الأحد الأول للميـلاد ! *******<>******* 2017.12.31


تتلى علينا اليوم القراءات : تك21: 1-21 ؛ غل4: 19 – 5: 1 ؛ متى2: 1-23

الأنجيل : متى 2 : 1 – 23

ينفردُ متى برواية خبر المجوس وبشكل يُعَّطشُ القاريءَ الى المزيد من المعلومات التي بخلَ بها، عن قصدٍ أو عن جهل، حتى لم يُفصِح عن هوية هؤلاء المجوس حيثُ إكتفى بالقول أنهم " جاؤوا من المشرق". وأيِّ مشرق؟. إنَّ الشرق هو، بالنسبة الى فلسطين، العراق الحالي، وكان آنذاك جزءًا من المملكة الفارسية. وعليه لا تتردد الليترجية الكلدانية ، التي ترعرعت وتكَّونت في تلك البقاع، بأنَّ المشرق يعني " بلاد فارس". ولكن المشرق يمتَدُ الى بلاد الهند والصين. وعليه لا تتردد الصلاة الطقسية من ان تعزو المجوس الى فارس وهند وصين!. و لم يُخبر متى أيضا عن " ماذا هم"، أو ماذا يقصدُ بـ" مجوس"!.

• المجوس ، من هم ؟

لمْ يُرد متى أن يكشفَ لنا هويتهم و شخصيتهم. ربما لم يعرفها ولا هو. ومن أين يعرف؟ ومن أخبر بهم؟ لا مصدر أو وثيقة تأريخية أعلنت حتى ولا عن وجودِهم. ولا يبدو أن مريم ألعذراء أخبرت لوقا بذلك في سياقِ المعلومات التي يكون قد إستقاها منها مباشرة لأنَّ لا أحد غيرَها يعلم بها. ولوقا هو الوحيد الذي تعَّقبَ أصولَ أحداث حياة يسوع ، و" تتبَّعَ أخبارَ طفولته بتدقيق (لو1: 3) من قبل عماده (أع1: 22). قد يكون أنَّ حدث مجْيء المجوس إنغرس في ذاكرة البعض ولكن لم يعر له أحد أهمية تُذكر. لكن الأكيد من سياق حديث متى أنه لا يُركِّزُ عليهم بقدر ما يبدو أنه يستفادُ من حدثهم لإيصال تعليم خاص. يبدو أيضا أنَّ تفاصيلَ الهدايا المُقَّدَمة ليسوع دفعت متى والأجيال المسيحية ألى الأعتقاد بأنهم من علية القوم ، ملوكٌ وقادة، وهذا يلائم جيدًّا مع هدف متى ويخدمه. وهكذا رسمت الطقوسُ الدينية صورتهم وقدَّمَتهم كملوكٍ في قمَّة السلطة البشرية في العالم. إنَّ كلمة " مجوس " تعني " حُكماء، أوقادة فكريين و فلاسفة، أو سحرة ". ثمَّ دَلَّت على الفلكيين أو عابدي النجوم والنار. وفي فارس، "ايران الحالية"، كانوا الطبقة الكهنوتية و المثَـقَّـفة. وفي حين إكتفَى المسيحيون في الشرق بتسميتهم الثقافَية خصَّصَ لهم التقليدُ الغربي أسماءَ خاصَّة وحَدَّدَ عددَهم وثَبَّتَه بثلاثة ، تماشيًا مع ثلاثة أنواع الهدايا المذكورة وهي : الذهب والبخور والمُر. والأسماء هي : مِلكيور، كاسبار، وبَلتازار. وبينما شَدَّدَت الطقوس الشرقية على موقف هيرودس الذليل واللئيم وآستشهاد أطفال بيت لهم شَدَّدَ الغربُ على الملوك المجوس وآعترافهم بملوكية المسيح والخضوع لها.

• وما خبرُهم؟.

