الأحــد الثـاني للبشـارة ! ه ه ه ه ه ه <> ه ه ه ه ه ه 2017.12.10


عـيد البشـارة تتلى علينا اليوم القراءات : عدد22: 20-35 ؛ كول4: 2-18 ؛ لو1: 26-56

القـراءة : العدد 22 : 20 ـ 35

بنو اسرائيلَ في شبه جزيرة سيناء يتنقلون من مدينة الى أخرى في طريقهم الى أرض الميعاد، التي سكنها إبراهيم ثم نسله قبل النزوح الى مصر. وبلغت أخبارهم المدهشة سمع شعوب المنطقة مع الخوارق التي ترافقهم في حَلِّهم أو ترحالهم. أصبحوا شعبًا له وزنٌ و رهبة يحسبُ لها الأقوام المجاورة ألف حساب. وآعترض سبيلهم أمم الآدوميين والعمونيين والآموريين والمديانيين ولم يسمحوا لهم بالعبور من حدود أراضيهم. تحَّدى بنوإسرائيل بعضَ الملوك وقهروهم وأهلكوا الناس والمدن وعبروا حدودهم. ولما وصل بنو إسرائيل حدود الموآبيين خاف هؤلاء جدًّا فآرتأى ملكهم بالاق أن يستجارَ بنبي ٍهو بلعام يُقيمُ في أرض بني عمون و آستدعاهُ ليلعنَ بني اسرائيلَ فيكسرَ شوكتهم.

• بلعام بين مطرقة الله وسندانة الطمع !

كتب عن بلعام مار بطرس يقول :" لهم عيونٌ مملوءة بالفسقِ ، لا تشبعُ من الخطيئةِ، يخدعون النفوسَ الضعيفة، وقلوبُهم تدَرَّبتْ على الطمع. هم ابناءُ اللعنة ، تركوا الطريقَ المستقيم فَضَّلوا وساروا في طريق بلعام بن بعور الذي أحَّبَ أُجرة الشر، فلقيَ التوبيخَ لمعصيتِه" (2بط2: 14-16؛ يهو1: 11). ويُفَسِّرُ سفر الرؤيا شَرَّ بلعام، إضافةً الى طمعه ، أنَّه " أشار على بالاق أن يوقعَ بني اسرائيلَ في شرك الخطيئة ، فيأكلوا ذبائح الأصنام و يزنوا " (رؤ2: 14). أما طمعُ بلعام فبدا عندما راجعه وفد بالاق فقال لهم أولاً :" أرُّدُ عليكم الجوابَ كما يقول لي الرب". رد عليه الرب :" لا تذهب معهم ولا تُلعنُ الشعبَ ، فهو مُبارَكٌ ". وأبلغ بلعامُ الوفدَ بأنَّ الله رفضَ له لعنَ إسرائيل. لكن بالاق رفعَ من مستوى أعضاء الوفد و وعد بمكافأةٍ جِدًّا عظيمة لا يحلمُ بها. إدَّعى بلعامُ أنَّه لا يقدر مخالفة كلام الله حتى لو أعطاه بالاق" ملءَ بيتِه فضَّةً وذهبًا". لكنه لم يكد يُنهي رَدَّه حتى استطرد وقال ": بيتوا أنتم أيضا هذه الليلة هنا ، فأرى ما يُكَّلمني به الرب ثانيًة". طمع ففكر" لربما يُقنع الربَّ " فيوافقُ على الضفقة ولا يخسرُ عرضَ بالاق. لا يأتيه مثل هذا الرزق يوميًا. ضمرَ بلعامُ الشرَ لبني إسرائيل مقابل صفقةٍ مغرية يغتني بها. يقول النص بأنَّ الله وافق على مرافقة بلعام جماعةَ بالاق، لكنه أكَّد عليه بألا ينطقَ بغيرِ ما يوحيه اليه هو. لكن بلعام لم يبدُ صافيَ النيةِ ، بل قلبَ نيَّته ضد بني إسرائيل. إنقلبَ بالحري على نفسِه. وافق أن يذهب مع وفد بالاق ، ظاهريا ليلعنَ إسرائيل، وباطنيا ليفعل ما يأمره به الله. لكنه لم يثبت على ما يبدو على قوله بل ربما نوى أو أملَ أن يُغَّيرَ الله موقفَه. لقد تعَّلقَ قلبُه بوعود بالاق المغرية ، ويتمنى ويدعو من كلِّ قلبِه ألا تفوته هذه الفرصة الفريدة و الواعدة. فآشتَدَّ غضبُ الله عليه وقطع عليه ملاكُ الرب طريقَه وكادَ أن يُمحيَه. ولم يفلتْ من الموت إلا بالأعتراف بخطأه أن المال غشَّ بصرَه فلم يكتشف من الأول بأنَّ مشيئة الله الصريحة هي ألا يلعن شعبَه المختار.

• بلعام والأنتقام !

