يُرَّجعَ المسكينُ دينَه. ليس المالُ والأغتناء أهَّم من كرامة الأنسان. وسبق فمنع اللهُ المُقرضَ أيضا عن فرضِ رِبًى على الدائنِ (خر22 : 25). وقد نهى العهد الجديد عن التعَّلق بالمال (متى6: 24) لأنَّ حُبَّه " أصل كلِّ الشرور (1 طيم 6: 10). كما أدان أداء واجب روحي مقابل " مكسبٍ خسيس " (1بط5: 2؛ 1طيم3 : 8؛ طي1: 7، 11).
ويدعو الله الأنسان أن يكون كريمًا عادلا فلا يظلم، خاصَّة من يؤَّدون له عملاً ما، ولا يُؤَّجلَ دفعَ أجرتِهم الى اليوم التالي. وقد شَدَّدَ العهدُ الجديدُ على" أن العامل يستحّقُ أجرتَه" (لو10: 7) وعلى كرامة صاحب العمل مثل الله الذي كان كريمًا جدًّا في سخائِه تجاهَ الناس (متى20: 15)، وندَّدَ بظلم الأغنياء الذين سلبوا " الأجورَالمستحَّقة للعمال الذين حصدوا حقولَهم" (يع 5: 4). وقد أدان يسوع الفريسيين الذين أهملوا أهَّم ما في الشريعة وهو: " العدلُ والرحمة و الصِدق" (متى23:23). وبالمقابل دعا الى ممارسة الرحمة مثل الآب السماوي (لو12: 36) . وطالبَ معاملة حتى العبيد بالعدل والإنصاف (كو4: 1). وحرَّمَ الله أيضا على شعبِه تحريفَ "حكمِ غريبٍ أو يتيم"، أو" إرتهانَ ثوبِ أرملة". وقد أيَّده العهد الجديد في المبدأ عندما قال:" بالكيل الذي به تكيلون يُكال لكم ويُزاد"(مر4: 24). وشجبَ معلمي الشريعة الذين" يأكلون بيوت الآرامل" (لو20: 47)، و يحَّرفون شريعة الله للتمسك بتقاليدهم "(مر7: 9-13). وأخيرًا أكَّد الله أنَّ كلَّ عملِ رحمةٍ تجاه الأنسان الآخر يَعتبرُهُ صَدقَةً أُجريت عليه هو ،" يُحسَبُ لكَ هذا العمل صدقةً لدى الرَّبِ إِلهِك"! (آية 13). أمَا هكذا علَّمَ يسوع أيضًا عندما قال :" كلَّ مَرَّةٍ عملتم هذا ( إِطعامُ جائع، إرواءُ عطشان، إيواءُ غريب، إكساءُ عريان، إفتقادُ مريض أو محبوس) لواحدٍ من إخوتي الصغار، فلي فعلتموه " (متى25: 40). فما جاءَ به العهد الجديد لم يكن مُخالِفًا ولا غريبًا عن العهد القديم، بل مُكَّمِلا له كما صَرَّح به يسوع نفسُه فقال :" لا تظنوا أني جئتُ لأُبطلَ الشريعة وتعاليم الأنبياء. ما جئتُ لأُبطِلَ بل لأُكَّمِلَ " (متى5: 17). لأنه ليس إِلَهًا مختلِفًا عن " يهوه الرب ". بل هو نفسه كما قال : " أنا والآبَ واحد" (يو10: 30). ويضيف :" ليس تعليمي من عندي ، بل من عند الذي أرسلني" (يو7: 16)، لأنه "لا أعمل شيئًا من عندي، بل أقول ما علَّمنيه الآب...وإني أعملُ أبدًا ما يُرضيه" (يو8: 28-29).
أمَّا ما يفوحُ من العهد القديم من تعالي الله أو عنفِه فليست تلك صورة الله الحقيقية. إنها فقط صورته التي رسمها إنسان ذلك العهد بسبب عدم قدرة الأنسان عن الأرتفاع عن حِسّياتِه وضعفِه والسُمُّو في فكر الله وروحِه. لم يكن ناضجًا كفايةً ليُدركَ قداسة الله وسُمُوَّه ولم يكن يشعر بالقدرة على الأمتثال به لأنه كان ينظر دومًا الى الله كإلى كائن لا يمكن التعامل معه و مثله على نفس المستوى. أمَّا مع يسوع فقد تغَّير الواقع. لقد تنازل الله الى مستوى الأنسان، " ما عدا الخطيئة "، فأصبح الفارقُ بينهما أسهل للتجاوز. فقد رأى الأنسان الله وجهاً لوجه، و" سمعه و تأمله ولمسَه " (1يو1: 1)، و" أكل وشربَ معه، وعَلَّمَ اللهُ في شوارعِه" (لو 13: 26). أحَّسَ الأنسان بحب الله وعنايته ودُفءِ قربِه فأحَّبه بدوره وآمتلأ من حضورِه فغمرَه حنانه ولطفه وتأَثَّرَ جدًّا منه، و رأى عندئذ بآندهاشٍ وآستغراب عهد موسى السحيق ، المُغَوَّش الرؤية. لم يكن الأنسان في ذلك العهد مُهَّيئًا لهذه المعرفة، وآمتَدَّتْ آثارُ ذلك حتى زمن المسيح إذ ظَلَّ الفريسيون ومعلمو الشريعة لا يعرفون الله على حقيقته، وآستصعبوا بسبب ذلك حتى معرفة المسيح (يو8: 19 ) .
القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com