يُقَّدمهم متى كحكماءَ و مؤمنين ينتظرون ولادة الملك المسيح ويبحثون عنه ليُقَّدموا له طاعتهم.:" أين المولودُ ملك اليهود؟. رأينا نجمه في المشرق، فأتينا لنسجُدُ له". يبدو من كلامهم أنهم ليسوا يهودًا. ولذا يبدو غريبًا أنهم يعرفون عن مجيء المسيح ويُمَّيزوا، من دون العالم وعكس اليهود الغارقين في الجهل والنسيان، لأنَّ النبَّوةَ عن ظهور نجم المسيح الملك جاءت في التوراة ( عدد 24: 17). ربما سمعوا بالنبوة وآستقرت في ذاكرتهم. ولكن الأوثق أنَّ متى أراد أن يدُّلُ بهذه المعلومة أنَّ المسيح ظهر للعالم كله لا فقط لليهود، وأنَّ كلَّ سلطة بشرية تخضعُ لسلطة المسيح الألهية. ولهذا إستشهد بآية سفر العدد وهي تُنبيءُ بسيادة الملك اليهودي هذا على الشعوب المجاورة أوالمعادية. على أية حال يبقى هؤلاء المجوس الفئة الثانية، بعد الرعاة، من البشر تُعلن لهم السماء مباشرةً عن خبر ولادة المسيح ملك السلام ومصدر الفرح والرجاء بالخلاص للبشرية كلها. صعقَ خبرُهم هيرودسَ وأهل أورشليم. توَّجس هيرودس على مستقبل عرشِه وخافَ ألا فقط يزولَ عرشُه بل أنْ تجيءَ نهايته. فضمرَ الخبثَ وتظاهرَ بمسايرة المجوس ولكنه لم يُخفِ قلقه فآستنجد بالكهنة ومعلمي الشريعة ليستدل على مكان مولد المسيح، ثم تحَقَّقَ من المجوسَ عن زمن ظهور النجم ليضبطَ حساباته التآمرية فيقضيَ على المسيح. ويتابع المجوس رحلتهم الأستكشافية بقيادة النجم الى أن يصلوا هدفهم فيؤدون ما من أجله قدموا : السجود لأله اليهود والأعتراف بسيادته بتقديم هدايا الخضوع لسلطانه. وهنا تجدر الأشارة الى نوع الهدايا ورموزها. فإن عرفوا أنه ملكٌ وأنه إلاه بقوة النبوءة المذكورة إلا أنهم كيف عرفوا أنه سيتألم؟. فالنبوءة لا تتطرق الى هذا الموضوع؟. ولا يبدو أنهم متضَّلعون بمعرفة الكتاب المقدس. و تشيرُ الهدايا : الذهب الى الملوكية، لأن الملوك يستعملون الذهب ؛ أما البخور فيشيرالى اللاهوت لأنَّ الشعوب كانت، في طقوسها الدينية، تُبَّخر للألهة. والرومان كانوا يبخرون قياصرتهم وتماثيلهم لأنهم كانوا يعتبرونهم آلهة!؛ أما المُّر فيشيرُ الى الألم، وبالتالي الى آلام المسيح وموته. فحتى اليهود الذين يقرأون، في سفر إشعيا، عن عبد الرب المتألم لم يفكروا بألمه بقدر ما إنتظروا له مجدَ من يحكم العالم كله و لا أحد يقف في وجهه؟ فمن أين أتى مجوسٌ وثنيون بهذه المعلومة؟. إنما الذي يعرفها جيّدًا وقد عاينها تتحَقَّق على الصليب هو متى وليس المجوس. وإذ أبرز متى أولا إيمان المجوس الغرباء وأمانتهم والأهتمام بالمسيح والخضوع له، وثانيًا أظهر خبث هيرودس وظلمه وخيانته، دعانا من غير إعلان أن نلاحظ لا فقط برودة القادة الدينيين تجاه أخبار المسيح المنتظر، بل وحتى تجاهلهم له. إنهم يُخبرون من الكتاب عن مكان ولادة المسيح لكنهم لا يُحرّكون ساكنًا للإهتمام به والبحث عنه. وهل يُعقلُ أمرٌ كهذا وهم عاشوا آلاف السنين على أمل هذا المجيء وإنتظروه يلهفةٍ وشوق، وصَلوا الى الله ليتقَّدم هذا اليوم ولا يتأخر حتى ينجوا من ضيقهم ويستعيدوا أمجادَهم التي لولا الحلم بها لما تحَّملوا تجًرَّعَ كأس الذل والأهانة. ورغم ذلك يُخبرون هيرودس عما في الكتاب ويعودون أدراجهم ليغرقوا من جديد في سباتٍ عميق ؟؟.

• ما قصدُ مــتى !

