الأحـد الثاني للـدنح ! * * * * <> * * * * 2018.01.14


تتلى علينا اليوم القراءات : اش45: 11-17 ؛ عب3: 1-11 ؛ يو1: 1-28

القـراءة : اشعيا 45 : 11 - 17

يتنبَّأُ إشعيا عن عودةِ الشعبِ من سبي بابل. وسيكون لكورش الملك الوثني دورٌ وفضلٌ في ذلك. والشعب غير مؤمن ولا مُصَّدقٍ بأنَّ ذلك سيتم. لقد سئموا الحياة ومَلُّوا الأنتظار و حسبوا أنفسهم أمواتًا ولا أمَلَ في عودة الحياة إليهم لأنَّهم أشبهوا "عظامًا يابسة". هكذا سيُخبرُ عنهم حزقيال النبي وينقلُ ردَّ اللهِ عليهم، فيقول:" يا آبن البشر، هذه العظامُ هي بيت إسرائيل بأجمعهم. هم يقولون : يبست عظامُنا وخابَ رجاؤُنا وآنقطعنا .. تنَّبأ وقل لهم: سأفتحُ قبورَكم وأُصعدُكم منها.. وأجعلُ روحي فيكم فتحيون ، وأُريحُكم في أرضِكم فتعلمون أنّي أنا الرَّبُ تكَّلمتُ وفعلتُ" (حز37: 11-14).
يقدرُ الله أن يفعلَ ذلك، دون غيرِه، لأنه وحدَه " الله الخالق". ويفعلُه " ليعلمَ البشرُ من مشرق الشمس الى مغربها أنْ لا إله غيري. أنا الرَّبُ ولا آخر. أنا مُبدعُ النور وخالقُ الظلمةِ وصانعُ الهناءِ وخالقُ الشقاءِ" (اش45: 6-7). ما زال الشعبُ غيرَ مُصَّدقٍ أنَّ اللهَ سيفعلُ. ويريدُ أن يعرفَ كيفَ يُنجزُ الربُّ ذلك، ولا سلاح له ولا جيش ، وفشلت كلُّ الأصنام فيه. ليس الشعبُ العبراني وحدَه لا يقوى على التصديق بل كل الشعوب والمنطقُ البشري أيضًا يُنفي إمكانية ذلك. بل ويرتاؤون ويُشيرون الى ما يحتاجه الله ليُحَّققَ ذلك. و يرُّدُ اللهُ و" هل يقول الطينُ لجابله (تك2: 7) ماذا تصنع؟ أو يقول له:عملُك تُعوِزُه يدان"؟. "ويلٌ لمن يُخاصمُ جابِلَه وهو خَزفةٌ من خزف الأرض" (اش45: 9).
ليس من واجبِ الله أن يفرشَ أمام الأنسان خارطة عمله. ولا من حَّق الأنسان، بل حتى لا يليقُ به، أن يعتبرَ نفسَه أذكى وأقدر من خالِقِه حتى يُعَّلِمَه. أعمالُ الله تكفي لتُخبر عن عظمته وقوةِ كلمتِه ؛ :" أنا جبلتُكم، فكيفَ تسألوني عن بَنِيَّ وتشيرون عليَّ في ما تعملُ يدايَ ؟. أنا صنعتُ الأرضَ كلَّها وخلقتُ البشرَ عليها. يدايَ نشرتا السماوات وأنا أضَأتُ جميعَ نجومِها". سيتحَّرَرُ الشعب المأسور. اللهُ هو الذي يُحييه. وسيقتني، علاوةً على حريتِه ، خيراتٍ أكثر من مصر وحبشة لأنَّ اللهَ هو الذي يُغنيه. كما وسينتصرُ على القوى المناوئة له الذين سيعترفون بأنَّ الله مع شعبِه ، وأنه هو الأله حَّقًا ولا إلَه غيرُه يُنافِسُه. حيث تفشلُ الألهة الأصنام ويلحقهم" الخزيُ والعار"، يتمَجَّدُ إلَهُ إسرائيلَ لأنه وحدَه يُخَلَّص شعبَه و" لا يخزى ولا يخجل الى الأبد".
سيتم كلُّ ذلك عندما يسمع الشعبُ " كلمة الرب". فالله سَيّدُ الكون والتأريخ. إنَّه مُحتجبٌ عن أنظار الناس. لكنَّ ما يأمرُ به يُنَّفذُ بلا نقاشٍ ولا مقاومة. لا أحد يفلتُ من سُلطانِه، ولا مَرَّدَ لأعمالِه وتأريخ شعبِ اسرائل يشهد على ذلك وعلى أن لا يوجدُ إلَهٌ غيرُه خالِقٌ (اش43: 12-13؛ 44: 6-8). ورغمَ أنَّ هذا الشعبَ لم يُكرمْ إلَهَه ولا طلبَه.. بقدر ما ألزَمه بخطاياه و أتعَبَهُ بآثامِه (اش43: 22-28) إلأ إنَّ اللهَ لم ينسَ شعبَه أبدًا ويقول :" محوتُ كالسحابِ معاصيَكَ، وكالغمام جميعَ خطاياك. إِرجع إليَّ يا إسرائيل، فأنا الرَّبُ إفتديتُك "(اش44: 22). إفتداه لأنه مُتعَّلِقٌ به. ومُتعَّلِقٌ به لأنه يُحِّبُه كثيرًا، فإِنَّه عزيزٌ جدًّا عليه؛ :" جعلتُ مصرَ فديةً عنكَ. ولمَّا كنتَ عزيزًا عليَّ ، ومجيدًا وأنا أَحبَبْتُكَ .. أتخَّلى عن شعوبٍ.. وعن أممٍ بدلاً من حياتِكَ لأُخَّلِصَكَ... فلا تخف أنا معكَ " (اش43: 3-5).