إكتفى النص بذكر فشل بلعام في لعن شعب الله. ظهر إلَهُ إسرائيل حاميًا شعبَه وكاشفًا مستقبله المجيد. بسبب ذلك لا يبدو بلعامُ مرتاحًا من موقف الله. كما سوفَ لن يرتاحَ يومًا ما يونان النبي الى موقف الله تجاه أهل نينوى. ربما عرفَ بلعامُ مشيئة الله لكنه إستغفلَ ذاتَه لأنَّ قلبَه كان قد تعَلَّقَ بهدايا بالاق ولم يقدر أن يتحَرَّرَ من ضغط الشهوة عليه. لم يلعن بلعامُ شعبَ الله بل أعلنَ كلَّ ما وضعه الله أمام عينيه من المستقبل الزاهر لهذا الشعب. وخسرَ بذلك هدايا بالاق. وحَزَّ ذلك كثيرًا في قلبه. فملأه مرارةً وقساوة. إنها مرارة الفشل وقساوة الشهوة إذا كبَّلته. لقد جَرَّبَ محاولاتٍ عديدة كي يلعن الشعبَ الذي" هو مُبارَكٌ" (عد22: 12) لم يفلح وباءَت كلُّها بالفشل. بل باركه رغمًا عنه (عد23: 12) حتى فقد بالاقُ صبرَه و صرخَ في وجهِه :" إن كنتَ لا تلعَنُه ، فلا تُبارِكْهُ" (عد23: 25). ظلَّ بلعام يأملُ أن ينجح ولو مرَّةً في لعن الشعب فيُحَلِّلَ مُكافأَتَه، فغَيَّرَ موقعَه وأسلوبَه وقرابينَه لعَّلَّه يُلَّينُ قلبَ الله عليه لكنه زادَ كلَّ مرَّةٍ في بركة الشعب. حتى إشتَدَّ غضبُ بالاقَ وطردَ بلعامَ خائبًا وقال :" لقد حرَمَكَ الرَّبُ الكرامة" (عد24: 10-11). وردًّا إنتقاميًا على خذلان بالاق له أسمَعَه ما " سيصنعه شعب إسرائيل بشعبك "وكيف سيُحَّطِمُه (عد24: 14-19). وعلى هذا الفشل والأنقسام ينفصل الرجلان. يبدو أنَّ إنتقامَ بلعام لم يتوَقَّف على بالاق وشعبِه فقط بل إلتَّفَ أيضا على بني إسرائيل و أصابَهم. فأخذوا " يزنون مع بناتِ موآب. فدعَونَهم الى ذبائح آلِهَتِهنَّ ، فأكلوا وسجدوا لها. وتعَلَّقَ بنو إسرائيل بِـ" بعل فغور". فآشتَّدَ غضبُ الله عليهم وضربَهم فهلكَ منهم" أربعةٌ و عشرون ألفًا " (عد25: 9). ويبدو أنَّ النساءَ المِديانيات لم يفعلن فعلتهُنَّ بمُجَرَّد لهوٍ أو نفعٍ. بل بلعامُ هو وراءَ تصَّرفِهِنَّ، لأنَّهن " عمِلنَ بمشورةِ بلعام فقادوا بني إسرائيل الى خيانةِ الرَّب في فغور، فحَّلتِ الضربةُ في جماعةِ الرب" (عد31: 16). وليس فقط حَثَّ النساءَ على جَّرِ الشعب الى الخطيئة بل هو من "أشارعلى بالاق " أن يستعملَ طريق الشر ليوقعَ ببني إسرائيل فيعاقبَهم إلَهُهم (رؤ2: 14). وقد أكَّدَ مار بطرس بأنَّ بلعامَ "أحَّبَ أُجرةَ الشر" (2بط2: 15). مُنتقمًا بذلك من الشعب الذي سبَّبَ له خسارة مُكافأةٍ عظيمة. ربما كافأَه بالاقُ هذه المَرَّة لكنَّ كليهما لم يتنعما بالأنتقام لأنَّ ذلك أدَّى الى هلاكِهم إذ أمرَ موسى فقُتلا وأُبيدَ الشعبُ وأُحرقت المدن وغُنِمَت ممتلكاتُهم (عد31: 1-12). وأصبحَ بلعامُ رمزًا للطمع القاتل و، رغمًا عن إنحرافِه وذُلِّهِ، للأشرار الذين يستعملُ اللهُ أحيانً سوءَهم ليُخرج منه خيرًا أعظم للأنسانيةِ. سبقَ له وحَوَّلَ سوء إخوةِ يوسف ليجعله ملكَ مصرَ فيُنقذَ الشعبَ المختار. وكذلك " قسَّى قلبَ فرعون" ليُعاينَ مجد إلَهِ اسرائيلَ و يدفعَ مع شعبِه ثمن إستعبادهم لشعب الله وتعذيبَه (تك15: 13؛ خر4: 21؛ 3: 19-22). فآستغَلَّ طمع بلعام وتعَّلُقَه بمال الدنيا وخُبثَه ودناءَةَ نفسِه ليُظهرَ مجدَه في تنفيذ مشيئتِه و حمايةِ من يثقون به ويتكلون عليه ويحفظون كلامَه، وكشف مصيرالشعب الأسرائيلي الذي منه يخرج راعي البشرية ومُخَّلصُها. وكما جعلَ الله الأتان تنطقُ بدون وعيها هكذا نطقَ بلعامُ بقوة الله ما جهله، وباركَ بني إسرائيل.
القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com