هنا بيت القصيد. لمْ يروِ متى شيئًا لا عن هوية المجوس ولا عن أصلهم ولا عن موطنهم و لا عن وظيفتهم ولا عن زمن إنطلاقهم ولا عن كيفية عودتهم ولا خاصّةً عن نتائج زيارتهم ، مع أنها كلفتهم، بالأضافة الى هداياهم، مشَّقة السفر وعناءَه ومخاطِرَه. ومن هنا يجعلنا نشعر أنَّه لم يقصد إعلامنا بخبر تأريخي مهم، حتى لو كان كذلك. لا بل حتى لو لم يتم أصلا إلا في خيالِه. إنه يقصد أن يُبَلِّغَنا ما وراء الخبر. يريد أن يربط بالمسيح كلَّ التأريخ، أي ما سبقه وما يليه. وهذا ما إفتهمه المسيحيون الأوائل حتى لم تركز الطقوس الدينية على الزيارة ذاتها، رغم التشديد على إعطاء التفاصيل المذكورة في الأنجيل، بقدر ما ركَّزت على مدلولها وإبراز التعليم المُبَّطَن فيها. فلم يهم الطقوس من هم المجوس ومن أين وكيف جاؤوا. حتى ذكر الطقس الكلداني أن المجوسَ ملوكٌ قدموا من الشرق: من فارس وهند وصين ؛ وأيضا من الجنوب والغرب، من سبأ وشبأ ومن ترشيش والجزر أي اسبانيا. و وضع على شفاههم التحية التالية : سلامًا يا ملكًا، ملكَ الملوك، ملكًا أزليًا !. ما يهُّم متى هو هذا الأعتراف. ولماذا ؟ ليُبرِزه ضد تنكر أهل الدار للحقيقة ومحاولة طمسها. فهيرودس يضمر الشَّر في قلبه ويحاول قتل المسيح والتخلصَ منه. وكذلك الرؤساءُ الدينيون يتجاهلون المسيح ويُعادونه حتى يسَّلمونه الى أعداء الشعب اليهودي ويُقتَلْ. إن كان هيرودس أو القادة الدينيين يبحثون بآسم الأيمان عن مجد دنيوي فقد تنَّكرَ له المسيح الأله بولادته المتواضعة ، بل الفقيرة. فالغريبُ والبعيدُ عرفَ ملكه وإلَـهَه، أما القريبُ وأهل البيت " فلم يعرفوه": نعم "الى خاصته جاء وخاصته رفَضته" (يو1: 11). والأعتراف بالمسيح والخضوع لشريعته هي ستُقررُ مصير كل واحد.

• بالغدر والمكرِ أحاطني جميعُ بني إسرائيل ! { هو12: 1}

هذه الحقيقة يريدُ متى أن يعرفَها أهلُ فلسطين الذين إليهم يوجه إنجيله وسيُعلنها بالحرف :" كثيرون من الناس سيجيئون من المشرقِ والمغرب ويجلسون إلى المائدة مع إبراهيم و إسحق في ملكوتِ السماوات. وأما من كان لهم الملكوتُ فيُطرحون خارجًا في الظلمة " ( متى 8: 11-12). المسيح مخَّلصٌ كوني، لكنه هيَّأ لنفسِه شعبًا وحماه وأجرى من أجله أعظم المعجزات وقَدَّسَه، لكن هذا الشعب أظهرَ نجاسَته ونكرانه الجميل فتدَّنى الى أدنى من حالة البهائم حتى قال عنه إشعيا :" البنون الذين ربَّيتُهم ورفعتُهم تمَرَّدوا عليَّ. الثورُ يعرفُ مُقتنيه، والحمارُ مَعلَفَ صاحِبِه، أما بنو اسرائيلَ فلا يعرفون. شعبي لا يفهمُ شيئًا" (اش1: 2-3). لقد كرر القادةُ أخطاءَ آبائِهم وأهلكوا شعبَهم :" أنتم أيها الكهنة تسقطون في النهار و في الليل، ويسقطُ الأنبياء أيضا معكم. فأنتم عِلةُ دمار شعبِكم " (هو4: 4-5). وكم تشَّكى الله من هذا التمَرُّد والنكران بدون فائدة :" أنا الذي علَّمَهم المشي وحملَهم على ذراعِه، لكنهم لم يعترفوا أنّي أنا أصلحتُ حالَهم. جذبتُهم إليَّ بحبال الرحمةِ و روابطِ المحَّبة، وكنتُ لهم كأبٍ يرفعُ طِفلا على ذراعِه ويحنو عليهم ويُطعِمُهم "(هو12: 3-4). أما هيرودس والقادة الدينيين فسينالون عِقابَهم أما شُهداءُ بيت لحم فمكافأتهم كما أكدت عليه الصلاة الطقسية بقولها : " خرج الطفلُ الذي لأجله إرتفعَ السيفُ : وآنكشفَ كما أعلنته النبوءة * لم تكتملْ شهوةُ مكرِ هيرودس : إذ قَطَّعَ أمرٌ خفيٌ الشباك التي نصبَها*". وتكملها صلاة أخرى:" في ميلادك تقدم اليك أطفالٌ شهداء ، أبرارٌ بلا عيب بسيف هيرودس الأثيم* أرسل هيرودس فقَتَّلَ الأطفال. وها هو يتألمُ ويتعذَّب، وهم يتنعَّمون في ملكوتِ السماء ".