• شموليةُ سلطان الله وفعلِه !

وأمرٌ آخر حَيَّر إسرائيل و كلَّ الشعوب وهو أنَّ اللهَ إختارَ ملكًا وثنيًا لا يُؤمن به على يَدهِ يُنَّفذُ الله حُطَّته. إنه كورش (كِسرى) الذي قال عنه :" أنا حملتُ كورشَ على العدلِ ويَسَّرتُ له جميعَ طُرُقِه. هو يبني مدينتي لا بثمن، ويُطلقُ أسرايَ لا برشوةٍ " (آية 13). وينال لقبًا يُطلق على ملوكِ يهوذا ألا وهو" ممسوح الرب " (مز2:2) ويُكَّلِفه الله نفسُه مباشرة بهذه الرسالة :" وأقولُ لكورش: إِرعَ شعبي ، وتَمِّمْ كلَّ ما أشاء" (اش44: 28). لا يترَّدَدُ اللهُ في تنفيذ خططه أن يستعملَ اَّيًا كان. البشر كلهم أولادُه. وكلهم جبلتُه. وكُّلُهم يخضعون لسلطته ومشيئته. وكلُّ واحدٍ يشتركُ بشكل أو آخر في تحقيق مشروعِ الله الأساسي، ألا هو : تحرير الأنسانية من قبضة " التنين العظيم وهو تلك الحَّية القديمة والمُسَّمى ابليس أو الشيطان" (رؤ12: 9).
وآختارَ اللهُ كورش لأجراءِ عملية إطلاق سبيل اليهود لهدفين : لينبُتَ الخلاصُ وهو إنقاذ شعبِه من الأسر، ولِينمُوَ الحَّقُ فيعرفَ العالمُ من هو الله الحقيقي. إذن لمْ يَختَرِ اللهُ كورشَ ليرفعَ من شأنه لأنه جَيِّد. ربما كان كورش يطمع ببابل ويطمحُ بآنتصارات تُشهِرُه وتنشرُ نفوذه. وربما كان البابليون أيضًا قد تمادوا في عُنجُهيتهم وغطرستهم فدفعَ كورش ليستوليَ على بابل تمامًا كما قَسَّى قلبَ فرعون وثبته في ظلمِه (خر4: 21)، حتى يدفعَ اليهودَ كي يسمعوا لموسى ويتبعوه بسبب قساوة فرعون وظلمِه. هكذا أوحى الله الى كورش ليغزوَ بابل وأوحى الى قادة يهود أن يفتحوا له باب المدينة، حتى يسمحَ لليهود بأن يعودوا الى وطنهم ويساعدهم في إعادة بناء هيكل أورشليم. نالَ كلُّ واحدٍ مأرَبَه وساد السلامُ والوئام. لأنَّ الله نفسَه قالَ وفعل وخَلَّصَ الناسَ من الذل والشقاء.
ومن جهةٍ ثانية حَقَّقَ اللهُ هدفَه الثاني الذي يخدمُ الأنسانية ألا وهو أن يعرفَ الناسُ اللهَ الواحد الحَّقْ فتتوَّقف عن الركض وراء الأصنام ، وعن صُنعِ آلهةٍ لا حياة لها ولا قدرة ولا خلاص. لا يوجد إلَـهٌ ما عداَ الذي " هو الذي هو" والذي يقود تأريخ شعب اليهود حتى يعرفَ العالم كله عن طريقهم من هو " الله مُبدعُ النور وخالقُ الظلمة، وصانعُ الهناءِ وخالِقُ الشقاء" (اش45: 7). والويلُ " لمن يُخاصِمُ هذا الله الذي جبله من طين مشوي". لأنَّ هذا الله " يتكلمُ بالصدقِ ويُخبربما هو حَّق " (اش45: 19). هذا الله لا يتباهى بعمله ولا يتظاهرُ بعظمته وجبروته بل يعمل في خفاء ويحجبُ نفسَه عن خلائقه. ولا يتغاضى عن ظلم الناس لبعضِهم، ولا يتنازلُ عن أبنائه لاسيما الذين يُحّبونه ويسمعون صوته ويحفظون شريعته. وحتى إذا أمهل الأشرار على شَرِّهم وأطال خلقَه على معاناة الأبرار لكنه في الأخير يُحاسبُ كلَّ واحد ويُعطي كلَّ ذي حَّقٍ حَّقَـه. إنه وحدَه " إلَهٌ عادلٌ ومخلص". ولهُ " ستنحني، في الأخير، كلُّ رُكبةٍ "، وبه "سيحلفُ كلُّ لسانٍ، ويُقالُ : بالرَّبِ وحدَه العدلُ والقُوَّةُ، وإليهِ يجيءُ جميعُ الغاضبينَ عليه خاضِعين" (اش45: 23-24).
القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com