• رأينا نجمه ... أنذرهم الله ! {آية 2 و 12 و 22}

وخبر المجوس لا يخلو من تعليم آخر أراد متى أن يُعلنه لنا ألا وهو أنَّ الله يقودُ التأريخ. و في هذا يشترك أيضا لوقا ويوحنا. ففي لوقا يرسل الله ملاكه ليُبشر بأنه بدأ يُنَّفذُ وعدَه فيعلن عن ولادة يوحنا ثم المسيح، وعند ولادة يسوع يُخبر الرعاة بالنبأ. وفي يوحنا نقرأ أن الله يرسل يوحنا ليُعَّمد حتى يكتشفَ المسيح وأعطاه العلامة الممَّيزة لذلك ومن ثمة أن يُعلنه للملأ. هكذا أظهر نجمه للمجوس فقادهم من بلاد بعيدة وغريبة الى فلسطين والى مسكن يسوع، كما تفعل أجهزة الملاحة البحرية والجوية أو قيادة الناس عبر البلاد وبين المدن في هذه الأيام. ثم أنذرهم ألا يعودوا أدراجهم الى هيرودس بل دلَّهم على سلوك درب آخر الى أوطانهم. وسيتدخل بعده لأبعاد يسوع من بيت لحم إنقاذًا له من شر هيرودس ويُعيده الى الوطن بعد زوال الخطر ويرسله للسكنى في الناصرة. خمس تدخلات إلهية ضمن فصل واحد من الأنجيل يذكرها متى بالأضافة الى ربطها بتدخلات الهية سابقة في العهد القديم ليقول لنا أنَّ الله ، قائد التأريخ ـ طبعًا دون أن ينفيَ أو يعارض حرية الأنسان في تصَّرفه و آختيارِه ـ هو نفسه يُخطط ويُنفذ ليس حسب رغبة البشر بل عندما يحين زمنها الملائم، الذي عَرَّفه الرسول بقوله " ولما تمَّ الزمن " (غل 4:4). فربط ظهور النجم بنبوءة بلعام (عدد 24: 17)، وقتل أطفال بيت لحم بنبوءة إرميا (ار31: 15)، وهرب يسوع الى مصر و عودته منها بنبوءة هوشع (هو11: 1). هكذا يبدو جليًا أنَّ معلومة المجوس لم يُسَّجلها متى لُيَدُّلَنا على فقرة تأريخية من حياة يسوع. بل بَطَّنَها بما ذكرناه من خضوع الغريب والبعيد لله ومن تمَرُّدِ ومُعادة من أهل البيت. و سيذكرها يسوع يومًا عند أول محاولة اليهود في الناصرة للقضاءِ عليه (لو3: 24) وعند إرسال التلاميذ للتبشير( متى10: 36). وهذه إحدى ميزات أنجيل متى من بدايته والى نهايته. حتى عند الصلب يؤمن الضابط الروماني بلاهوت يسوع في حين يسخر منه القادة اليهود. وعند القيامة يعلن الحراس الغرباء القيامة أما اليهود فيطمسون خبرها بنشر سرقة الرسل لجسد يسوع. يُبرز متى هذا الصراع ليقول لنا :" ليس أهل البيت من يسكنونه. أهله هم الذين بنوه بعرق جبينهم ويفدونه بدمهم. الذين يؤمنون ويُفَّعلون إيمانَهم بالأعمال الصالحة "، التي هي مشيئة الله.
القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com